16 November,2018

مغارة الفساد المعشش في الإدارات اللبنانية!

 

بقلم طوني بشارة

ليس من الحكمة في شيء انتظار سقوط الهيكل على رؤوس الجميع لكي نصدّق أننا كدولة وشعبٍ نعاني أزمة كبيرة، وقد تكون وجودية، وليس من السهل ابداً الخلاص منها، فكيف يُمكن للسلطات المُتعاقبة التي أغرقت البلد في هذه الدوّامة من الأزمات التي لا تنتهي، أن تجترح الحلول! حيث لا يُمكن توقّع أي مسار إيجابي في ظل تعاقب السياسيين أنفسهم الذين أصبحوا بحد ذاتهم أساس وقلب الأزمة ومُتفرّعاتها.

نعلم انه من واجب خبراء الاقتصاد في لبنان، كما وحاكم مصرف لبنان، ووزارة المالية، بث الخطابات الإيجابية في الموضوع المالي والاقتصادي، والتأكيد على أن لبنان ربما يمرّ بظرف صعب لكنه لا يوحي بانفجار ولا يصل لمستوى الخطورة القصوى، كما انه من واجب رئيس الجمهورية التأكيد في معظم مواقفه على أن لبنان سيتخطى هذه المرحلة الحرجة من الانهيار المالي والمؤسساتي وسيعاود عافيته المعهودة، وايضاً من واجب كل مسؤول وخبير بث هذه الخطابات من منطلق الحفاظ على الاستقرار الداخلي، نتفهم هذا الأمر، لا بل ونُقدسه، لكن ما لم نفهمه بالمقابل، هو تبادل الاتهامات في ما بينهم وكشف الفساد في الوزارات المعادية لهم.

 ازاء هذه الاتهامات المتبادلة يتساءل المواطن ويسخر قائلا: على من يكذبون؟ ولماذا تبادل الاتهامات وعدم البدء بوضع خطط حقيقية لإنقاذ الوضع؟

عن الواقع السياسي والاقتصادي والمالي والنقدي، وفي سبيل تقييم المرحلة السابقة واستشراف المرحلة المُقبلة من عمر هذا البلد، كان لمجلّة <الأفكار> لقاء مع عدد من الخبراء والمعنيين بضرورة مكافحة الفساد.

حمدان وتركز الفقر!

 

 المدير التنفيذي لمؤسسة البحوث والاستشارات الخبير الاقتصادي الدكتور كمال حمدان أكد انه حصلت في العقدين الأخيرين اتجاهات واضحة جداً وصريحة وصارمة باتجاه زيادة تركز الدخل والثروة في لبنان، وافضل مثال على ذلك دراسة قدمتها <جامعة السوربون – فرنسا>، والتي قامت بها الباحثة ديديا أسود تحت إشراف <بيكيتي> استطاعت الوصول إلى خلاصة مفادها أن 1 بالمئة من السكان يستحوذون على 25 بالمئة من الدخل و40 بالمئة من الثروة، أي أنه بين الستينات والآن، فإن حركة تركز الثروة والدخل هي حركة صاعدة جداً وقوية ومُتمادية.

وأضاف حمدان قائلاً:

– مما يعني أن قاعدة الفقر تزداد، والشرائح الوسطى والدنيا من الطبقة الوسطى تنهار، وموضوعيا كان من المفترض على النقابات والأحزاب اليسارية أن تتلقف هذه الانهيارات، وتعزز صفوفها بأن تضم الفئات الطليعية من هذه الشرائح التي تنهار وتجدد من مظهرها ومن خطابها، وهذا ما لم يحصل… ونتيجة لذلك ظهرت هذه الفقاعات التي عبّرت عن نفسها بمئات وآلاف الجمعيات… لأنه في مجتمع مثل لبنان صغير ومحكوم بتأثر كبير بما يحصل في العالم، وأيضاً من المعروف بأنه مجتمع منفتح وأغلب سكانه يعيشون في الخارج، وفيه حساسيات طائفية ومناطقية كثيرة ومهنية… هي أصلاً جزء من الروافد التي عززت هذه الطفرة والتكاثر في عدد الجمعيات… لأن هذه الطفرة والعدد الكبير من الجمعيات أصبحت ملعباً أساسياً للسياسيين لمحاولة مصادرة قرار هذه المجتمعات… تجد سفارات، قوى سلطة بكل أطرافها، حيتان المال واجهزة أمنية حتى لا نتحدث عن ما هو اخطر من ذلك، اذ ربما نجد دوراً لإسرائيل!

