18 November,2018

معركة سياسية وديبلوماسية شرسة لانتزاع قرار من مجلس الأمن الدولي يؤكد حق الشعب الفلسطيني في رسم حدود دولته، ولكن المشروع اصطدم بالرفض!

بقلم صبحي منذر ياغي

   22    يحتفل الشعب الفلسطيني باليوبيل الذهبي لانطلاقة حركة التحرير الوطني الفلسطيني <فتح> في 1/1/1965، هذه الانطلاقة التي يعتبرها البعض تجسيداً لعلامة فارقة بعدما كان العالم أجمع ينظر إلى الفلسطينيين كتجمعات سكانية هنا وهناك تحتاج إلى المساعدات والمعونات الإنسانية والحياتية.

<إتكالاً منا على الله وإيماناً منا بحق شعبنا في الكفاح لاسترداد وطننا المغتصب، وإيماناً منا بالموقف العربي الثائر من المحيط إلى الخليج، وإيماناً منا بمؤازرة أحرار وشرفاء العالم… لذلك فقد تحركت أجنحة من قواتنا الضاربة في ليلة الجمعة، 31/12/1964- 1/1/1965، وقامت بتنفيذ العمليات المطلوبة منها كاملة ضمن الأرض المحتلة، وعادت جميعها إلى معسكراتها سالمة..>!

عبارات حملها البلاغ العسكري رقم <1> لحركة <فتح> في 1/1/1965، الصادر عن القيادة العامة لقوات <العاصفة>، معلناً بداية العمل العسكري ضد الاحتلال الإسرائيلي مع <عملية عيلبون>، التي استشهد فيها أحمد موسى الدلكي، ليكون الشهيد الأول في الثورة الفلسطينية.. فكانت هذه الكلمات التي حملها هذا البلاغ العسكري كفيلة للفت أنظار العالم الى انطلاقة الثورة الفلسطينية التي نمت وكبرت وصار لها حضورها العربي والدولي، وصارت أمراً واقعاً عمّده الفلسطينيون بدمائهم التي سالت من أجل تحرير فلسطين السليبة التي اغتصبها الصهاينة في العام 1948…

وقد حذر البيان العدو من القيام بأية إجراءات ضد المدنيين الآمنين العرب أينما كانوا، لأن قواتنا سترد على الاعتداء باعتداءات مماثلة، وستعتبر هذه الإجراءات من جرائم الحرب، كما نحذر جميع الدول من التدخل لصالح العدو بأي شكل كان، لأن قواتنا سترد على هذا العمل بتعريض مصالح هذه الدول للدمار اينما كانت.

 

رد الفعل الاسرائيلي

33

رد الفعل الاسرائيلي السريع على نشاط <العاصفة> كان يوم 14 كانون الثاني/ يناير 1965، عندما أعلن الناطق العسكري الصهيوني اعتقال مجموعة من المتسللين العرب كانت متجهة لتدمير منشآت المياه في اسرائيل لمصلحة منظمة إرهابية سرية. ففي ذلك الوقت كان مشروع اسرائيل بتحويل مياه الاردن يثير جدلاً كبيراً، وكان الهدف الاول لقوات <العاصفة> تخريب ذلك المشروع. وقالت صحيفة <معاريف> الاسرائيلية ان المنظمة الجديدة تدعى <قيادة قوات الهلال الفلسطينية>، فيما حث رئيس الوزراء الاسرائيلي <ليفي اشكول> الاسرائيليين في كلمة ألقاها في 19/1/1965 على الاستعداد، وبدت الحالة أشد خطورة عندما قال <اشكول> لرجال <الهاغانا> السابقين في خطاب ألقاه يوم 26/1/1965 انهم قد يدعون الى الخدمة مجدداً لحماية اسرائيل من <المخربين>!

