13 December,2019

معرض ”لص بغداد“ في ”دار النمر“: صورة العرب في عيون السينما العالمية وملصقاتها !

 

بقلم عبير انطون

 

هي دعوة للجمهور حتى يستكشف جماليات الملصقات المنتجة في الغرب بين العام 1910 ونهاية القرن العشرين اضافة لطرق تصوير العرب في السينما الغربية من خلال افلام مثل <الف ليلة وليلة> و<سندباد> و<كليوباترا> و<علاء الدين> و<شهرزاد> وغيرها.

فما في هذه الملصقات الاصلية، اي هوية عربية تظهر من خلالها، ما الذي اثّر بها، وما أبرز دلالاتها؟

التجول في معرض <لص بغداد> يكفل الاجابة عن جميع هذه الأسئلة…

عمر ذوابة الحائز شهادة الماجستير من <جامعة مونبولييه> الفرنسية حول موضوعه <فيروز خارج وطن الرحبانيين> هو مسؤول التواصل والمحتوى في <دار النمر>، وهي مؤسسة مستقلة أسسها جامع الأعمال الفنية رامي النمر والهدف منها تقديم مساحة للفن والانتاجات الثقافية من فلسطين وأنحاء العالم. تتألف الدار من الصالة الرئيسية التي تنظم فيها المعارض على مستوى كبير كالمعرض الحالي <لص بغداد> فضلا عن المسرح الذي تنظم فيه عروض المسرح والافلام والندوات، بغير القاعات المتعددة الاستعمالات والمكاتب.

يتكوّن المعرض الحالي <لص بغداد> من 108 ملصقات لأفلام أصلية، وقصاصات صحفية وصور فوتوغرافية من مجموعة عبودي أبو جودة الخاصة (يمتلك دار الفرات للنشر والتوزيع) جمعها من بيروت وعدة بلدان عربية وغربية كالدانمارك وفرنسا وايطاليا وغيرها على امتداد أكثر من نصف قرن. عبودي ابو جودة يملك شغفا مهولا بالأرشفة والملصقات، حتى انه قد يستقل الطائرة مثلا اذا علم بملصق يهمه ولو كان في بلاد بعيدة، وقد وصل عدد ما جمعه منها الى 550 ملصقا سينمائيا و300 صورة ودفتر اعلاني من حوالى 20 دولة.

ويعود الملصق الأقدم في المعرض الى <أفيش> فيلم <لص بغداد> الأميركي، وهو الفيلم الصامت الذي انتج عام 1924 ومن ثم اعيد انتاجه 3 مرات واعيد توزيعه عالميا على امتداد أكثر من سنة وصولا الى العام 2000، وبالامكان اعتبار هذه الحقبة ضمن المرحلة الاولى لصورة العربي في السينما الأجنبية. ومع نجاح نسخة العام 1940 من <لص بغداد> بدأت العودة الى قصص <الف ليلة وليلة>، فأنتج العديد من الافلام خاصة الاميركية، المستوحاة من أجوائها، مثل علي <بابا والاربعون حرامي> (1944) و<الف ليلة وليلة> (1945) و<السندباد البحار> (1947) ومنها ما كان بالهندية مثل فيلم <علاء الدين والفانوس السحري> (1952) أو بالفرنسية <علي بابا والاربعون حرامي> (1945) مع <فرناندل> وسامية جمال، والفيلم الفرنسي – التونسي المشترك <جحا> (1958) الى غيرها العديد من الأفلام الأخرى.

 

بغداد…!

 لقد جذبت مدينة بغداد السينمائيين، يشرح عمر وهو يتجول معنا في المعرض متأهبا لأي استفسار ويزيد قائلاً:

– لقد وردت في أكثر من 55 فيلما هوليووديا لأنها كانت عاصمة الخلافة، وعاصمة ممالك مختلفة على مدى التاريخ، وفي الوقت عينه لأن بغداد كانت محجا للمستشرقين الذين يزورون العالم العربي ويكتبون عنه، فصوَر الكثيرون من المخرجين افكارهم حول البلدان العربية من خلال كتب الاستشراق الغربية او انتجوا تلك الأفلام ضمن اغراض ايديولوجية فكرية، محددة مسبقا.

وأضاف:

– للأسف، حصرت ملصقات الافلام الهوية والمنطقة والطريقة العربية بموضوع محدود جدا، وهذه هي الفكرة الأكبر للمعرض، اي مساءلة الصورة النمطية للعرب من خلال

الملصقات. الصورة سلبية نوعا ما، خيالية فانتازية في بعضها، تصور الرجل العربي المغوار الشجاع على الفرس، فيما تبرز المرأة العربية خاضعة لا حول لها، مع تركيز على الجانب الحسي الجنسي، بمعنى انها فاقدة لقرارها وغير ملكة على نفسها، ويُعدّ <أفيش> فيلم <الشيخ> <مثلا من الامثلة الصارخة على ما اقول بحيث ترون الرجل واقفا يستعرض ذكوريته فيما المرأة قبالته خاضعة مترجية، واذكر هنا ان لنجاح هذا الفيلم في العام 1921 من بطولة <رودولف فالنتينو>، دورا ساهم خلال عقد العشرينات بتصوير ما يقارب تسعين فيلما تدور موضوعاتها بشكل او بآخر حول العرب حيث الصورة المترسبة في ذهن كل متفرج عن تلك الأفلام الأولى، هي صورة الكائن الهمجي المجبول بالعنف والشهوات. والامثلة غيرها عديدة كملصق فيلم <حصل في عدن> حيث التركيز على اظهار المفاتن الانثوية في مقابل الرجولة والفحولة.

