21 September,2018

مضايا بين أمرين أحلاهما مرّ، إما الجوع وإما الاستسلام!

بقلم علي الحسيني

الجيش-السوري-في-عند-اطراف-البلدة

فصول كارثية ومعاناة انسانية عربية جديدة أطلت هذه المرة برأسها من بلدة مضايا السورية لتُسقط ورقة التوت عن ممارسات ارتُكبت بحق هذه البلدة وابنائها، ولتعلن امام الله عن سقوط ضمير لم يستتر حتى في عز ارتكابه المعاصي والمحرمات بحق الدين والوطن وبحق سكان بلدة لم ترتفع اصواتهم الا للمطالبة برغيف خبز، كان يمكن ان يسد رمق عائلات قبل ان تتناقل الفضائيات صور الضحايا وهم يموتون جوعا في بلد سقطت فيها المحرمات واختنقت الانسانية على ارضها.

حصار مضايا. . الى متى؟

 

منذ سبعة اشهر تقريبا وبلدة مضايا السورية تعاني من حصار اقتصادي خانق فرضه عليها النظام السوري وحلفاؤه وذلك بهدف ارغام المسلحين الموجودين بداخلها على تسليم اسلحتهم وبالتالي اعلان انسحابهم من البلدة، وذلك على خلفية الاتفاق الذي تم بين حزب الله والنظام من جهة، وبين المسلحين الموجودين في البلدة بكافة فصائلهم من جهة اخرى، والذي ادى في وقت لاحق الى اجلاء مسلحين وعائلات تحصنوا بمدينة الزبداني غرب دمشق مقابل اجلاء جرحى ونساء وأطفال وشيوخ في بلدتي كفريا والفوعة بريف إدلب، الا ان بنود الاتفاق الذي يقضي بفتح طرق امداد لإيصال المساعدات لم تُنفذ من قبل النظام وحلفائه، ليبقى 40 ألف نسمة من سكان مضايا يتضورون جوعا بعد ان وصلتهم آخر المساعدات الانسانية عبر الصليب الأحمر الدولي والمفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة قبل شهرين وتحديدا في نصف شهر تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي. ليبقى السؤال الاهم: الى متى يستمر حصار البلدة وتجويع الاهالي طالما ان بنود الاتفاق متعلقة بالجهة التي تفرض الحصار وليس بمن ينتظرون الماء والدواء؟!

 

الطعام. . قطط وحشائش ونفايات

 

منذ ان فُرض الحصار على مضايا، لقي اكثر من ستين شخصا حتفهم بسبب الجوع ونقص الدواء، وتشير روايات لعدد من المسلحين الذين غادروا البلدة مؤخرا عقب الاتفاق الذي تم الى ان نقص الغذاء اجبر سكان البلدة على اكل القطط والحشائش والنفايات، وان هناك حالات وفاة كثيرة بينهم نساء وأطفال. وبعد تفاقم الأمور وارتفاع الأصوات وحالات الغضب الشعبي في معظم دول العالم والتي اتهمت حزب الله والنظام بارتكاب مجازر جماعية، أصدر بياناً شبهه البعض ببيانات رفع العتب، حاول من خلاله رفع المسؤولية عنه عندما اتهم مجموعات مسلحة يفوق عددها 600 عنصر بأنهم يأخذون البلدة رهينة ويمنعون وصول المواد الغذائية إلى أهالي البلدة. لكن من جهتهم فأن اهالي البلدة كانوا يصرون عبر اطلالاتهم المتلفزة على تحميل الجهات التي تحاصرهم المسؤولية وبأن الحصار اصبح عملية انتقامية ومحاولة للضغط على المسلحين الذين لا يزالون في الزبداني عبر اهاليهم الموجودين في مضايا. حتى ان بعضهم افاد انه عُرض عليهم تحرير عقود بيع ببيوتهم واراضيهم وممتلكاتهم مقابل السماح لهم بالخروج من البلدة المزروعة بآلاف الألغام وعدسات القناصة عند حدودها، وذلك ضمن سياسية تغيير ديموغرافية على غرار ما حصل منذ سنتين تقريبا في بلدة القصير ولاحقا في عدد من بلدات القلمون.