ونوّه حمدان قائلاً:

– هذا المسرح تتسابق عليه قوى اقتصادية وسياسية للإمساك بقراره ولكي يصبح بخدمة أجندتها، وهنا لدي رأي أنه لا يمكن للحركة المدنية بالمعنى الإيجابي أو للحركة اليسارية أو للحركة النقابية أن تقول: هذه

الطفرة ريحتها طالعة… هذا هو الشيطان!

ــ هل صحيح أن الدولة تخصص أكثر من مليار ومئتي مليون دولار لدعم بعض الجمعيات؟

– هذا خطأ من بعض الخبراء الاقتصاديين خلال اطلالاتهم في برامج الحوارات التلفزيونية… كل إنفاق الدولة حوالى 15 مليار دولار، هناك 40 بالمئة خدمة دين أي 6 مليارات، يبقى 9 مليارات… هذه التحويلات للجمعيات لا تأتي من وزارة واحدة فقط، مع العلم ان هنالك مسؤولية لوزارة الشؤون الاجتماعية عن ذلك بالإضافة إلى تحويلات عن طريق وزارة الصحة وعن طريق عدة وزارات وهيئات عامة أخرى مثل الهيئة العليا للإغاثة… جميعها وضع لها تقريباً 300 إلى 400 مليون دولار…

ــ هل تنظر بجديّة إلى حديث العديد من القوى السياسية عن محاربة الفساد؟

– برأيي الشخصي، الفساد هو ظاهرة عامة ومنتشرة خصوصا عبر العلاقات الزبائنية لزعماء الطوائف، فالفساد الأساسي هو في أروقة السلطة وعلاقتها بمجتمع الأعمال، فالفساد أساساً هناك، ولكن فتاته يستفيد منه عشرات لا بل مئات الألوف من الناس، لذلك هناك عقبات وصعوبات كبيرة في هذا المجال، ومن بين مجمل الأسباب التي تكمن وراء الفساد بتقديري أنّ النظام السياسي الطائفي هو بطبيعته مولد للفساد بالجملة، إذاً أي طرف يطرح مبادرة لمكافحة الفساد ما لم يربط هذا الطرح بالعمل على تفكيك النظام الطائفي واستبداله بنظام غير طائفي أو علماني مدني حقيقي… برأيي لن يكون لديه أمل كبير.

ــ هل يمكن أن تكون شركة <ماكينزي> وسيلة عبور بعض القوى السياسيّة إلى تحقيق الخصخصة، باعتبارها معروفة بتشجيع سياسات الطرد الجماعي للموظّفين؟

ــ برأيي، الأهم من <ماكينزي> هو خطة باريس 4 حيث هناك 285 مشروعاً تم طرحها بشكل صريح ومعلن، وحيث سيتم إشراك القطاع الخاص من خلال تمويل من 5 إلى 7 مليارات دولار عن طريق خصخصة الإدارة، فبعد 76 عاماً على الاستقلال فشلنا في بناء دولة، لكن هذا لا يجب أن يشعرنا باليأس من فكرة القطاع العام ودوره الذي يجب أن يبقى مركزياً، فالتقصير مردّه إلى أن حركة الاعتراض المدني واليساري والنقابي لم تستطع خلق ميزان قوى لفرض إصلاحات في بنية الدولة، كما إن الفشل في تحقيق الإصلاحات لا يجب أن يدفعنا إلى الاستسلام من خلال قبولنا شروط خصخصة الدولة، خصوصاً خصخصة الملكية، لاسيما إذا كانت المشاكل في بلدنا لا تنحصر فقط بالقطاع العام، بل تطال أيضاً بنية القطاع الخاص… هناك احتكارات لا أحد يتحدّث عنها، فثلاثة أرباع أسواقنا الداخلية محكومة بسيطرة شركتين أو ثلاث وهناك دراسة من 500 صفحة تؤكد ذلك، وهذه البنية الاحتكارية وعلاقة المحاباة بين كبار رجال الأعمال ومسؤولين في السلطة تشكل مخاطرَ كبيرة جداً على أي استسهال لخصخصة إدارة المرفق العام، بينما، لو كانت الحركة النقابية مُحصّنة وقوية والحركة المدنية واليسارية محصّنة وقوية، عندئذٍ فإنني لا أُعارض خصخصة بعض الحلقات في الإدارات وليس في الملكية… ولكن في ظل ميزان قوى هابط، ومحاباة بين رجال الأعمال ورجال السلطة، وفي ظل وجود تكتلات احتكارية، فإن التسليم بهذه السهولة بفكرة الخصخصة هو ذهاب نحو المجهول.

