19 November,2018

”مـتـحـــف تـاريــــخ بـيـــــروت“ فــي وســـــط بـيــــــروت  أول مـتـحـــف يـتــم إنـشـــاؤه ضـمــن مـوقـــع أثــري أيـضـــاً!

  

بقلم وردية بطرس

مدير عام الاثار المهندس المعماري سركيس خوري وعالمة الاثار لور سلوم

لقد بدأ العمل على الأرض لانشاء <متحف تاريخ بيروت> في العقار الملاصق لمبنى جريدة <النهار> حيث كانت سينما <ريفولي> الشهيرة قبل ان تُهدم في التسعينات. ولقد أطلق رئيس الحكومة سعد الحريري الشهر الماضي أعمال مشروع <متحف تاريخ بيروت> في وسط بيروت والممول بهبة من دولة الكويت في احتفال حضره وزير الثقافة الدكتور غطاس خوري، وسفير دولة الكويت عبد العال سليمان القناعي، ورئيس مجلس الانماء والاعمار نبيل الجسر، ورئيس بلدية بيروت المهندس جمال عيتاني، ومدير عام الآثار سركيس خوري، ومدير عام المكتبة الوطنية الدكتور حسان عكرة، ورئيس مجلس ادارة شركة <سوليدير> منير الدويري.

وقال رئيس الحكومة سعد الحريري خلال الاحتفال:

– ان <متحف تاريخ بيروت> هو جهد مشترك بين البلدية و<سوليدير> و<مجلس الانماء والاعمار>، بهبة كريمة من صندوق التنمية الكويتي، ولقد وضع تصميم هذا المتحف المهندس المعماري العالمي <رينزو بيانو> وسيتم تطوير كل المنطقة من ساحة الشهداء الى السراي الصغير الى <متحف تاريخ بيروت> الى التل الأثري الى الواجهة البحرية والى المرفأ.

وبدوره قال وزير الثقافة غطاس خوري:

– هذا الموقع سيروي تاريخ بيروت عبر حقب الزمن ويؤسس لمتحف يكون على قدر قيمة بيروت، وليس المتحف هو المعني فقط بالأمر بل سيتم تطوير كل المنطقة من ساحة الشهداء الى التل الأثري كلها لتصبح قبلة للسياح واللبنانيين لكي يعرفوا تاريخهم. وهناك خطط لتطوير وانشاء متاحف في كل المناطق اللبنانية وخصوصاً في بيروت.

مدير عام الآثار سركيس خوري واطلاق

123<متحف تاريخ بيروت>!

ولنطلع على تفاصيل انشاء <متحف تاريخ بيروت> ومحتوياته وأهميته كان لنا حديث مع مدير عام الآثار المهندس المعماري سركيس خوري وسألناه أولاً عن الحفريات الأثرية في بيروت فيقول:

– لقد بدأت الحفريات الأثرية في بيروت منذ العام 1920 على ايام الانتداب الفرنسي، كما أجريت حفريات أثرية في بيروت بعد الحرب اللبنانية، وتم الاكتشاف بأن بيروت مدينة أثرية مهمة، ولغاية اليوم استمرت الحفريات ونسميها حفريات انقاذية، فمثلاً في كل منطقة تشهد عمراناً كنا نقوم بمواكبة عمليات الحفر وعندما يتم اكتشاف الآثار كان يُكتب تاريخ بيروت من جديد، وهذا ما كان يحصل اذ كنا نعرف عن مدينة بيروت من خلال الحفريات السابقة… فعلى سبيل المثال عندما نقرأ في التاريخ المكتوب ان هناك مدرسة الحقوق او ان هناك مدينة رومانية، وعندما نجد اي شاهد على الموضوع نؤكد ذلك بالمقارنة مع الكتابات الموجودة لدينا لأنه بالنهاية هذا علم مثّبت.

ويتابع:

– ان الحفريات الأثرية مقسمة لأقسام عدة، فهناك الحفريات الأثرية حيث نجد في المكان أموراً معتادة نقوم بتفكيكها وتوثيقها وفق الأصول ونأتي بها الى مستودعات المديرية العامة للآثار، وهناك أمور متوسطة الأهمية حيث نترك القطع الأثرية في موقعها ونعمل مع المالك على مشاريع دمج واعادة دمج، فيما هناك أمور مهمة جداً، وفي هذه الحالة نطلب استملاك الأرض. اذاً هذه هي طريقة عمل المديرية العامة للآثار، ونتيجة الحفريات الأثرية التي تمت في بيروت أصبح لدينا معطيات تمكننا من انشاء متحف يروي تاريخ بيروت، ومن هنا انطلقت فكرة انشاء <متحف تاريخ بيروت>. ولقد قدمت وزارة الثقافة مشكورة هبة لانشاء المتحف عبارة عن مبلغ بقيمة 30 مليون دولار من <صندوق التنمية الكويتي>، ويجب الا يغيب عن البال ان لبنان لطالما اعتمد على السياحة والسياحة تزدهر بفضل تراثنا وآثاراتنا وتاريخ المدن العريقة مثل بعلبك وجبيل وصور وغيرها من المدن الأثرية والسياحية. نحن نعتبر اننا وزارة اقتصادية ونقدر ان نقوم بثورة اقتصادية لتنمية اقتصاد لبنان، ولهذا أطلقنا استراتيجية الخطة الخمسية لانشاء مشاريع متوسطة وصغيرة الحجم على كامل الأراضي اللبنانية هدفها التنمية المستدامة لأن لدينا مواقع أثرية على كل جغرافية الوطن، كذلك هناك مناطق في لبنان تعدّ مهمشة مثل عكار والهرمل والبقاع الغربي التي توجد فيها مواقع أثرية مهمــة ممكن ان يُقام فيها مشاريع سياحية لتنشيط تلك المناطق، ولهذا أطلقنا الخطــــة الخمسية لانشاء متاحف في كل المناطق اللبنانية والاستفادة من  القاعدة والمكونات الثقافية التي تملكها وزارة الثقافة، ذلك أنه لدينا مواقع أثرية غنية جداً مثل بعلبك والهرمل وكامد اللوز وقلعة راشيا  وقلعة حاصبيا، وكذلك في الجنوب هناك العديد من القلاع ومنها: قلعـــة دوبيــــه، وقلعة الشقيف، وموقع البرج الشمالي وقلعة دير كيفا وغيرها من القلاع التي يمكن ان تشكل سلسلة مع بعضها البعض لتنشيط السياحة فيها.

أهمية انشاء <متحف تاريخ بيروت>!

ــ وما أهمية انشاء <متحف تاريخ بيروت>؟

– بالنسبة لـ<متحف تاريخ بيروت> فهو ليس متحفا عادياً بل تكمن أهميته انه يُبنى في موقع أثري، اذ كما يعلم الجميع ان التل الأثري يعود لمدينة بيروت والتي جزء منها معروف من المدينة الفينيقية وأسواقها، وهناك أيضاً الحمامات الرومانية… ان بيروت هي تراكمات حضارية وليست طبقة واحدة صافية، اذ لا نقدر ان نقول انها مدينة رومانية بل هي طبقات تعود الى العصر البرونزي وكلها طبقات قديمة، والتل الأثري يضم أكثر هذه الطبقات القديمة، فيما التوسع العمراني يحصل عادة داخل المدينة، وبالتالي لا تبقى مدينة كما هي.

 

المتحف من تصميم المهندس المعماري العالمي <رينزو بيانو>!

الحفريات الأثرية في وسط بيروت مكان اقامة متحف تاريخ بيروت

ــ وماذا عن مساحة <متحف تاريخ بيروت>؟ ومن قام بتصميمه؟

– يقوم <متحف تاريخ بيروت> على مساحة 12 الف متر مربع، وهو من تصميم المعماري الايطالي المعروف عالمياً <رينزو بيانو> وتتولى <Atelier Brukner> (وهي شركة المانية من أهم الشركات بمجال انشاء المتاحف في العالم) العرض المتحفي للقطع الأثرية، وكما ذكرت ان صندوق التنمية الكويتي قدم هبة بقيمة 30 مليون دولار، كما قدمت <سوليدير> لنا الدراسات الهندسية والدراسات المتحفية، وأهمية هذا المتحف تكمن بموقع إذ انه لا يُبنى في شارع عادي، ذلك ان أكثرية المتاحف في العالم هي عبارة عن مبنى في المدينة، ولكن <متحف تاريخ بيروت> هو ضمن موقع أثري في موقع التل الأثري، فالتل الأثري موقع مهم بدأنا بالعمل عليه وطبعاً يحتاج المشروع للوقت لانجازه، والآن نقوم بدراسته بشكل ان تكون هناك ممرات سياحية للناس ضمن الموقع مع شرح كاف عن اهمية الموقع، وهذا المشروع يتولى العمل فيه فريق لبناني متخصص في هذا المجال ومن ضمنه المهندسة المعمارية ياسمين معكرون، فالزائر سيدخل الى المتحف ويكمل الى الموقع الأثري ليتعرف على تاريخ بيروت.

ــ وماذا عن الفرق وعلماء الآثار الذين يعملون ضمن هذا المشروع؟

– أولاً كما ذكرت ان المتحف يُبنى في مبنى <ريفولي> سابقاً الذي هُدم بعد الحرب في التسعينات، ونحن نقوم بالحفريات الأثرية منذ سنة ونصف السنة وفق القوانين العالمية والمعترف بها في <الأونيسكو>، ولقد كلّفنا بهذا الشأن فريقاً أثرياً مؤلفاً من مدير علمي وعلماء الآثار وخبراء في مجال اللقى الأثرية مثلاً لدينا خبير في الفخار، وخبير في العملات، وخبير في السراميك، وخبير في الزجاج اذ كل واحد يعمل ضمن اختصاصه، وحالياً تم اكتشاف طبقات أثرية من <موزاييك> او قطع أخرى، وبدورها تتعامل المديرية العامة للآثار معها وفق الأصول لإعادة دمجها ضمن الموقع الأثري او المتحف، وحالياً ندرس هذه الطبقات الأثرية وفق الأصول.