مساعدات-الى-مضايا

حديث في مخيمات النزوح

تصل الى مخيمات النزوح في لبنان والتي تتوزع من اقصى الشمال الى الجنوب، احاديث وقصص عن المعاناة التي يعيشها اهالي مضايا، فمن هؤلاء النازحين من لهم اقرباء وجيران في مضايا كانوا نزحوا خلال الصفقة الاخيرة الى لبنان وتركيا. ويسأل أحد الأطباء النازحين عن روايات حزب الله في ما خص واقعة عاشوراء والتي تتحدث عن حصار صاحب الواقعة ومنع وصول الماء والطعام اليه والى عائلته حتى مات معظمهم عطشا، فيقول: لقد بلغ سوء الاوضاع بمضايا في الأيام الاخيرة حداً لا يتقبله عقل بشري، لقد تردت الأوضاع الصحية لأهالي المدينة حيث وصلت الى المستشفيات مئات حالات التسمم نتيجة اكل أوراق شجر الزيتون وهي المادة الخضراء المتبقية في البلدة بعد تساقط الثلوج. ويسأل: الا يوجد شبه بين الواقعتين؟ اليس هناك اجرام مشابه؟.

 

الحلبي: الخطة تقتضي ابتلاع الحدود

وفي السياق نفسه حذر <الائتلاف الوطني> لقوى الثورة والمعارضة السورية من كارثة إنسانية تهدد حياة المحاصرين جوعا وبردا في مدينتي مضايا وبقين بريف دمشق الغربي، ومن صمت المنظمات الدولية ما يجعلها شريكة في جريمة حصار المدنيين، وبدوره يؤكد مدير مؤسسة <لايف الحقوقية> اللبناني نبيل الحلبي أن هذه الممارسات تأتي ضمن سياسة ممنهجة من أجل تهجير أهالي ريف دمشق قسرياً، عبر تطبيق معادلة مقايضة الأرض مقابل الغذاء، وذلك كما حصل في حمص القديمة تماما. وأشار إلى أن الأجندة الإيرانية في سوريا تهدف إلى إيجاد مساحة كبيرة تمتد من الزبداني والقلمون والقصير وحمص والساحل، وتبتلع كامل الحدود مع بقاع لبنان الشمالي- الشرقي، بهدف ربطها بمنطقة بعلبك الهرمل، على ان تكون لاحقا دويلة تابعة لنظام الولي الفقيه، ولكي تنجح هذه الاستراتيجية يقتضي تهجير السكان الاصليين من هذه المناطق إضافة إلى تهجير أهالي عرسال اللبنانية.

 

البندقية مقابل عشرة كيلوغرامات

 من الطعام

تشهد بلدة مضايا نحو مئتي حالة اغماء يوميا بسبب سوء التغذية، وتقول مصادر موثوقة لها ارتباطات بمسلحي البلدة ولجانها المدنية ان اسعار المواد الغذائية التي يقوم منتفعون يتبعون النظام السوري بتوفير كميات نبيل-الحلبيمحدودة منها وصلت لمستويات صاروخية، حيث بلغ سعر كيلوغرام حليب الأطفال 150 دولارا، وكيلوغرام السكر أكثر من 250 دولاراً. وتنقل المصادر عن سكان في مضايا ان عناصر النظام وحلفاءهم وضعوا تسعيرة للمبادلة على حواجزهم التي تُطبق على مضايا بحيث تتم مبادلة بندقية مقابل عشرة كيلوغرامات من الطعام، ودراجة نارية مقابل عشرة كيلوغرامات أخرى، وسيارة مقابل 15 كيلوغراما. ومن جهة اخرى ادت الكوارث الطبيعية الى تفاقم الازمة خصوصاً بعد العواصف الثلجية التي هبت مؤخرا في ظل انعدام وسائل التدفئة وغياب التيار الكهربائي، وقد تم نقل عدد كبير من المسنين والأطفال إلى المراكز الطبية المحلية داخل البلدة جراء حالات اغماء واعياء، فكان ان تدخلت اللجنة القانونية للـ<إئتلاف> لمطالبة الجامعة العربية والأمم المتحدة والمبعوث الأممي الخاص بسوريا بتحمل مسؤولياتهم تجاه المدنيين المحاصرين، والتحرك الفوري والعاجل لإنقاذ أرواح المدنيين الأبرياء وفك الحصار عنهم والدخول الفوري لقوافل المساعدات.