سياسة… وجاسوسية!

 

 – لم تغب ايضا، وكما يشرح ذوابة، الغايات السياسية عن الكثير من الافلام، اذ عمد الانتاج السينمائي العالمي بعد الاستيطان اليهودي وتقسيم فلسطين الى تثبيت بعض الأفكار في عقول المشاهدين في مسعى سياسي واضح اضيفت اليه غاية فكرية مفادها التحذير من العرب وتصوير <اسرائيل> كدولة مؤيدة ومدافعة عن مصالح الشعوب وخاصة المصالح الأميركية، وبعض هذه الأفلام أصبحت نموذجا يحتذى به في تناول الارهاب مثل <الأحد الأسود> (1977) و<الشبكة> الذي كان اول فيلم يحذر من هجمة استثمارية عربية تحد من حرية الاعلام الأميركي وتستولي على محطاته. لكن، وفي جانب آخر، لم يخل الانتاج من افلام ايجابية كفيلم <الرسالة> و<أسد الصحراء> لمصطفى العقاد مثلاً.

 ونتوجه مع عمر الى يمين المعرض. هنا فُردت مساحة للأفلام التي صورت في بيروت تحت اطار <صوّر في لبنان>، او كانت عاصمتنا مسرحا لأحداثها. ففي الستينات والسبعينات كانت بيروت بحسب ذوابة مقصدا للمنتجين للتهرب من الضرائب المرتفعة في بلادهم، فحين تكون ميزانية الفيلم محدودة كان المنتجون يفضلون التوجه الى بلاد ضرائبها غير مرتفعة.

نسبة كبيرة من هذه الافلام يمكن تصنيفها في خانة المغامرة والحروب والتجسس والتشويق والافلام البوليسية في محاكاة لفيلم <007>، وبين أبرز تلك الافلام <24ساعة للقتل في بيروت> (1965) و<الجواسيس تغتال في بيروت> في العام نفسه، <آخر الطائرات الى بعلبك>، او ايضا فيلم <القاهرة> في العام (1963). وقد شارك في هذه الأفلام بحسب كتيّب المعرض، عدد من الممثلين العرب منهم فاتن حمامة وسامية جمال وجميل راتب وشكيب خوري واحسان صادق وآخرون، كما كان لمشاركة عمر الشريف في فيلم <لورنس العرب> (1963) شأن كبير في وصوله الى أدوار أخرى في السينما العالمية.

 ونتوقف مع ذوابة عند ملصق <الجاسوس الهارب> اللافت، وهنا يشرح:

– أحيانا ولغايات التوزيع ونجاح الفيلم على شباك التذاكر كان عنوان <الافيش> يتغير او حتى يضاف اليه، كمثل <افيش> هذا الفيلم الذي الصقت عليه – من دون ان تكون في أصله – عبارة <بركة في بيروت> علما ان اية شخصية في الفيلم او اية كلمة فيه لا تشير الى <بركة>. اما لماذا هذه الاضافة؟ فلأن اسم <مهدي بن بركة> كان قد عُرف جدا من خلال الاخبار والصحف، ولتسويق الفيلم واستقطاب الجماهير عمد الموزعون الفرنسيون الى اضافة اسم <بركة> على الملصق واختاروا تغيير اسم الفيلم وادخاله عليه، وتلاحظون ان هذه الكلمة ملصقة لصقا على <البوستر> الذي يتناول حربا جاسوسية تجري بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي الا انها تجري في بيروت.

 

 الثري والحورية…!

ــ وماذا عن دور شركات التوزيع في <الافيشات> هذه؟

– لم يكن لشركات التوزيع التي تشتري حقوق عرض الافلام الهوليوودية او غيرها من اعتراضات على الـ<أفيشات> أو على الصورة النمطية التي تعزّزت. بالنهاية كانوا يرون فيها اعلانا جاذبا لأفلام المغامرة و<الفانتازيا> و<الارض الساحرة> التي تغمرها الكنوز والعجائب ويسكنها السحرة والحوريات الغاويات والراقصات الجميلات والشيوخ الشجعان والجن والمصباح السحري، وهذه كلها تشكّل عناصر جاذبة حتى لو نمت عنها اساءة للهوية العربية… المهم ان تكون <مدرة> للبطاقات.

وأضاف:

– اما لغة تلك الافلام الاجنبية فقد كانت تعتمد على الدوبلاج الى العربية في غالبيتها ولم تكن الترجمة طاغية كما حاضرا.

