24 August,2017

مـؤتـمـــر ”الـطـاقـــة الاغـتـرابـيـــة“ لـتـفـعـيـــل الـتـواصـــل بـيــن لـبـــنـان الـمـقـيـــم ولـبـــنـان الـمـغـتـــــــرب

بقلم طوني بشارة

1---a

في بداية شهر أيار/ مايو وبرعاية رئيس الجمهورية وبدعوة من وزير الخارجية، عقد مؤتمر <الطاقة الاغترابية اللبنانية> في <البيال>، مؤتمر حضره الآلاف من رجال الاعمال وسيدات الاغتراب اللبناني البارعين في مجال الاعمال والاقتصاد والسياسة، مؤتمر الغاية منه عودة الطاقات الإبداعية الى وطنها الام وتشجيعهم على الاستثمار في البلد الذي هاجروا منه، ذلك البلد الذي باتت الهجرة بالنسبة له بمنزلة مأساة مزمنة، يتعامل معها اللبنانيون منذ وُجدوا، فلبنان يسجل حالياً أعلى نسبة مهاجرين في العالم إذ تشير دراسة المنظمة العالمية للهجرة إلى أن لبنان يشكل البلد الأول في العالم من حيث كثافة الهجرة مقارنة بعدد سكانه، وبالرغم من أن الهجرة تعتبر حلماً للكثيرين، الا أنها تحوّلت في لبنان الى عملية <تهجير> مدروسة تقودها السياسات الأمنية والاقتصادية والعسكرية التي يعاني منها هذا البلد الصغير بمساحته، الكبير بالأطماع الإقليمية والدولية، فشعار <أنا مهاجر اذاً أنا لبناني> حمله اللبنانيون على مر السنين، وها هم ينتشرون اليوم على مساحة الكرة الأرضية يكملون حياتهم بعيداً عن الـ 10452كم2 ولا تربطهم بالبلد الأم إلاّ زيارات <خاطفة> أو علاقات مع الأقارب، ومن يفكر منهم في العودة يعود وفي داخله صراع العودة – البقاء، واللافت انه يكاد يكون هناك إجماع على أن الهجرة اللبنانية هي الأقدم والأضخم بين هجرات الشعوب العربية قياساً إلى تعداد سكان لبنان، ويبرر المغتربون اللبنانيون هجرتهم بأنهم يبحثون عن وطن يؤمن لهم فرص العيش والأمان ومصدر رزق لهم ولأولادهم، غير أن الهجرة اللبنانية هي عملية تهجير فرضتها الظروف الأمنية والسياسية والمعيشية حتى أصبحت هذه العملية <جزّاراً وطنياً> وتفرغ لبنان من قواه العاملة وأدبائه ومفكريه وشبابه.

2--a  

أعداد المهاجرين

واذا اردنا التحديد بالارقام فإن المجلة الاقتصادية الناطقة بالفرنسية <Le Commerce du Levant> تشير الى أن عدد الذين هاجروا منذ عام 1975 حتى عام 1995 يزيد على 786 ألفاً، وأن عدد الذين هاجروا أثناء الفترة بين 1975 و1990 هو بحدود 950 ألفاً، كما تراجعت الهجرة عام 1991 بعد انتهاء الحرب اللبنانية وعادت نسبة لا تذكر الى الوطن للعيش فيه وبلغ رصيد الهجرة بين 1991 و1994 نحو 48 ألف شخص.

لكنه مع دخول البلاد في أزمة اقتصادية حادة وتباطؤ النمو وتفشي البطالة، ازدادت أعداد الذين يسعون الى الهجرة بحثاً عن لقمة العيش ومستقبل أفضل.

ويشير مسح المعطيات الاحصائية للسكان والمساكن الذي أعدته وزارة الشؤون الاجتماعية بين أعوام 1997 و2004 الى أن عدد المهاجرين هو نحو 44 ألف لبناني سنوياً بينما ارتفع هذا العدد منذ عام 2005 الى نسبة تتراوح بين 60 و65 ألفاً سنوياً وبلغ ذروته خلال حرب تموز 2006.

ومهما بلغت الأرقام فاللبنانيون المغتربون <المشتّتون> في مختلف أنحاء العالم، يشتاقون إلى أرض الأرز ويحنّ إليهم أهلهم وأقرباؤهم المقيمون فيها، وما من منطقة في العالم 3--a لم تطأها قدَمٌ لبنانية، واللبناني لم يذهب مهاجراً إلى بلادٍ أخرى فحسب، بل أبدع فيها ورفع اسمَ وطنه لبنان.

