23 September,2018

مطلب عون بإعادة النازحين يتفاعل إيجاباً في نيويورك... آلية عمل لـ”اختبار نوايا“ دمشق في تسهيل العودة!

عون-الامم-المتحدةإذا كانت مشاركة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون للمرة الأولى في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك  قد ملأت فراغاً استمر ثلاث سنوات نتيجة الشغور الرئاسي من أيار/ مايو 2014 وحتى نهاية تشرين الأول/ أكتوبر 2016، فإن ما حملته الأيام الأربعة التي أمضاها الرئيس عون في نيويورك بالنسبة الى لبنان، شكّل نقلة نوعية في مقاربة هذا البلد الصغير للقضايا الكبيرة التي تشغل العالم راهناً، وفي مقدمها الأوضاع في دول عربية أبرزها سوريا والعراق، وما خلفته من تداعيات سياسية واقتصادية واجتماعية وإنسانية تضاف إليها معاناة النازحين، إضافة الى التعاطي مع ملف الإرهاب الذي دق أبواب دول كثيرة كانت إداراتها السياسية تعتقد أنها في منأى عنه، فضلاً عن القضية الفلسطينية لبّ أزمة الشرق الأوسط، والتي تراجع اهتمام الدول بها نتيجة الحروب التي شهدتها الدول العربية المجاورة لإسرائيل التي أدت ممارساتها ماضياً وحاضراً الى إبقاء القضية الأم بالنسبة الى الدول العربية، وبعض دول العالم، من دون حل، وإن تعددت المبادرات التي انحسرت كلها نتيجة ما فعلته المنظمات الإرهابية وفي مقدمها تنظيم <داعش> حامل لواء الدولة الإسلامية الذي بدأ يذوب شيئاً فشيئاً حيث أشعل الحروب، ليخلّف إرهاباً متنقلاً في عدد من العواصم العربية والأوروبية بحيث لا يخلو أسبوع إلا ويضرب الإرهاب <الداعشي> في مدينة أو عاصمة أوروبية…

من هنا، أتت كلمة الرئيس عون أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، والمواقف التي أبلغها الى الذين التقاهم على هامش هذه الاجتماعات، لتحدد الاستراتيجية التي ينوي العهد الجديد اعتمادها في معالجة هذه المشاكل بالجملة والمفرق، والقائمة على المصارحة والوضوح بدلاً من المجاملة والغموض والحديث في العموميات التي جعلت الموقف اللبناني رمادياً لسنوات خلت. ولعل ما جعل الموقف اللبناني يتميز بالصراحة هو ذهاب الرئيس عون الى نيويورك متسلحاً بإنجاز حققه الجيش اللبناني في حربه ضد التنظيمات الإرهابية في جرود السلسلة الشرقية من جبال لبنان، تلا سلسلة نجاحات في كشف خلايا إرهابية نائمة بفعل العمليات الاستباقية التي نفذتها القوى العسكرية والأمنية اللبنانية والتي كانت موضع تقدير جميع من التقاهم رئيس الجمهورية من مسؤولين دوليين وأمميين. وإذا كان الرئيس عون سجّل من على أعلى منبر دولي هذا النصر وجيّره لدول العالم التي عانت من الاعتداءات الارهابية، فإنه في المقابل شدد على ضرورة تعاون الدول في ما بينها، تعاوناً حقيقياً لمكافحة الإرهاب وما يتفرع عنه لاسيما تجفيف مصادر تمويله من جهة، والتنسيق لكشف خلاياه من جهة أخرى، لأن تمدد الخلايا الإرهابية النائمة وتمكينها من تحقيق اعتداءاتها المتنوعة يمكن وضع حد له إذا ما كانت الدول المعنية بمكافحة الإرهاب تتصرف على نحو يؤدي الى القضاء فعلياً على هذه الخلايا من خلال أعمال استخباراتية فاعلة تحتاج الى جهود مشتركة عمادها تبادل المعلومات من جهة، ورفع الغطاء عن الممولين الحقيقيين للإرهاب، دولاً كانوا أم أفراداً، من جهة ثانية.