وتشرح لنا عالمة الآثار في المديرية العامة للآثار لور سلوم التي تتابع الحفريات الأثرية في بيروت عن طريقة العمل وتقول:

– كما سبق ان ذكر مدير عام الآثار سركيس خوري ان المتحف سيقوم في مبنى <ريفولي> الذي هُدم بعد الحرب، ولكن طبعاً أساساته قائمة ونحن من جهتنا في مديرية الآثار نتابع مع العاملين في الحفريات اذ اقوم بزيارة الحفريات بدون موعد مسبق لكي نتأكد بأن كل شيء يتم ضمن المعايير العلمية المتبعة عالمياً لناحية طريقة الحفر، لأنه كما تعلمين انه قد قُدمت هبة لانشاء هذا المتحف ويجب الحفاظ على طريقة صرف الهبة وما شابه… وبالنسبة للقى الأثرية فنتأكد بأن هناك متابعة لأن اللقى الأثرية لها أهمية كبيرة ربما بأهمية البنك المركزي في لبنان اذ كما ان للمصرف احتياطاً كذلك نحن أيضاً لدينا الاحتياط الأثري، كما يجب ان تُقدم التقارير العلمية المتعلقة بالحفريات فمثلاً اذا اعلمنا الشخص المتخصص بالحفريات انه وجد <موزاييك> فذلك ليس كافياً بل عليه ان يزودنا بالتقرير العلمي والى اي حقبة تعود تلك <الموازييك> وكل التفاصيل المتعلقة بالقطعة… هناك اختصاصات في علم الآثار، فمثلاً الفخار الذي يتم اكتشافه او الزجاج هو الذي يحدد عمر الطبقات التي تعملين عليها، ولهذا أمر أساسي ان تكون هناك مواكبة من الفريق المتخصص للدراسات بأي حفرية أثرية.

ريس الحكومة سعد الحريري يزيل الستار عن متحف تاريخ بيروت في وسط بيروتوتتابع:

– بالنسبة لـ<متحف تاريخ بيروت> فانه مثل صالة عرض يضم كل شيء ويلخص تاريخ بيروت كله وتوجد فيه لقى أثرية معينة، اذ يتم اختيار اللقى الأثرية التي تلخص حقبة معينة فكل حقبة لها مميزاتها، فمثلاً الفخار ليس نفسه طبق الأصل من حقبة لأخرى، وبالتالي لكل حقبة مميزاتها. وهناك اثريات وُجدت في بيروت كانت قد نُزعت من مكانها، وبالتالي ستُعاد الى مكانها بداخل المتحف لتلخص كيف كانت طريقة تفكير الناس وحياتهم وطريقة تعاملهم مع الأمور من كل النواحي سواء الاجتماعية او الاقتصادية.

 

علم المتاحف وتطوره!

وعن طريقة بناء المتاحف الحديثة تقول:

– لم تعد المتاحف اليوم صالات عرض، ففي الماضي كانت الفكرة ان يكون المتحف كبيراً ويدخل الزائر الى قاعة كبيرة، ولكن الآن يعملون على توجيه السائح مع مراعاة الأشخاص او الأولاد الذين لديهم <فوبيا> من وجودهم بداخل أماكن مغلقة داخل المتحف بحيث تكون هندسة المتحف بطريقة لا أحد ينزعج خلال الجولة داخل المتحف، اي ان الزائر ينعم بالسلام في المكان، وهذه أهمية الدراسات المتحفية التي لا تتطلب الوقت فقط بل أيضاً التكاليف لأن التنفيذ ليس سهلاً، اذ يجب ان يكون عملاً ضمن المواصفات المطلوبة للحفاظ على القطع الأثرية لأن هناك قطعاً مصنوعة من مواد البرونز ولأن أدوات البرونز مميزة فيجب ان تُوضع في <الفيترينات> بطريقة علمية، وطبعاً يجب ان يكون الطقس داخل المتحف مناسباً للقطع الأثرية. اذاً في السابق لم يكن علم المتاحف يتناول هذه الأمور أما اليوم فأصبح علم المتاحف منظماً ومتخصصاً وموجهاً أكثر، وطبعاً لا ننسى انه يجب ان يّدون على كل قطعة أثرية الشرح باللغتين العربية والانكليزية او الفرنسية والعربية لكي يطلع الزائر على كل ما يريد ان يعرفه عن تلك الحقبة الى ما هنالك. اذاً نحن نقوم بهذا العمل ونواكب التطور بعلم المتاحف، وطبعاً المهندس المعماري <رينزو بيانو> المعروف عالمياً قام بعمل مميز وسيلمس الزوار ذلك عندما ينتهي المشروع ويفتح المتحف أبوابه.