إزاء هذا الواقع عمدت السلطات المعنية الى عقد <مؤتمر الطاقة الاغترابية> بغية تفعيل وتمتين علاقة المغتربين بأرضهم ووطنهم الأم، فما موقف الجهات المسؤولة عن هذا المؤتمر؟ وهل فعلا هناك بوادر أمل لعودة المغتربين؟ وما صحة ان العديد منهم لا سيما رجال الاعمال يسعون للاستثمار بالوطن الام؟

<الأفكار> قصدت مؤتمر <الطاقة الاغترابية> ونقلت رأي القيمين عليه كما التقت العديد من المغتربين وجاءت بالتحقيق الآتي:

 

باسيل والعودة الى لبنان – الوطن

وزير الخارجية جبران باسيل أكد بأن المهاجرين قد هجروا من أرض لبنان ولكنهم لم يهجروا لبنانيتهم، فاللبنانية هي رابطة انتماء الى حضارة وهوية وجين، وتلبية المغتربين للدعوة بهذه الكثافة هي دليل ارتباط بالوطن ان كان ثقافيا او سياسيا او اقتصاديا، ونوه باسيل بأن الموضوع المهم بالنسبة للقيمين على الدعوة هو ليس تلبية الدعوة وحسب، بل العودة ونعني بذلك العودة ليس الى اللبنانية – الانتماء، فهي غير موجودة من دون المغتربين، بل الى لبنان – الوطن، الذي يهجره أبناؤه المقيمون لشعورهم بأنه لم يعد لهم والاولوية للغرباء عنه، وهنا يصح القول: ويل لوطن اذا فضل المهجرين اليه على المهاجرين منه.

6--aوتابع باسيل:

– دائماً يلبي المغتربون الدعوة فهم فعلاً أبناء هذا الوطن الذي حمله الله رسالة إنسانية حضارية هي أكبر من جغرافيا وأرفع من بطاقة هوية وأسمى من قومية، ودائما يثبت المغتربون انهم رسل الله في ميدان الانسان ورسل لبنان في ميدان العالم.

وعن حقوق المغتربين في ذمة الوطن والقيمين عليه أشار باسيل: المغتربون هم أصحاب حقوق، وحقوقهم في ذمة هذا الوطن عديدة:

 – حقهم علينا اكثر من قانون استعادة الجنسية، بل سهولة نيلها، وها نحن نعلن منذ الآن بدء منحها لمن تقدم للحصول عليها أمثال خوليو سليمان روفايل وأولاده، ريكاردو فرنندو فؤاد الشملاتي، كونسبيون اوخينا الشملاتي، سونيا خوسيه سكر، نزيه خزاقة…

 – وتابع باسيل:

– حقهم علينا أيضاً هو أكثر من إمكانية للتصويت في الخارج التي تعتبر صعبة ولا تسهل سوى باعتماد المراسلة، بل حقهم بنواب ممثلين عنهم في الخارج، وها نحن نقاتل من اجل قانون انتخاب يتضمن ستة مقاعد لتمثيل المغتربين بنائب عن كل قارة في العالم.

 – حقهم علينا أيضا بقناصل فخريين في كل مدينة يوجدون فيها في العالم، وقد وقعنا منذ فترة قصيرة اول مرسوم لقنصل لبناني في برانكيا – كولومبيا.

7 -واستطرد باسيل قائلاً:

– ومن حق المغتربين أيضا تأمين وسيلة الكترونية تربطهم بلبنان ومؤسساته وناسه ومنتشريه وذلك عن طريق <Lebanon connect> ومن حقهم أيضاً ان نعمد الى عقد اتفاقيات تجارية مع كل دول الانتشار وأن ننشئ فيها غرفاً لبنانية تجارية مختلطة، ناهيك عن انشاء الصندوق اللبناني، الاغترابي.

زاهر والاستثمار في لبنان

وبعيداً عن خطاب السياسيين وقريبا من الواقع الاستثماري – الاغترابي في لبنان، التقينا الدكتور شئيم زاهر من الهبارية والمقيم في البرازيل منذ أكثر من أربعين سنة، والذي يعتبر من اهم 15 شخصية اقتصادية في اميركا اللاتينية وقد قام الوزير باسيل بتكريمه منذ فترة قصيرة في البرازيل، فزاهر يمتلك سلسلة من المدارس والجامعات في البرازيل وأميركا اللاتينية ويبلغ عدد طلابه ما بين لبنانيين وانكليز وبرازيليين 55 مليون طالب، وهو يفتخر بكونه من اصل لبناني ويسعى منذ فترة للاستثمار في لبنان في مجال التربية والتعليم عن طريق افتتاح مدرسة في بيروت تعتمد البرنامج العربي اللبناني، وبعد افتتاح هذه المدرسة سيعمد الى فتح فرع لها في البرازيل.

