22 September,2018

مـئـويـــة لبـــنان الكبيـــر ستكــون فــي قـصـــر بـعـبـــدا بعــدمـا كــان الانـطــــلاق مــن قـصـــر الـصـنـوبــــــر!

 

بقلم وليد عوض

Lubnan-MAJED00007

قدّر الله وما شاء فعل، وأصبح للبلاد رئيس جمهورية، واستعادت السلطة العليا رأسها بعدما ظلت جسماً بلا رأس على مدى أكثر من سنتين ونصف السنة، وبدأ اللبنانيون يتساءلون: وماذا بعد ذلك؟

فريق من اللبنانيين هلل لانتخاب العماد ميشال عون، زعيم الأكثرية المسيحية رئيساً للجمهورية، ورأى فيه الرجل المعجون بالتجارب، الواسع الخبرة، الملم بتركيبة لبنان، وكاشف الخبايا التي في الزوايا، وظل طاهر الذيل، وما عرف عنه شخصياً أي تورط في الصفقات المشبوهة، وفريق تقبل النتيجة على مضض في سبيل أن يخرج لبنان من محنة الشغور الرئاسي الذي عطل عمل المؤسسات، وزلزل الوضع الاقتصادي، ويسلم من تأثيرات الحرب السورية، ولم يملك الفريق الثاني إلا أن يردد قول الشاعر: <يقضى على المرء في أيام محنته/ بأن  يرى حسناً ما ليس بالحسن>.

واللاعب الرئيسي في هذا الفرج الذي انفتحت أبوابه على اللبنانيين هو الرئيس سعد الحريري مهندس التسوية منذ أن رشح للرئاسة زعيم المردة سليمان فرنجية على أساس أن يكون اختراقه لصف الثامن من آذار كافياً لدحر الشغور الرئاسي، فإذا حساب الحقل لا ينطبق على حساب البيدر، وإذا ترشيح الحريري لفرنجية مقدمة لترشيح العماد ميشال عون، تماماً كالمرأة التي أحبها الشاعر عمر بن أبي ربيعة فقالت له: <إذا جئت فامنح طرف عينك غيرنا/ لكي يحسبوا أن الهوى حيث تنظر>.

وكان في ود سليمان فرنجية أن تنجح مبادرة تأييده من قبل سعد الحريري، ولكن تعداد الأصوات لم يخدم زعيم المردة لأن الحريري من الأساس كان يميل مع كتلته الى العماد ميشال عون، وزيارات وزير الصحة وائل أبو فاعور للسعودية تباعاً كانت تصب في هذا الاتجاه، وإن كان الصوت السعودي غير معلن لصالح أي مرشح، وعدم وجود أي <فيتو> سعودي يعني ان الطريق سالكة وآمنة أمام العماد عون.

وكانت العقبة الخليجية أمام ميشال عون انه هاجم اتفاق الطائف بعد إبرامه خريف 1989، الى أن تراجع في الأسابيع الأخيرة عن هذا الطلاق مع اتفاق الطائف، وكان هذا الاتفاق شرطاً أول من الرئيس الحريري لتأييد العماد ميشال عون، ولولا تراجعه عن رفض اتفاق الطائف لما أتيح لزعيم تيار الاصلاح والتغيير ان يكون بين الذين زارهم وزير الدولة السعودي لشؤون الخليج ثامر السبهان، وعدم زيارته كان سيفتح الباب للشائعات على مداها..

الموفد السعودي على جميع الجبهات

وكان الوزير السبهان حريصاً على زيارة كل القادة السياسيين والأمنيين في لبنان، بدءاً من الرؤساء نبيه بري وتمام سلام وسعد الحريري ونجيب ميقاتي، والمرشح الرئاسي سليمان فرنجية والأمير طلال ارسلان، فضلاً عن القيادات الروحية مثل المفتي الشيخ عبد اللطيف دريان، ونائب رئيس المجلس الاسلامي الشيعي الأعلى الشيخ عبد الأمير قبلان، والبطريرك مار بشارة بطرس الراعي، وقائد الجيش العماد جان قهوجي، ومدير عام الأمن الداخلي اللواء ابراهيم بصبوص، ومدير عام الأمن العام اللواء عباس ابراهيم، وبذلك استوعب كل الأطراف واحتوى كل الأفكار، وعاد الى الرياض بتقرير متكامل للوضع السياسي اللبناني، كاشفاً الغطاء عمن يوالي العماد عون وعن المعترضين على انتخابه لصالح المرشح سليمان فرنجية.

