23 September,2018

”مـؤتـمــــر سيـــــدر“... بـيـــن الإيـجـابـيــــات والـسلـبـيــــات!

بقلم طوني بشارة

ext 

يترقب القطاعان العام والخاص في لبنان تغيرا لافتا نحو تعديل موازين الاقتصاد المحلي عقب <مؤتمر سيدر-1> الذي عقد مطلع شهر نيسان/ ابريل الجاري في العاصمة الفرنسية باريس، علما ان لبنان يعاني للأسف ركودا اقتصاديا وبنية تحتية سيئة، جراء غياب الاستقرار السياسي لفترة طويلة، وتأثره بالحرب السورية وما استتبعها من أزمة النزوح السوري بعدما تجاوز عدد النازحين المليون ونصف المليون نازح.

فهل ستسهم حصيلة هذا المؤتمر في مساعدة لبنان على سداد ديونه المتراكمة وإصلاح الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يمر بها؟ علما أن المؤتمر مكّن لبنان من الاستدانة لمدة تصل إلى 30 عاما بفوائد تبلغ واحداً بالمئة، والجدير ذكره إن القروض التي حصل عليها لبنان تشمل 4 مليارات دولار من البنك الدولي، و1.35 مليار دولار قروضا من البنك الأوروبي للإنشاء والتعمير، وتجديد خط ائتمان جرى تقديمه سابقا من السعودية بقيمة مليار دولار، فهل ان هذا المؤتمر بديونه سيساعد على تحسين أداء الاقتصاد وتسجيل نمو مرتفع؟ وبالتالي هل سيسهم في خلق حركة ديناميكية اقتصادية تسمح للحكومة بتسديد الديون؟

أسئلة عديدة للإجابة عنها نقلت <الأفكار> رأي كل من الخبيرين الاقتصاديين الدكتور جاسم عجاقة والدكتور ايلي يشوعي.

جاسم عجاقة… وإيجابيات المؤتمر!

 بداية مع الخبير الاقتصادي جاسم عجاقة الذي نوه بأن تشريح <مؤتمر سيدر1> يُظهر أن لهذا المؤتمر إيجابيات وسلبيات على الاقتصاد اللبناني، ولكن أيضاً على واقعه السياسي، وهذه الإيجابيات والسلبيات يُمكن مقاربتها من وجهة نظر علمية كما وسياسية، وتالياً يُمكن لهذه الإيجابيات والسلبيات أن تختلف باختلاف المُقاربة. وركز عجاقة على ان <مؤتمر سيدر1> هو عبارة عن مؤتمر ضمّ 50 دولة لتقديم قروض استثمارية للبنان، وقد انتهى المؤتمر بتعهدات مشروطة من هذه الدول بلغت قيمتها 11 ملياراً و800 مليون دولار أميركي منها ما يُقارب الـ500 مليون دولار أميركي على شكل هبات (مشروطة أيضاً)، وتالياً لن يستفيد لبنان من هذه القروض إلا إذا طبّقت الحكومة اللبنانية التعهدات التي التزمت بها أمام هذه الدول والتي تحوّلت إلى شروط.

ــ اشرت الى ان لـ<مؤتمر سيدر> إيجابيات وسلبيات عديدة، حدثنا عنها؟

– لـ<مؤتمر سيدر1> إيجابيات اقتصادية ونقدية مُهمّة والتي إذا ما استغلت بشكلٍ صحيح فقد تُشكّل باب خلاص:

– من أهمّ الإيجابيات التي يُمكن ذكرها ضخ استثمارات في الماكينة الاقتصادية، وهذا ما يفتقده الاقتصاد اللبناني بشدّة منذ هجرة الاستثمارات الخليجية والتي دفعت بالنمو الاقتصادي إلى التراجع بشكلٍ حاد… هذه الاستثمارات ستسمح برفع النمو بنسبة 1 بالمئة لكل مليار دولار أميركي استثمارات في الماكينة الاقتصادية اللبنانية.

– وهذه الاستثمارات لن تمرّ بالطبع من دون خلق فرص عمل جديدة قدّرها رئيس الحكومة سعد الحريري بـ 900 ألف وظيفة على فترة عشر سنوات، في حين أن تقديراتنا هي بحدود الـ 30 ألف وظيفة سنوياً إذا ما تمّ ضخ كل مبلغ الـ 11.8 مليار دولار أميركي، ومن أهمّ القطاعات التي سيطالها خلق الوظائف قطاع البناء، قطاع المحاماة، قطاع الدراسات الهندسية، قطاع النقل، والقطاعات الداعمة الأخرى.