من <فلسطيننا> الى <فتح>

تعود نشأة <فتح> الى سنة 1959 عندما تجمع عدد من الشباب الفلسطيني، كان بعضهم قد شارك في العمليات الفدائية في غزة عام 1956، وتنادوا لتنظيم نوع من الدعاية، والنشاط السياسي، لكنهم لم يكونوا آنذاك يعملون تحت اسم <فتح>.. فبعد عدوان 1956، بدأ تنامي القوى الفلسطينية يشتد أكثر، حيث برز العديد من المنظمات الصغيرة، والتي وصل عددها الى حوالى 25 منظمة، كلها تسعى للوصول إلى الهدف نفسه، وهو النضال من أجل فلسطين. وصـدرت فـي شهر تشرين الثاني/ نوفمبر 1959 مجلة شهرية باسم <فلسطيننا> دعت إلى إنشاء كيان فلسطيني مستقل عن الأنظمة العربية. وفي نهاية الخمسينات، تأسست <حركة التحرير الوطني الفلسطيني> وكان نواتها الأولـى: ياسـر عـرفات <أبو عمار>، خـليـل الوزير <أبو جهاد>، سليم الزعنون <أبو الأديب>، صلاح خلف <أبو إياد>، سعيد المسحال وكمال عدوان… وجرى دمجها مع مجموعة أخرى كانت قد تشكلت في قطر والسعودية تحمل الأفكار نفسها، يقودها محمود عباس <أبو مازن>، ومعه: محمد يوسف النجار <أبو يوسف>، رفيق النتشة وسليمان الشرفا… وأصـدرت فـي شهر تشرين الثاني/ نوفمبر 1959 واستكملت الجناح العسكري <العاصفة> في العام 1962.

وكان للمملكة العربية السعودية دورها الاول في دعم انطلاقة هذه الحركة الثورية. وبرأي الكاتبة دنيا حبيب نحاس ان هزيمة العرب على يد اسرائيل في حزيران/ يونيو1967 كانت الولادة الثانية لـ<فتح>، كما أكدت إصرار الحركة على شن حرب شعبية طويلة الامد…

11

عرفات في السجون العربية

وبعد التهديدات التي أطلقها <اشكول>، أمرت القيادة العربية بإيقاف نشاط أعضاء حركة <فتح> ونظمت وسائل الاعلام العربية حملة ضدها متهمة إياها بالعمل لحساب الحلف المركزي بغية إعطاء اسرائيل ذريعة لمهاجمة البلدان العربية. فكان عرفات ومعه قادة <فتح> يتعرضون للاعتقالات إذ تم اعتقال ياسرعرفات في سوريا وعدد آخر من قيادات حركة <فتح> وزج بهم في معتقل الشرطة العسكرية القديم قرب جامعة <دمشق>، ومن ثم نقلوا إلى سجن <المزة> العسكري، كما سبق وتم اعتقال ياسر عرفات في سوريا نهاية العام 1965، كذلك اعتقل بداية العام 1966 في لبنان اثر محاولته التسلل الى داخل الأراضي المحتلة عند بلدة كفركلا اللبنانية المجاورة للحدود الفلسطينية، حيث دام الاعتقال ثلاثة أسابيع، بعد أن أحيل الى مخابرات المكتب الثاني اللبناني برئاسة الضابط سامي الخطيب ويروى عنه انه خلال فترة اعتقاله داخل ثكنة مار الياس في بيروت أمسك بقضبان السجن مهدداً ومتوعداً بتدمير بيروت. وكانت السلطات المصرية قد اعتقلت ياسر عرفات بعد محاولة اغتيال جمال عبد الناصر على يد جماعة الإخوان المسلمين في تشرين الاول/اكتوبر 1954 لأنه كان ناشطاً طالبياً ويعتبر من المتعاطفين مع الإخوان مع انه لم ينضم اليهم.

 

الكفاح المسلح

وحسب الزميل هيثم زعيتر الذي أعد دراسة عن انطلاقة الثورة الفلسطينية ان قرار خيار الكفاح المسلح من خلال العمل العسكري سبقه اتساع الخلافات داخل اللجنة المركزية لحركة <فتح> في الكويت حول تقديم موعد انطلاقة الثورة الفلسطينية من بداية العام 1965 ثلاثة أشهر، وكان لصوت محمود عباس <أبو مازن> و<أبو الأديب> إلى جانب ياسر عرفات <أبو عمار> وخليل الوزير <أبو جهاد>، الحسم في اللجنة المركزية لحركة <فتح>، عند التباين بشأن تحديد موعد انطلاق الكفاح المسلح بتاريخ 1 كانون الثاني/ يناير 1965..