4--a 

ابي نادر والحنين الى لبنان

بدوره المغترب لويس ابي نادر المقيم في <الدومينيكان> أكد لنا ان هناك في الدومينيكان اكثر من 100 ألف مواطن من اصل لبناني ونوه ابي نادر الى ان الجزء الأكبر من الشركات والجامعات والمصانع في بلده المضيف أسسها مواطنون من اصل لبناني، كما لمع نجم اللبناني في السياسة وتسلم العديد منهم مناصب في الحكومة والسلطة بما فيذلك منصب نائب رئيس الدولة.

وتابع ابي نادر: جدي خوسيه هاجر من بسكنتا عام 1906 وقصد <الدومينيكان>، وبرع في مجال الاعمال والتجارة، كما ان ابي أسس جامعة <او اند مي> وتضم 52 ألف طالب، وبرز نجم ابي في مجال السياسة فشغل منصب وزير مالية، وساهم بإنجاز إعدام الديكتاتور <تروخيليو>، أما انا فطورت عددا من المشاريع السياحية واسست معملا للاسمنت، ولكنني اطمح لنيل منصب سياسي، ففي أيار/ مايو الماضي كنت المرشح الرئاسي ونلت 35 بالمئة من الأصوات، وحالياً انظم حملتي كمرشح عن الحزب الثوري العصري، ولكن أؤكد بأن 5--aجذوري اللبنانية ما زالت تؤثر على تصرفاتي فاللبناني مهما بعد عن بلاده يبقى دائما لديه حنين للوطن الذي هاجر منه.

اما نصار نصار المقيم في رومانيا وصاحب مشاريع استثمارية عديدة لاسيما في مجال الفنادق والسياحة والتعليم في رومانيا، فأعلمنا ان عدد الجالية اللبنانية في رومانيا يفوق الـ3000 لبناني و500 منهم برزوا في مجال التجارة والاستثمار، كما نوه نصار بأهمية المؤتمر لاسيما لجهة التنسيق وتبادل الخبرات في مجال التجارة والاستثمار، فهذا المؤتمر بالفعل يحمل في طياته أهمية بالغة ويساهم في تبادل وتلاقي الخبرات ووجهات النظر بين المستثمرين.

عطا الله والثقافة اللبنانية

بدورها بياتريس عطا الله وزيرة خارجية مدغشقر اكدت ان هذا المؤتمر يعطي فرصة لمشاركة مختلف الخبرات كما يساهم بتعرف أصحاب الكفاءات الاغترابيـــــة على بعضهم البعض مما يؤمن نظرة جديدة للمستقبل مع رؤية مشتركة تجاه العالم وخاصة لبنان، فالهدف الرئيسي من المؤتمر تقييم الروابط القوية التي تجمعنا وإتاحة ديناميكية 8جديدة قادرة على تخطي كل الحدود.

وتابعت عطا الله قائلة:

– لا يخفى على احد بأن الاغتراب عامل نمو ورافعة مهمة للتطور الاقتصادي، ولهذا ساهمت بتأسيس قسم خاص للمغتربين في وزارة الخارجية، واللافت ان اللبناني أينما حل يتمتع بثقافة تعتبر الرابط الأقوى الذي يجمعنا هو حول هويتنا اللبنانية، فمن دون هذه الثقافة نحن أشجار ارز من دون جذور.

وننتقل لنلتقي قنصل عام لبنان في جدة زياد عطا الله، الذي أكد ان شعار المغترب في جدة هو: لنبقى موحدين الولاء للبنان والوفاء لمملكة، وعطا الله يؤكد ان عدد المغتربين في جدة تجاوز الربع مليون لبناني يعملون في كافة القطاعات لاسيما الهندسة والتعليم والاستشفاء، وهم ساهموا بشكل او بآخر بإعمار المملكة وأهالي المملكة يعترفون بذلك، ونوه عطا الله بأهمية هذا المؤتمر الذي بالفعل يساهم في تحسين الاتصال والتواصل ما بين المغتربين ويؤدي أيضاً الى تبادل الخبرات ويساهم في تشجيع الاستثمارات في وطننا الام.

وموقف ايمان قصقص صاحبة مركز للتشخيص الشعاعي في جدة لا يختلف اطلاقا عن موقف زياد عطا الله، فقصقص اكدت على أهمية المؤتمر في تقريب المغتربين من بعضهم البعض، كما نوهت بأن مؤتمراً كهذا يساهم في تبادل الخبرات ويفتح المجال امام قيام مشاريع استثمارية في لبنان كما في كافة البلدان المجاورة.