وتابع عجاقة قائلا:

– وان النموّ الذي سيُسجّل من الاقتصاد اللبناني، وبفرضية الالتزام بسقف الإنفاق الحالي، سيسمح بامتصاص العجز عبر رفع الميزان الأوّلي وتالياً تخفيف خدمة الدين العام، كما ان البنية التحتية التي سيعمل عليها، مُمكن أن تؤسّس لاستخدام لبنان كمنصّة لإعادة إعمار سوريا، وتالياً وفي هذه الحالة، سيكون النمو الاقتصادي أعلى بكثير نتيجة الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي سترتفع بشكل كبير يتجاوز الأربعة مليارات دولار أميركي.

واستطرد عجاقة قائلا:

– ودخول العملة الصعبة إلى الاقتصاد اللبناني سيُحسّن ميزان المدفوعات، وتالياً سيدعم الليرة اللبنانية ويُحسّن من تصنيف لبنان الائتماني، والتحسن في هذا الأخير ستكون له تداعياته الايجابية على خدمة الدين العام التي ستنخفض حكماً.

– الشروط المفروضة على لبنان في ما يخص الإصلاحات تطال عشرة قطاعات على رأسها الكهرباء، الاتصالات، الجمارك، المالية العامّة، محاربة الفساد، الإدارة العامّة، تحديث القوانين وغيرها… وهذه الشروط من شأنها تحسين مناخ الأعمال مما يساعد حكماً في زيادة الاستثمارات الخاصة إن مباشرة أو عبر الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

– زيادة الثقة الدولية في لبنان وإظهار الدور الاستراتيجي للبنان والواضح من خلال وجود 1.5 مليون نازح سوري، موقع لبنان الجغرافي كمنصّة لإعادة إعمار سوريا، الثروة النفطية، خطاب ماكرون الختامي…

ــ هذا بالنسبة للايجابيات، فماذا عن سلبيات <مؤتمر سيدر>؟

20180415_134109 

سلبيات <مؤتمر سيدر1>

– في مقابل هذه الإيجابيات، هناك سلبيات عدة تشوب هذا المؤتمر وعلى رأسها:

– عدم دعم قطاعي الصناعة والتكنولوجيا واللذين يُعدّان الأساس في الاقتصادات المُتطورة من ناحية استمرارية الوظائف ومن ناحية خلق صناعات ثقيلة.

– عدم استمرارية الوظائف بحكم أن كل الوظائف التي ستتوافر، ستختفي مع انتهاء هذه المشاريع في ظل غياب خطط اقتصادية لدعم قطاعي الصناعة والتكنولوجيا.

– وضع لبنان تحت وصاية اقتصادية أجنبية غير مباشرة لكونه لم يعد حراً كلياً في قراراته الإقتصادية إلا إذا أراد الإنسحاب من <مؤتمر سيدر1> وهذا شبه مُستحيل مع الوضع الاقتصادي والمالي الراهن.

– ربط التمويل بالاتفاق السياسي في لبنان وهو ما يُعدّ من الأمور الصعبة والتي ستزيد تعقيداً بحسب نتائج الإنتخابات النيابية.

– عدم وجود أي <كوتا> لعمل اللبنانيين في هذه المشاريع على مثال ما حصل في القطاع النفطي الذي فرض أن تكون 80 بالمئة من العمالة لبنانية.

– احتمال أن يكون قسم من هذا المبلغ قروضاً على شكل <Swaps> أي تبديل الدين المُستحقّ لهذه الدول بدين آخر، وتالياً سيحرم الاقتصاد من هذه الأموال.

ــ ولكن واستنادا الى التجارب السابقة فليس لدى الشعب اللبناني ثقة بالسلطة السياسية، فهل ان <مؤتمر سيدر> سيعيد ثقة الشعب بالقادة السياسيين؟

– ليس بالجديد القول أن ثقة الشعب اللبناني بالسلطة السياسية هي في أدنى مستوياتها على الرغم من وجود استثناءات لبعض الشخصيات السياسية، إلا أنه وبالمجمل هناك تراجع للثقة بالأحزاب وبالأداء السياسي للمسؤولين، وهذا الأمر ينعكس تلقائياً على نظرتنا كلبنانيين إلى <مؤتمر سيدر1>، فنتائج مؤتمرات <باريس 1، 2 و3> كانت مُخيّبة على صعيد التطبيق حتى ولو أن وعود التمويل كانت كبيرة.