77

 

عملية <عيلبون>

ولدى اتخاذ قرار القيام بعمل عسكري في منتصف العام 1964، اختير هدف العملية الأولى، والتي حملت اسم عملية <عيلبون> لعدة أسباب، ومنها:

– ان الحكومة الإسرائيلية بدأت تُخطط لسرقة المياه العربية من خلال العديد من المشاريع التي كانت تقوم بها عبر تحويل مجرى نهر الأردن نحو خزان مياه طبريا، حتى لا تصل المياه إلى أراضي صحراء النقب – جنوب بئر السبع، وقد أطلقت على هذا المشروع <مشروع المياه القطري>، وقرر <أبو عمار> وأعضاء اللجنة المركزية لحركة <فتح> أن يكون الهدف الأول لعملهم في الكفاح المسلح العسكري ضرب مشاريع الاستيطان الإسرائيلية، وتم تحديد هذا الهدف – أي مشروع تحويل مجرى نهر الأردن باتجاه بحيرة طبريا، والذي بدأ بضخ المياه عبر قناة مائية مكشوفة – شمال غرب البحيرة وحتى قرية عيلبون في الجليل.

 

 تنفيذ العملية

تنقل أفراد المجموعة بين الجبال والوديان سيراً على الأقدام، يحملون المتفجرات، مختبئين نهاراً، ومستأنفين المسيرة ليلاً، وظلوا على هذه الحال ثلاثة أيام، حيث التقوا بدليل كان ينتظرهم داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، ساعدهم في الوصول بتاريخ 31 كانون الأول/ ديسمبر إلى المنطقة التي سيتم فيها تنفيذ العملية، فقام وحش إبراهيم وحسن حميدي بزرع المتفجرات داخل النفق، ثم ضبطا ساعة التوقيت للتفجير بتاريخ 1 كانون الثاني/ يناير – أي صبيحة اليوم الأول من السنة الجديدة، فعادا أدراجهما باتجاه النهر، فتناولا طعام السحور، ثم توضآ وأقاما صلاة الفجر، بعدها انقسما إلى فرقتين، أخذت كل منهما طريقاً تختلف وجهته عن الأخرى، وكانا قد فرغا أسلحتهما قبل دخول الحدود الأردنية، ليدخلا إليها من دون أسلحة.

وأعلنت حركة <فتح> البلاغ العسكري رقم <1> الصادر عن القيادة العامة لقوات <العاصفة>، مُطلقة العمل العسكري ضد الاحتلال الإسرائيلي، حيث اعتبر هذا التاريخ بداية انطلاقة الثورة الفلسطينية.

 

لا لتقزيم النضال

 

فالثورة الفلسطينية لم تكن وليدة الأول من كانون الثاني/ يناير 1965، بل إن ذكرى انطلاقة الثورة الفلسطينية كانت قبل احتلال الإنكليز لفلسطين عام 1918. وحسب ما قاله الباحث الفلسطيني بدر الدين مدوخ <ان الشعب الفلسطيني هبّ قبل ذلك التاريخ مندداً بالعديد من السياسات التي تنتقص من الحقوق الوطنية الفلسطينية، فلقد خرج الشعب مندداً بـ<وعد بلفور> المشؤوم، ثم كانت الثورات العديدة في عهد الانتداب الإنكليزي، فكانت ثورة 1919، ثم الثورة اللاهبة في القدس عام 1920، وثورة يافا عام 1920 والتي استمرت أسبوعين، ثم ثورة البراق، والتي وقعت بين العرب الفلسطينيين أصحاب الأرض، وبين المستوطنين اليهود كان ذلك في شهر آذار/ مارس عام 1929 والتي أعدم الإنكليز على أثرها عطا الزير ومحمد جمجوم وفؤاد حجازي، ثم ثورة عز الدين القسام عام 1935، ثم الإضراب الشهير والذي امتد 183 يوماً، ثم ثورات عديدة قام بها الشعب الفلسطيني ضد أعدائه.

واعتبر بدر الدين مدوخ غامزاً من قناة حركة <فتح> ان الجرم الكبير الذي نرتكبه – نحن كفلسطينيين- عندما نختصر ثورتنا الفلسطينية بانطلاقة فصيل فلسطيني بعينه، أياً كان هذا الفصيل. لقد قدم الشعب الفلسطيني من جميع شرائحه العشرات بل المئات من الشهداء والجرحى قبل عام 1965، وعرف الثورات والأحزاب والحركات والتنظيمات قبل انطلاقة حركة <فتح> – على الأقل – بثلاث وعشرين سنة من التفكير بإنشاء حركة <فتح> عام 1957، حيث تأسس <حزب الدفاع الوطني>، و<الحزب العربي – الفلسطيني> عام 1934، بل إن المؤتمرات الوطنية والقومية عقدت قبل ذلك بعقود من الزمن، فقد عقد المؤتمر القومي الأول في القدس عام 1919.