 

الصوت اللبناني مع عودة النازحين

 

أما بالنسبة الى مقاربة ملف النازحين، لاسيما منهم أولئك الذين نزحوا من سوريا، فإن الصوت اللبناني الذي أطلقه عالياً الرئيس عون كان مختلفاً عن أصوات أخرى قاربت هذا الملف بحذر وبرغبة في عدم التصدي له بالعمق، أي من خلال معالجة أسبابه أولاً، ثم تنظيم مستقبله من جهة ثانية. وفيما انشغل الموجودون في نيويورك بما قاله الرئيس الأميركي <دونالد ترامب> حول بقاء النازحين (او اللاجئين كما سمّاهم) في الدول التي تستضيفهم وصرف المال اللازم لذلك، أتى موقف الرئيس عون كرئيس جمهورية دولة معنية بدرجة أولى بأعداد كبيرة من النازحين واللاجئين، ليكون أول جواب على طرح <ترامب> من المنبر نفسه الذي قيل فيه، منبر الأمم المتحدة، وفيه <أن لبنان لن يسمح بالتوطين لا للاجئ أو لنازح مهما كان الثمن، والقرار في هذا الشأن يعود لنا وليس لغيرنا>… أكثر من ذلك، ذهب الرئيس عون بعيداً في تصحيح مسار الطرح الرئاسي الأميركي حين لفت الى أنه لا يمكن تصحيح جريمة طرد الفلسطينيين من أرضهم بإنكار حق العودة عليهم، وبفرض التوطين على اللبنانيين. وحمّل الرئيس عون الأمم المتحدة مسؤولية مساعدة النازحين على العودة الى وطنهم بدلاً من المساعدة على بقائهم في مخيمات لا يتوافر فيها الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة. وفي طرح لامس التطورات العسكرية المستجدة في سوريا، صارح رئيس الجمهورية المجتمع الدولي بأن 85 بالمئة من الأراضي السورية قد أصبحت في عهدة الدولة السورية التي تقوم ايضاً بمصالحات مع المجموعات المسلحة التي تقاتلها وتترك للمقاتلين حرية الخيار بين أن يبقوا في قراهم أو أن يرحلوا الى مناطق أخرى، فكيف بها مع نازحين هربوا من الحرب؟ مستشهداً بما حصل بعد الاحداث الاخيرة في الجرود اللبنانية لتأكيد هذه الوقائع، مضيفاً ان اللجوء الجماعي الى لبنان حصل لسبب أمني أو اقتصادي لذا نسميه نزوحا وليس لجوءاً، وهو لم يقترن بقبول الدولة كما أنه ليس إفرادياً بل على شكل اجتياح سكاني، معتبراً أنّ المجموعات الإرهابية اتخذت من بعض تجمّعات النازحين مخابئ لها محوّلة إياها بيئة حاضنة، وكانت تخرج منها لتقوم بتفجيراتها حاصدة أرواح الأبرياء، مشدداً على ان بلدنا صغير المساحة كثيف السكان محدود الموارد، وقد جاء النزوح ليضيف 50 بالمئة  من نسبة سكانه فزاد من صعوباتنا الاقتصادية ومن نسبة الجريمة على أنواعها،  ليخلص الى نتيجة بأنه إذا كان اللجوء إفرادياً ولسبب سياسي تكون العودة طوعية، ويترك للاجئ السياسي تقدير توقيتها، وهذا النوع من اللجوء يقترن بقبول الدولة المضيفة، لذا وجب وضع النقاط على الحروف في الحالة التي نشهدها، ووجب تأمين عودة النازحين إلى مناطق آمنة ولم تعد تشهد قتالاً، مما يضع النظام السوري تحت مجهر الاختبار في التعامل مع النازحين وتسهيل عودتهم، فإذا كانت النتيجة ايجابية يمكن تعميم تجربة العودة تدريجاً على مجموعات وعلى دفعات، وإذا كانت النتيجة سلبية يتم الرد على القائلين بهكذا عودة بما في ذلك اولئك الذين ينادون اليوم بالتعاون مع النظام السوري في حل مسألة دقيقة مثل مسألة النازحين لأن لها الكثير من الابعاد الإنسانية التي لا يمكن تجاهلها.