ولأن الماضي يعيد نفسه في أكثر الأحيان، فوجود المرشح الرئاسي سليمان فرنجية يذكرنا بحاكم مصرف لبنان الياس سركيس الذي خسر معركة الرئاسة بصوت واحد في مجلس النواب صيف 1970، وما لبث أن ربح كرسي الرئاسة في صيف 1976. وسليمان فرنجية الحفيد مهيأ لمعركة الرئاسة عام 2022، على غرار الياس سركيس.

ومن حظ الرئيس ميشال عون انه سيشهد الاحتفال بمئوية دولة لبنان الكبير كما حصل في قصر الصنوبر عام 1920، والمئوية ستكون في قصر بعبدا، لأننا بلد مستقل وليس تحت الانتداب، كما كان زمن الجنرال <غورو> صيف 1920.

ومن فرط ثقة العماد عون بنفسه كرئيس للجمهورية، قبل أن يتسلم الرئاسة، تولى الإيعاز الى مدير عام القصر الجمهوري انطوان شقير بتحضير ثلاثة قرارات ليضع عليها توقيعه في أول يوم يدخل فيه قصر بعبدا، أي يوم الثلاثاء أول تشرين الثاني (نوفمبر)، وهي قرارات تقضي بتعيين العميد سليم فغالي قائداً للحرس الجمهوري، والعميد بول مطر مديراً لمكتب رئيس الجمهورية، ورفيق شلالا مسؤولاً من جديد عن دائرة العلاقات الإعلامية والصحافة.

وكانت قيادة الحرس الجمهوري زمن الرئيس اميل لحود للعميد مصطفى حمدان، المسؤول الحالي عن تنظيم <المرابطون>، كما كان منصب مدير مكتب رئيس الجمهورية شارل حلو هو العميد الراحل شوقي الشعراني، وكان مدير القصر الجمهوري في زمن الرئيس اميل لحود هو العميد سالم أبو ضاهر الذي أصبح الآن في سلك رئاسة الحكومة، وكان ذلك بمثابة تحريك المنصب بين الطوائف وعدم حصره في الطائفة المارونية الكريمة.

 

جبهة.. الرفض!

والآن يدخل الرئيس ميشال عون قصر بعبدا، وفي وجهه معارضون مكشوفو الحجاب وهم نواب كتلة التنمية والتحرير الذين أذاع النائب أنور الخليل باسمهم ظهر السبت الماضي قرارهم بتأييد المرشح الرئاسي سليمان فرنجية، وانضم إليهم نائب المتن ونائب رئيس الوزراء الأسبق ميشال المر وحفيدته نائبة بيروت نايلة تويني، ولم يكن واضحاً ما إذا كان رئيس الكتائب سامي الجميّل ونواب كتلته مع التصويت للمرشح سليمان فرنجية، أو سيختار الورقة البيضاء التي طلب فرنجية اعتمادها بدل اسمه في ورقة الاقتراع. وهذه لعبة في منتهى الذكاء من زعيم تيار المردة، لأن الأصوات في البداية كانت موزعة كالآتي: أصوات بالجملة للعماد ميشال عون، وأصوات لا تقل عن ثلاثين للمرشح الرئاسي سليمان طوني فرنجية، وأصوات تتمثل في الأوراق البيضاء، وربما يكون عددها ثلاثين ورقة على الأقل، وبطلب فرنجية محو اسمه لصالح الورقة البيضاء، تكون الأوراق البيضاء في نتيجة الاقتراع هي أوراق سليمان فرنجية، دون أن يكون واحد من النواب بين بين.

وهكذا تحولت جبهة الرفض للعماد عون، الى جبهة الأوراق البيضاء، أو جبهة الياسمين.

ويقيس الخبراء جبهة الرفض البيضاء على جبهة المعارضة التي وُلدت في بيت الدين عام 1957 ضد الرئيس كميل شمعون وعلى رأسها الزعيم كمال جنبلاط واميل البستاني وغسان تويني، وكانت ركيزة من ركائز عون-3اجهاض عملية التجديد لكميل شمعون.

وكان المشهد اللافت في جلسة يوم 31 تشرين الأول (أكتوبر) تصويت نواب حزب الله برئاسة الحاج محمد رعد للمرشح ميشال عون، وفق ما وعد به أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله في خطابه الأخير، وأعلن انه لو كان مسموحاً بالتصويت العلني، لا بالورقة المطوية، لكان نواب حزب الله قد باحوا بأسمائهم وهم يضعون أوراقهم في صندوقة الاقتراع. وهو أول فراق سياسي بين حزب الله وحليفه الرئيس نبيه بري، مع العلم بأن المعارضة أمر مقدس في البلدان الديموقراطية. وهناك الآن في مجلس العموم البريطاني حكومة ظل من حزب العمال المعارض برئاسة <جيرمي كوربين>، ووجود معارضة معناه وجود مرآة كبيرة لكشف أخطاء أهل السلطة!