ــ وهنا يُطرح السؤال: ألم تكن الأحزاب هي نفسها في السلطة في ذلك الوقت؟ ماذا تغيّر الآن؟ وما الذي سيجعل تطبيق <مؤتمر سيدر> مُختلفاً عما سبقه من مؤتمرات دعم؟

– هذه الأسئلة تبقى رهينة الأداء السياسي في المرحلة المقبلة خصوصاً بعد انتهاء الإنتخابات النيابية والبدء بتشكيل الحكومة حيث تُشير التوقعات ان الصراع بين القوى السياسية حول وزارتي الطاقة والمال سيكون ضارياً، ومن هذا المُنطلق يُمكن القول إن تحديد فترة شهرين كحد أقصى لتشكيل الحكومة يعتبر مؤشّراً لبوادر خير في حين أن اطالة مدة تشكيل حكومة لأكثر من شهرين هي نذير شؤم.

يبقى القول إن نظرتنا كلبنانيين لـ<مؤتمر سيدر1> تنبع من أداء السلطة السياسية خلال العقدين الماضيين، وتالياً فإن النظرة السلبية (المُحقّة) لـ<مؤتمر سيدر1> هي نِتاج نظرتنا السلبية لأداء القوى السياسية، وذلك بغضّ النظر عن التقييم الاقتصادي الفعلي لهذا المؤتمر، لكن يبقى هناك أمل كبير في ان يشكل المجتمع الدولي ضغطاً على السلطة السياسية في لبنان لناحية إجراء إصلاحات اقتصادية، مالية، إدارية وقانونية والتي تبقى بدورها من أهم النقاط الواجب إظهارها، وهذا الضغط قد (ونُشدّد على كلمة قد) يُغيّر من نهج السلطة السياسية الُمتّبع على صعيد إدارة البلد اقتصادياً ومالياً.

 

يشوعي وتشبيه <سيدر 1>

بـ<باريس 1و2و3>!

بدوره الخبير المالي والاقتصادي الدكتور ايلي يشوعي رأى ان <مؤتمر سيدر» سينقذ لبنان بقدر ما انقذته مؤتمرات «باريس 1 و2 و3» وغيرها من المؤتمرات العربية والدولية التي حاولت انتشال هذا البلد المنهوب على حد تعبيره، مشيرا في السياق عينه الى ان احد المراجع الرئيسية في صندوق النقد الدولي كتب تقريرا خاصا بالوضع المالي في لبنان، واصفا فيه محاولات انقاذ بلد الارز من خلال قروض ميسرة كمن «يعبي المي بالسلة»، وذلك لاعتبار المرجع ان مثل هذه القروض تنطوي علـــى مخاطــــر كبيرة وستؤول حتما الى سقوط هــــذه الدولــــة غــــير المنتجــــة في نكبــــات ماليـــة واقتصادية.

وارتكز يشوعي في تبرير هذه النتيجة على قناعته بأن من سيتصرف بالاموال هم انفسهم مَن تصرفوا في ما مضى بالخزينة اللبنانية وبالقروض والهبات.

ولفت الدكتور يشوعي الى ان المشكلة الاساس في لبنان هي ان كل من يتكبد الخسائر في الخارج يأتي الى لبنان لتعويم نفسه من خلال الصفقات والسمسرات ووضع الضرائب على الشعب المسكين الغارق بالفقر والعوز، فيما يعدون الناس بالازدهار الاقتصادي من خلال استثمارات كبيرة، متسائلا: عن اي استثمارات يتكلمون في ظل فوائد كهذه وبهذه الكلفة للاقتراض وبهذه الحاكمية لمصرف لبنان؟! وبناء على ما تقدم، قال يشوعي:

– مؤتمر «سيدر» غير بريء، إذ في حال اقرت الدول المشاركة فيه اعطاء لبنان قروضا ميسرة، فإنني لا أستبعد وجود مؤامرة اسرائيلية محبوكة بدقة لإسقاط لبنان نهائيا من خلال إغراقه بمزيد من الديون الخارجية، وما عجز المدفع عن تحقيقه بين العامين 1975 و1990 سيحققه العدو اليوم في عملية منح لبنان قروضا ميسرة.

وردا عن سؤال حول البديل عن <مؤتمر سيدر»، ختم يشوعي مؤكدا ان البديل يكمن في الافراج عن الاموال المعقمة والمعطلة في صناديق البنك المركزي تحت عنوان «تثبيت سعر صرف الليرة»، فلبنان يصنف عالمياً من بين اعلى البلدان نسبة لناحية الاحتياطيات الالزامية وهي 25 بالمئة على الودائع بالليرة اللبنانية و15 بالمئة على الودائع بالدولار، فيما الاحتياطيات الالزامية في العالم لا تتجاوز 4 بالمئة، معتبرا بالتالي ان افراج حاكم مصرف لبنان عن الاحتياطي الالزامي يؤمّن للخزينة 30 مليار دولار من اصل 65 مليارا شرط ان تأتي حكومة نظيفة وكفوءة وصادقة ومتخصصة في عملية النهوض بالاقتصاد.