ما هي حقيقة عروضات حزب الله؟ وما حقيقة الصور المفبركة؟

 

امام صور ومشاهد أطفال مضايا وهم يموتون جوعا وعطشا، سقطت كل بيانات وادعاءات النصر وسقطت معها الانسانية والاخوة والمعاهدات، بعدما حلت مكانها مشاهد لاطفال وهم يتلوون من الجوع والعطش حتى كادت رقابهم تلامس الارض. هو حصار دائم ناهز السبعة اشهر لاكثر من 23 الف مواطن، والهدف، اجبارهم على الرحيل في عملية تسفير عرقية كانت شهدتها من قبل مدينة القصير وبعدها عدد من قرى القلمون، لكن هذه المرة مع فارق وهو عروضات يقول اهالي مضايا عبر وسائل الاعلام ان الحزب قدمها لهم عبر سماسرة يطلب منهم التخلي عن ممتلكاتهم لقاء مبالغ زهيدة، لا تتجاوز 800 ل. س للدونم الواحد وذلك ضمن مناطق تُعتبر هي الأغنى زراعيا في سوريا، في وقت تؤكد المعلومات ان السعر الحقيقي يتجاوز السعر المعروض بعشرات المرات.

 

ماذا يقول حزب الله؟

بدورها عرضت قناة <المنار>، المنبر الإعلامي الابرز لحزب الله، تقريراً اشارت فيه الى ان بعض الصور التي يتداولها ناشطون عبر مواقع التواصل الاجتماعي وتظهر الاجساد الهزيلة للجائعين في بلدة مضايا السورية هي صور مفبركة، ونسبت القناة الى ما سمته مصادر مطلعة مضمون بيان جرى تداوله على انه صادر عن الاعلام الحربي التابع للحزب، جاء فيه ان <بعض وسائل الإعلام المرئية والمكتوبة المعروفة التوجه طالعتنا بحملة افتراءات واسعة ضد المقاومة متهمة إياها بتجويع المدنيين في مضايا بسبب حصار حزب الله>. وقال: <هذه الحملة مبرمجة بهدف تشويه صورة المقاومة اذ لا يتحمل مسؤولية ما يجري في البلدة سوى الجماعات المسلحة التي تتخذ من مضايا رهينة لها ولداعمي المسلحين من جهات خارجية. ولم نشهد مثل هذه الحملة في بلدات سورية اخرى محاصرة منذ سنوات من قبل الجماعات المسلحة الارهابية مثل كفريا والفوعة في ريف ادلب ونبل والزهراء في ريف حلب ودير الزور ومناطق اخرى حيث يُقتل فيها الاطفال الرضع بسبب نقص الحليب والمواد الاولية، وبسبب انتشار الامراض بفعل انعدام وجود طفل-من-مضاياالمواد الطبية>.

ولفت البيان الى انه تم إدخال عشرات الشاحنات محملة بالمواد الغذائية والطبية في 18 تشرين الأول/ اكتوبر 2015 إلى مضايا وسرغايا وبقين والتي تكفي لأشهر عدة بالتزامن مع إدخال الكمية نفسها الى كفريا والفوعة. ومن المقرر بحسب اتفاق الزبداني وكفريا والفوعة ان تدخل مساعدات غذائية في الايام القليلة المقبلة بعدما تم تنفيذ بند اخراج جرحى المسلحين من الزبداني، كما لفت البيان الى ان بلدة مضايا تتحكم بها مجموعات مسلحة حيث يبلغ عدد المسلحين فيها أكثر من 600 مسلح يتوزعون 60 في المئة من <حركة أحرار الشام> و30 في المئة من <جبهة النصرة> و10 في المئة من <الجيش السوري الحر>. وباتت البلدة تُعتبر رهينة للجماعات المسلحة منذ اشهر عندما اشتدت المعركة في الزبداني وبعد أن قاموا بعمليات ذبح عدة ضد حواجز الجيش السوري عند مدخل مضايا، واكد ان مضايا لم تدخل في الصراع والحصار فعليا الا عند اشتداد المعركة في مدينة الزبداني المجاورة حيث استخدمها المسلحون كمركز لشن العمليات ضد الجيش السوري والمقاومة في الزبداني بهدف تغيير مسار المعركة.