 

الاب خضرا ودور مؤسسة <لابورا>!

 

وبدوره الأب انطوان خضرا عرض عمل مؤسسة <لابورا> منذ بداية تأسيسها قبل عشر سنوات تقريبا الى يومنا هذا، وأشار الى أن المؤسسة التي تضم نحو 21 موظفاً قامت بجهد استثنائي لجهة الإحصاء لعدد الوظائف والموظفين في القطاع العام، ورصدت مئات ملفات الفساد في الإدارة، واضاءت على مسألة التوظيف بكل اوجهه، وقال خضرا بأن ما تمتلكه مؤسسة <لابورا> من معلومات موثقة عن الإدارة العامة في لبنان ليس متوافرا لدى أجهزة الدولة العاجزة على سبيل المثال عن معرفة عدد الذين يتقاضون رواتب شهرية من الدولة اللبنانية، وهذا الرقم المجهول هو الذي فضح سلسلة الرتب والرواتب التي بدأت بتقدير تكلفة تساوي 800 مليون دولار ولم تنته بعد على رقم محدد وهي تجاوزت المليون ومئتي الف دولار الى يومنا هذا، والرقم ليس نهائيا بعد.

وافاض خضرا بإعطاء شواهد وأمثلة على الفساد كظاهرة الذين يتقاضون من الدولة راتبين وأكثر، الى التوظيفات السياسية حيث ان العدد قد تجاوز 300 الف موظف ومتقاعد في الإدارات الرسمية والمؤسسات العامة والاسلاك الامنية والعسكرية، وهو رقم يقدر بـ25 بالمئة من حجم القوى العاملة وهي نسبة مرتفعة جدا بالمقارنة مع الدول الأخرى بحيث لا تزيد في اليابان عن 6 بالمئة وفي فرنسا عن الـ14 بالمئة.

وأكد خضرا انه باستثناء مجلس الخدمة المدنية، تطغى الوساطات والطائفية والرشوة على التوظيف في القطاع العام فيما بات التعاقد الوظيفي يشكل وجها جديدا للفساد، وقدم خضرا امثلة على مظاهر الفساد، ليس اقلها ان نحو 200 مدرسة رسمية فيها مدرس لكل اربعة طلاب او اقل، وان الطالب في المدرسة الرسمية يكلف الدولة بين 6 و8 ملايين ليرة.

وبعد استعراض شمل وزارة الطاقة ووزارة الصحة والجمارك، وغيرها من الوزارات والمؤسسات العامة، خلص الأب خضرا الى أن الواقع في حال استمراره ينبىء بكارثة اقتصادية ومالية واجتماعية، معتبرا ان النخب اللبنانية معنية بأن تقول كلمتها في وجه الإدارة السياسية وان تعمل على إعادة بناء الثقة بين الدولة والمواطن، كما شدد خضرا على استعداد <لابورا> بأن تساهم مع كل المخلصين من اجل تكامل كل جهود الساعين للإصلاح وحماية الدولة في سبيل وقف الانهيار وإعادة الاعتبار للقضاء والإدارة العامة ولوقف مزاريب الهدر التي لم يعد لبنان يحتمل بقاءها.

 

جاسم عجاقة وافة الفساد!

وبدوره الخبير الاقتصادي الدكتور جاسم عجاقة أكد بأن الفساد آفة وُجدت مع وجود الإنسان بحكم أن تجّمع الإنسان ضمن مجموعات ومبدأ «المصلحة الذاتية العقلانية» يفرض نظاما اجتماعيا سلطويا شموليا في أغلب الأحيان مدعوماً ببعد ديني، يعمل على نشر مناصريه في كافة مراكز القرار بهدف خدمة النظام ومصالحه، ويلحظ التاريخ أن اللبنانيين تجمّعوا منذ البدء في تجمّعات دينية حاربت على كل الأصعدة (عسكرياً، فكرياً…) للبقاء على قيد الحياة، ونتج عن هذه التجمعات نظام بشكل ديموقراطي، لكن بالواقع هو نظام طائفي، مذهبي، حزبي، مناطقي… وبالتالي، أصبح هناك سُلّم أولويات يختلف بحسب المجموعات، لكن العنصر المُشترك بينها يبقى بدون أدنى شك الوصول إلى السلطة.