والمعارضة اللبنانية بزعامة الرئيس نبيه بري تعاين خطوات الرئيس ميشال عون وتضغط من أجل تشريع قانون انتخابات جديد يراعي مبدأ النسبية، ومن خلال نتائج الانتخابات الجديدة التي ستجري في أيار (مايو) 2017، سيصار الى رسم خريطة سياسية جديدة في لبنان.

 

رئيس المجلس… المعارض!

 

وهذه ليست المرة الأولى التي يتزعم فيها رئيس مجلس النواب جبهة المعارضة، فقد سبق للرئيس صبري حمادة أن حاول تعطيل انتخاب سليمان فرنجية الكبير صيف 1970 باعتبار ان صبري بك كان مع كتلة <النهج> المؤيدة للمرشح الرئاسي الياس سركيس ضد الحلف الثلاثي المؤلف من كميل شمعون وبيار الجميّل وريمون إده، إلا ان نائب رئيس مجلس النواب الراحل ميشال ساسين، وبإيعاز من الرئيس شارل حلو، أعلن فوز سليمان فرنجية بفارق صوت واحد، بعدما كان الرئيس حمادة قد ترك كرسيه وانسحب الى الداخل لكي لا يخذل الياس سركيس.

كما ان الرئيس كامل الأسعد أنشأ عام 1970 مع الرئيس صائب سلام وسليمان فرنجية، والنائب عبد اللطيف الزين تكتل الوسط لدعم أحد أقطابه سليمان فرنجية لمنصب الرئاسة، ضد مرشح <النهج> أو التكتل الشهابي، ونجح في مسعاه بإيصال فرنجية الى كرسي الرئاسة الى جانب عوامل أخرى كانتقال النائب فؤاد غصن في آخر لحظة من معسكر الشهابية الى معسكر فرنجية، وقال: <لا يمكن أن أخذل جاري> إشارة الى أنه نائب الكورة جارة زغرتا.

ولئن كان الرئيس بري عبر نواب كتلة التنمية والتحرير قد كفل النصاب البرلماني لانتخاب ميشال عون، فإنه سيكون القابلة القانونية لأول حكومة في عهد ميشال عون يشكلها سعد الحريري، وأول ما سيطالب به هو إبقاء حقيبة وزارة المال في سلته السياسية، على أساس انها مفتاح كل الوزارات، إضافة الى وزارة الأشغال، أي وزارة الإشراف على مطار رفيق الحريري، وسياسة الطرقات، ووزارة الطاقة للإمساك بملف الغاز والبترول اللذين هما مستقبل لبنان الواعد، فيما يتمسك الرئيس الحريري بوزارة الداخلية ووزارة الخارجية، مقابل تمسك فريق العماد عون بوزارة الدفاع، ووزارة التربية، ووزارة الاتصالات، ووزارة الطاقة، بحيث يكون عهد ميشال عون عهد استخراج النفط والغاز وتأمين احتياطي للخزينة  من 300 مليار دولار.

على كل حال هي معلومات افتراضية، أكثر مما هي برسم التنفيذ. وكان الملفت في خطاب القسم للرئيس ميشال عون انه لم يأت على ذكر اتفاق الطائف بالاسم بل دل عليه من خلال التزامه بمقدمة الدستور، ومقدمة الدستور تعتبر مبادئ اتفاق الطائف جزءاً لا يتجزأ من الدستور اللبناني، وهكذا أيد اتفاق الطائف بدون أن يسميه بعدما كان قد قلب له ظهر المجن.

والآن.. في قصر بعبدا رئيس قطف من أصوات النواب 83 صوتاً، وهو رقم كان لاطلاق قطار العهد الجديد في وجه معارضة عددها المبدئي 36 صوتاً، وعلى رأسها حزب الكتائب.

وما أكثر الألغام التي تنتظر مسيرة هذا القطار.

وأقول في آخر هذا المقال انني حين ذهبت في كانون الأول (ديسمبر) من عام 1996 للقاء العماد عون في المنطقة الباريسية <هوت ميزون> كنت أشعر وأنا أصافحه مودعاً أنني أصافح رئيس جمهورية مقبلاً، ويكون مثيل الرئيس فؤاد شهاب كنموذج للرئيس المجرد من.. الهوى!