وختم: هناك مفاوضات لتسليم 300 مسلح أنفسهم إلى السلطات والخروج من مضايا مقابل رفض مسلحين آخرين بسبب قرار سياسي خارجي، وعند تطبيق اتفاق الزبداني توقف موكب خروج جرحى المسلحين من الزبداني بسبب تهديد المسلحين في مضايا بالتعرض لهم وقصف الحافلات لرفضهم الاتفاق.

هل دخل الغذاء الى مضايا؟

صباح الاثنين الفائت انطلقت قافلة تحتوي مساعدات إنسانية من دمشق متجهة إلى بلدة مضايا في ريفها الشمالي الغربي تضمنت 12 شاحنة 10 منها تحمل 7800 سلة غذائية و7800 كيس من الطحين. أما الشاحنتان المتبقيتان فتحويان مساعدات طبية غير جراحية، وتخلو هذه القافلة من حليب الأطفال. وصرح مصدر في الأمم المتحدة أنه وبالتزامن مع قافلة مضايا فان قافلة مساعدات ستتجه إلى بلدة كفريا في ريف إدلب وستنطلق من دمشق حاملة معها 4000 سلة غذائية و4000 كيس طحين. ويبلغ عدد المدنيين في الفوعة وكفريا اللتين تحاصرهما المعارضة المسلحة في ريف إدلب بحسب أرقام الأمم المتحدة 12500 شخص، واللافت ان دخول المساعدات الى كفريا لم يتم من تركيا على غرار القافلة السابقة. وفي هذا السياق يقول المصدر ان ذلك جاء نتيجة اصرار <حركة أحرار الشام> على تطابق مواصفات المواد المرسلة إلى المنطقتين بعد التخوف من تكرار حادثة البسكويت الفاسد الذي أُدخل الى مضايا والزبداني في قافلة 18 تشرين الأول/ اكتوبر 2015، وستسلك القافلة المتجهة إلى قريتي الفوعة وكفريا طريق قلعة المضيق على غرار قوافل صفقتي قدسيا والوعر.

وسيتم إرسال المساعدات على ثلاث دفعات الى بلدة مضايا وبالتوازي الى كفريا والفوعة حيث كان من المقرر ان تدخل الإثنين المساعدات الغذائية والطبية، في حين ستنطلق الدفعة الثانية مطلع هذا الاسبوع وتتضمن بطانيات وملابس شتوية والأملاح والمتممات الغذائية العالية الطاقة، على ان تكون الدفعة الثالثة بعدها بايام وتتضمن محروقات للتدفئة وستكون حصة مضايا 80 ألف ليتر.

 

<المونيتور>: مضايا مقابل

 الفوعة وكفريا

في تقرير سري نشره موقع <المونيتور> الاميركي أشار الى ان بلدة مضايا بريف دمشق تدفع ثمن دعمها للثورة السورية حيث يستخدمها نظام الأسد كورقة ضغط على ثوار الزبداني، وان البلدة تعاني من حصار حاد فرضته قوات الأسد وحزب الله على دخول المواد الغذائية والتموينية والطبية منذ أكثر من 74 يوما ما ادى لوضع مأساوي . وبحسب إحصائية قام بها المجلس المحلي لمدينة الزبداني فإن بلدة صورة-الطفلة-المفبركةمضايا تضم نحو 40 ألف نسمة بعد نزوح ما يقارب 20 ألف شخص من مدينة الزبداني نحوها، بعضهم كانوا نازحين في مدينة بلودان وتم تهجيرهم بشكل قسري إليها عبر شاحنات من نوع <زيل> تابعة لجيش النظام، وبعضهم من الأحياء الشرقية للزبداني حيث يسيطر عليها نظام الأسد. ولفت الموقع الى ان تشديد قوات الأسد الحصار على بلدة مضايا ازداد بعد انهيار مفاوضات الهدنة الأخيرة في الزبداني في 20 آب/ اغسطس الماضي، وبعد ارتفاع وتيرة المعارك في الفوعة وكفريا الشيعيتين بريف إدلب، حيث كثف النظام من عمليات القصف بالبراميل المتفجرة على البلدة الجبلية، بالتزامن مع بدء عمليات التهجير المنظمة إليها، في محاولة من النظام لينتقم من أهالي البلدة والنازحين إليها بسبب دعمهم للثورة، ولكون كثير من أبناء عائلات الزبداني الذين تم تهجيرهم يقاتلون مع الثوار في الزبداني.