 ــ لكن اي من هذه الافلام لاقى الاقبال الأوسع عند الجمهور الغربي؟

 يجيب ذوابة بأن الاقبال الذي عرفه فيلم <لص بغداد> الذي انتج عام 1940 كان منقطع النظير بحيث ادى نجاحه الكبير الى اعادة توزيعه في اربع حقبات مختلفة، فهو انتج في الاربعينات وآخر مرة تم عرضه فيها كانت في سنة 2000 وتمت دبلجته الى العربية كما الى عدة لغات من حول العالم وصدر على اسطوانة مدمجة بنسخ مرممة منقحة رقميا.

 

فن الملصقات…!

 

ونصل الى التقنيات والمواد التي صنعت بها هذه <الافيشات>. هي متفاوتة، يعود تاريخ معظمها الى السنوات الفنية قبل استخدام تقنيات الطباعة الحديثة بين تسعينات القرن 19 وسبعينات القرن العشرين يقول ذوابة، ويتّضح تعدد المدارس الفنية في هذه الملصقات، ففي الملصقات الاميركية تركيز على النص والرسالة الجاذبة او الصادمة، فيما عُني الاوروبيون بجمالية <الافيش> فنيا. كذلك يمكن ان يحوز الفيلم الواحد على اكثر من <افيش> بحسب البلد الذي يعرض فيه بحيث نشاهد ملصقا بالابيض والاسود مثلا كتبت رسالته باللون الأحمر بينما الفيلم عينه الذي صدر في ايطاليا كان بمثابة اللوحة الفنية. وما انتبه له عبودي جامع الملصقات، يقول ذوابة، ان الرسامين من فرنسا وايطاليا اظهروا الحس الفني وأولوا اهتماما اكبر بالصورة، فعناصرها وان حملت اشكالية معينة في معناها، انما هي كمادة جمالية او فنية رفيعة المستوى، مع ترجيح طبعا لكفة الايطاليين والفرنسيين من خلال أجساد مرسومة بإتقان ومناظر طبيعية جذابة وألوان نابضة بالحياة تنمي عن عالم من الابداع والخيال.

وحول مدى عكس <الافيش> لميزانية الفيلم والمبالغ المصروفة عليه، يؤكد ذوابة ان العلاقة ليست ضرورية، ولا تشكل انعكاسا اكيداً، فقد تكون ميزانية الفيلم <مهولة> ولكن <الافيش> صمم على عجل من دون عناء كبير، وأحيانا يحدث العكس

تماما بحيث تكون ميزانية الفيلم محدودة أو انه أنجز في ظروف انتاجية صعبة، ليولى <الافيش> عندها عناية خاصة بهدف الترويج فيرصد له مجهود اكبر.

ويضيف ذوابة:

– الطامة الكبرى أن <أفيشات> بعض هذه الافلام لا تمت الى واقع البلد المحكي عنه بصلة. في تلك الفترة كان الملصق هو الدعاية الوحيدة، ورسام الملصق كان يتمتع احيانا باستقلالية تامة وأحيانا لا يشاهد الفيلم مكتفيا بتوجيهات المخرج له بان القصة تدور في بلد عربي وفيه رجل شجاع وامرأة جميلة فيرسم على هواه. فعلى ملصق فيلم <لا شاتلين دو ليبان> مثلا الذي أنتجته فرنسا في العام 1956 نرى خيماً بدوية هي اصلا غير موجودة في لبنان، واختار الرسام مجموعة من الجمال ليرسمها على <الافيش>، لكن الضربة القاضية كانت برسمه لآبار النفط على الملصق معتبرا انها في لبنان فجعله عربيا خليجيا وفيه نساء جميلات ورجال اثرياء. الأمر سيان بالنسبة الى فيلم <بو جست> مثلا أو <أغنية الصحراء> في نسخه الثلاث حيث تحولت جبال الريف في المغرب الى ارض خراب عارية تماماً الا من كثبان الرمال.

ومن بين الممثلين العرب الذين وصلوا إلى اعمال عالمية اسماء معدودة، عمر الشريف يظهر على ملصق فيلم <لورنس العرب> الذي شارك فيه، وكذلك الممثل الكوميدي المصري اسماعيل ياسين في فيلم <جحا> وهو من انتاج فرنسي – تونسي مشترك، اما فيلم <حلاق بغداد> لاسماعيل ياسين ايضا فهو <افيش> الفيلم العربي الوحيد الموجود في المعرض… اتصور انها من الملصقات النادرة التي يظهر فيها ممثلون عرب يقول ذوابة، كما وتظهر الراقصة سامية جمال في احد <الافيشات> ايضا.

صورة وصوت…!

ومن غرفة جانبية في المعرض نسمع موسيقى وأصواتا منبعثة من ممثلين فيتهيأ لنا اننا في صالة السينما التي تعرض واحدا من هذه الافلام التي نستكشف تفاصيل <افيشاتها>. نسأل ذوابة فيجيب:

– الموسيقى التي تسمعونها من هذه الغرفة هي الموسيقى المصاحبة لمختارات من أفلام <الأفيشات> المعروضة هنا، وتحديدا أكثر المشاهد الصادمة فيها والتي كما سبق وأشرت تحمل دلالة على مجموعة الصور النمطية التي تحدثنا عنها…