وتابع عجاقة قائلاً:

– هذا الأمر يخلق عوارض جانبية تُعتبر أساس الفساد، منها تضارب المصالح (العامّة والخاصة) وصول أشخاص غير مؤهّلين إلى مناصب القرار (نظرية بيتر 1970)… هذه الظواهر تُخالف مبدأ الانتماء الصادق الذي نادى به <بلاتون> والذي يعتبر أن الانتماء إلى مجموعة عادة هو إنتماء صادق نابع من عاطفة وإدراك، وهذه المخالفة لنظرية <أفلاطون> تأتي من مبدأ أن الشخص يكتشف الكمّ الهائل من المصالح التي قد يستفيد منها شخصياً جرّاء إنتمائه لمجموعة معيّنة، وبالتالي يبدأ الفساد بالتفشّي مُظهراً الجانب السيئ للتوزيع البشري.

ــ ماذا عن كيفية محاربة الفساد؟

– الآليات التي اعتمدت لمحاربة الفساد تحوي عدّة أبعاد: قانوني، تشغيلي، وثقافي، ويفرض البعد القانوني سنّ القوانين التي تسمح بضمان وجود إدارة رشيدة كما وشفافية عالية في التعاطي بالشأن العام، أمّا البعد التشغيلي فيتمثّل بوجود آليات تسمح بتفادي الاستفراد بالقرار وملاحقة الفساد، ويبقى البعد الأخلاقي العنصر الأساسي الذي على أساسه يتمّ القضاء على الفساد.

ــ هلا تعدد لنا اضرار الفساد؟

– أضرار الفساد لا تُعدّ ولا تُحصى وعلى رأسها خسارة الخزينة العامّة لكمّ هائل من الأموال قدّرناه في دراساتنا بعشرة مليارات دولار أميركي وهذه الخسارة تؤدّي إلى تراكم الدين العام ومعه خدمة الدين العام. لكن الضرر ليس مالياً فقط، فالضرر الاقتصادي أعظم ويتمثّل بخلق مشاريع «الفيل الأبيض» إلى الحرمان الاقتصادي مروراً بغياب الخطط الإنمائية وهروب رؤوس الأموال الاستثمارية.

وتابع عجاقة قائلا:

– لقد عجزت السلطة السياسية في لبنان عن محاربة الفساد تحت شعار «المحافظة على السلم الأهلي» من ناحية أن المسّ بفاسد في منصب في الدوّلة يعني بالمعادلة اللبنانية المسّ بطائفته! وبالتالي، غابت محاربة الفساد مع العلم أن الأسماء معروفة ومتداولة في الصحافة بشكل مفضوح، ومما <زاد الطين بلّة> فقدان الجسم القضائي لاستقلاليته مما جعل محاسبة الفاسدين من شبه المُستحيلات.

ويبقى السؤال عن مدى صدق والتزام القوى السياسية التي أعلنت كلها مواقف مناهضة لتفشي الفساد في الدولة وذلك في جلسة مجلس النواب لإقرار موازنة العام 2018، فهل سنشهد إجراءات عملية في هذا الاتجاه بعد تشكيل الحكومة العتيدة؟ وهل ستقوم السلطة السياسية بوضع خطّة تكون هيئة التحقيق الخاصة عمادها؟ الجواب سيظهر في الأسابيع والأشهر المقبلة.

في الختام، لا يسعنا القول سوى أن لبنان لن ينهض اقتصادياً ولا مالياً ولا اجتماعياً إلا إذا تمّت محاربة الفســــاد، وحتى مشاريع <مؤتمر سيدر 1> ستذهب سدى إن لم يتمّ العمل جدّياً على محاربة الفساد، وعلى هذا الصعيد ندعو الحكومة اللبنانية العتيدة المقبلة إلى التعاون بشكل مباشر مع هيئة التحقيق الخاصة للإفادة من تجربتها.