وأشارت المصادر الدولية الى أن الامين العام للأمم المتحدة <انطونيو غوتيريس> أبدى تعاطفاً مع طرح التجربة التي وصفها بـ<اختبار نوايا>، وهو سيتشاور مع الدول الكبرى ذات العضوية الدائمة في مجلس الامن لوضع آلية لهذا الاختبار بالتنسيق مع ممثله في الأزمة السورية <ستيفان دي ميستورا> الذي انكفأ عن متابعة البحث في الحل السلمي للوضع السوري بعدما لمس قبل اسابيع ان الجهد منصب على مراقبة المستجدات الأمنية والعسكرية على الساحة السورية لينطلق التحرك الأممي من معطيات جديدة، مخلياً بذلك الساحة لدور أميركي وروسي أكبر في المعالجات <الجانبية> أو ما يعرف باللغة الدولية بـ<ديبلوماسية ما هو تحت الطاولة>، إلا أن <غوتيريس> صارح محدثيه، وبينهم مجموعة من الديبلوماسيين العرب، بأن ما أورده الرئيس عون في كلمته حول إمكانية المباشرة بإعادة النازحين الى المناطق التي لم تعد تشهد قتالاً، ليس مجرد طرح لا خلفيات جدية له، لاسيما وأن الرئيس اللبناني ما كان ليقدم مثل هذا الطرح من منبر الامم المتحدة لو لم يكن يدرك سلفاً بأن الجانب السوري سوف يتجاوب معه، أي مع الطرح الاختياري، نظراً الى وجود تواصل بين بيروت ودمشق على المستوى الرئاسي والامني من خلال المهام التي تُسند الى المدير العام للامن العام اللواء عباس ابراهيم الذي حضر الى الامم المتحدة وشارك في الجلسة التي ألقى فيها الرئيس عون كلمته أمام الجمعية العامة، وهو الذي تولى التفاوض مع الجانب السوري لإتمام سلسلة عمليات ناجحة في تبادل الأسرى والجثامين، وإخراج المسلحين التابعين لمنظمات إرهابية من الاراضي اللبنانية ونقلهم الى الاراضي السورية، كما كان عمل وبنجاح ايضاً لإعادة مخطوفين في مقابل ترحيل مسلحين ضمن المناطق السورية ايضاً. وأكدت المصادر نفسها لـ<الأفكار> أن التشاور في شأن الآلية التي ستعتمد في <اختبار النوايا> لن يستغرق طويلاً بحيث يمكن أن تكون باكورة عودة مجموعات من النازحين قبل حلول فصل الشتاء كي يتمكنوا من إجراء الاصلاحات اللازمة في منازلهم وممتلكاتهم بالتعاون مع منظمات الأمم المتحدة المعنية، لأن هؤلاء العائدين قد يضطرون الى الانطلاق من الصفر في إعادة ترميم منازلهم وسيكونون بحاجة الى رعاية ودعم دوليين في مرحلة أولى. وتوقعت المصادر أن يكون للرئيس اللبناني دور في تذليل الكثير من العقبات التي يمكن أن تبرز في الربع الساعة الأخير من مرحلة التنفيذ الميداني. وفي المعلومات المتوافرة في هذا السياق، أن الجانب اللبناني أبلغ المعنيين استعداداً للمساعدة في هذا الاتجاه، شرط توافر الضمانات الضرورية لمثل هذه الحالات التي تتطلب تعاون أكثر من طرف فاعل، والانظار تتجه في هذا السياق الى روسيا التي باتت تتمتع بنفوذ واسع لدى القيادة السورية.

وترى مصادر متابعة في نيويورك أن ما أعلنه الرئيس عون في ما خص مساعدة الامم المتحدة للنازحين كي يعودوا الى وطنهم بدلاً من مساعدتهم على البقاء في مخيمات لا يتوافر فيها الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة، يشكل الرسالة المباشرة التي قصدها الرئيس عون في طرحه الذي كان له الصدى الايجابي لدى المشتركين في حلقات النقاش الضيقة التي عقدت في أروقة الامم المتحدة، وان المتابعة التي ستحصل لهذا الطرح بعد انتهاء اجتماعات الجمعية العامة ستعكس جدية التعاطي مع هذا الملف الحساس، الذي تتسابق الدول على مقاربته ليكون لها <حصة وازنة> في عملية اعادة الاعمار المرتقبة في سوريا بعد سكوت المدافع والانتقال الى تطبيق الحل السلمي المنشود والذي يُعمل له <تحت الطاولة>… حتى الآن على الأقل. ولفتت المصادر نفسها في هذا السياق الى <الايضاحات> الاميركية التي توالت لما قصده الرئيس <ترامب> في كلمته حول النازحين والتي صبت في معظمها على أن ما قصده الرئيس الأميركي ليس إبقاء النازحين في الدول التي تستضيفهم الى الابد، بل أن تكون اقامتهم ميسّرة ريثما تتضح مقومات الحل السياسي. وتؤكد المصادر في هذا الإطار أن ما يعلنه الرئيس <ترامب> لاعتبارات داخلية صرف، لا يعكس بالتالي توجهاً أميركياً نهائياً، بل يندرج في إطار رصد ردود الفعل على ما يقوله الرئيس الاميركي ليبنى على الشيء مقتضاه. واستذكرت المصادر نجاح تجربة العودة الرمزية التي تحققت قبل أشهر لمجموعات من النازحين السوريين الى اراضيهم، إضافة الى نجاح عملية نقل مسلحين مع عائلاتهم الى مناطق سورية محددة، على رغم العراقيل التي وضعتها قوات التحالف بادئ الأمر امام هذه العملية ثم سلمت بحصولها بعد تشاور اميركي – روسي مباشر سُجل في هذا الإطار.