55

يعتبر مدوخ ان الادعاء بأن الثورة الفلسطينية انطلقت في الأول من كانون الثاني/ يناير عام 1965 يمثل تقزيماً للنضال الفلسطيني، وهذا يعكس ثقافة هذا التنظيم المبنية على تجاهل الغير أو احتواء الآخرين وتهميش دورهم وتقزيم تضحياتهم، بل إن سيطرة حركة <فتح> على منظمة التحرير كانت مبنية على اتهامات نسجتها بطريقة ذكية لإسقاط أحمد الشقيري، كأول رئيس لمنظمة التحرير، ولتسيطر على المنظمة بعدما خافت على وجودها من تنامي قوة جيش التحرير التابع للمنظمة وانضمام أغلب الشباب له، مما اضطرها للدخول في المنظمة للسيطرة عليها في الرابع من شباط/ فبراير عام 1969، أي بعد خمس سنوات من تأسيس المنظمة في 28/05/1964 عشية انعقاد المؤتمر الفلسطيني الأول في مدينة القدس.

واضاف: لا ينبغي لنا أن نختزل تاريخ الشعب الفلسطيني ومن خلفه شهداء العرب والمسلمين في تاريخ فصيل أو منظمة، فالأول من كانون الثاني/ يناير هو تاريخ إعلان <فتح> عن نفسها، لكنه ليس بحال من الأحوال تاريخ انطلاق الثورة الفلسطينية.

 

الاعتراف بالدولة الفلسطينية

في حين اعتبر الزميل محمد طبش ان حركة <فتح> بانطلاقتها التاريخية في الفاتح من كانون الثاني/ يناير عام 1965 شكلت ولأول مرة في تاريخ الشعب الفلسطيني وأرست أركان المشروع الوطني التحرري وما يؤكد ذلك هو كون حركة <فتح> هي الفصيل السياسي الوحيد الذي يجسد اسمه <حركة التحرير الوطني> ومصطلح الوطني لم يأتِ في برنامج أي من الفصائل السياسية، ومن هنا فإن هذه الحركة وبكل موضوعية وبعيداً عن أي مبالغة في القول هي صاحبة وأم المشروع الوطني الفلسطيني.

44

واضاف: تأتي ذكرى الانطلاقة هذا العام وكل الأحرار والمناضلين ومحبي السلام في العالم يتطلعون بإعجاب وانبهار إلى مدى صمود واستمرارية هذه الحركة في العطاء ومواصلة المشوار. وفي هذه الأثناء، ثمة معركة سياسية وديبلوماسية شرسة وأكثر تعقيداً من المعارك الأخرى كافة حيث نسير في اتجاه انتزاع قرار من مجلس الأمن الدولي ومن المنظمات الدولية كافة يؤكد على حقوق الشعب الفلسطيني في رسم حدود دولته، فالقيادة السياسية الفلسطينية وبتوجيهات الرئيس أبو مازن تطرق كل أبواب العالم وتحشد كل المقومات التي تدفع نحو إنجاز هذا الهدف بعد أن وصلت المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي إلى طريق مسدود جراء تعنت وتهرب حكومة الائتلاف الديني اليميني العنصري بزعامة <نتنياهو> من متطلبات عملية السلام كافة وتأجيج وتفعيل وسائل الانتفاضة الشعبية السلمية الحضارية لدفع دول العالم ومحبي السلام لمساندة الشعب الفلسطيني في نيل حقوقه العادلة من خلال تصفية الاستيطان وتفكيك الجدران العنصرية في الضفة الغربية والاعتراف بحدود دولة فلسطين…. وقد ودع شعبنا قبل أيام رمز وبطل هذه الانتفاضة الشهيد القائد زياد أبو عين الذي لفظ أنفاسه الأخيرة وهو يعانق تراب الأرض الطيبة وكانت آخر كلماته وهو يصرخ في وجه المحتل: <إن وجودكم هنا غير شرعي ويجب أن ترحلوا>.

فهل يستعيد الشعب الفلسطيني حقوقه الكاملة بعد مرور 50 عاماً على انطلاقة ثورته، وينال الاعتراف الأممي لقيام دولته الفلسطينية؟ وهل تتحقق الأماني والحرية التي سقط من أجلها شهداء هذه الثورة في كل أصقاع الأرض؟