ونقل الموقع عن محلل عسكري اميركي ان المعادلة السياسية اصبحت الان مضايا مقابل الفوعة وكفريا، ولذلك فإن حصار أهالي الزبداني في مضايا سيمكن النظام من امتلاك ورقة ضغط جديدة على مقاتلي المعارضة في الزبداني. وقد اصبح واضحا أن اي هجوم يقوم به الثوار في مدينة الزبداني ضد حواجز النظام يقابله قصف النظام لمدينة مضايا لإجبار المقاتلين على التوقف.

تاريخ مضايا وحاضرها

 

مضايا بلدة سورية تتبع اداريا منطقة الزبداني في محافظة ريف دمشق، وهي تقع شمال غرب دمشق في سلسلة جبال لبنان الشرقية وتُعد مصيفا رئيسيا مهماً في سوريا جنبا إلى جنب مع مدينة الزبداني. ويبلغ عدد سكان الناحية 16,780 نسمة حسب تعداد عام 2015 بالإضافة إلى حوالى 7 آلاف من النازحين من مناطقهم بسبب تداعيات الحرب الأهلية في البلاد أثناء الثورة السورية في العام 2011 ضد الرئيس السوري بشار الأسد. وقد انتفضت مضايا والزبداني منذ بداية أحداث الثورة، فكانتا أول بلدتين تناديان صراحةً بإسقاط النظام مما حدا بالجيش السوري الى التدخل حيث قام بقصفهما بشكل متقطع حتى بداية العام 2012، ويومها دارت معارك بين كتائب حمزة بن عبد المطلب التابعة  لـ<الجيش السوري الحر> وأعداد كبيرة قُدّرت بـ30 ألف عسكري من الجيش النظامي السوري مدعومين بـ 50 دبابة و9 قطع مدفعيّة بالإضافة الى مشاركة مقاتلين من حزب الله قُدّروا بـ 300 مقاتل.

 

يوم عجز النظام عن استرجاع

 مضايا والزبداني

على الرغم من محاولات النظام المتكررة لاسترجاع مضايا والزبداني الا انه لم يستطع إستعادتهما لكنهما وقعتا تحت حصار جزئي منذ بداية عام 2012 بعد الخسارات المتتالية لجيش النظام وحلفائه في محافظة إدلب بدءا من معسكر وادي الضيف وصولا الى جسر الشغور والوقوف أمام بلدة جورين، كما وان عدم قدرة حزب الله على تحقيق نتائج حاسمة في معارك القلمون، ورغبة النظام وداعميه في تحقيق تغيير ديموغرافي مذهبي لتحقيق التواصل الجغرافي مع البقاع اللبناني ولرفع الروح المعنوية لجنودهما، جعلهما يشنان هجوما واسع النطاق على مدينة الزبداني استمر لأكثر من شهرين استُخدمت فيه كل أنواع الأسلحة بما فيها قنابل <النابالم> المحرمة دوليا، مما ادى الى تدمير مدينة الزبداني ونزوح اكثر من عشرين الفا من سكانها الى مدينة مضايا ليصل عدد السكان في مدينة مضايا الى أكثر من أربعين ألف نسمة. ومن جهة اخرى أدى تزايد خسائر حزب الله التي بلغت أكثر من مئتي عنصر وتشديد الحصار على بلدتي كفريا والفوعة ومحاولة اقتحامهما لاحقاً الى قبول ايران بالنيابة عن النظام بالتفاوض مع <حركة أحرار الشام> على قاعدة مضايا الزبداني مقابل كفريا الفوعة. ورغم تنفيذ المرحلة الأولى والثانية من الاتفاق ظلت قوات النظام السوري وحزب الله تحكم حصارها على مضايا من خلال الوجود العسكري لمسك الطرق المؤدية اليها، معززة ذلك بزراعة أعداد كبيرة من الألغام وبناء الحواجز الترابية والأسلاك الشائكة والقناصين وتدمير الأنفاق، مما أدى الى وضع مأساوي، نتج عنه وفاة 37 شخصاً حتى هذا اليوم وتهديد حياة الآلاف، كل ذلك أمام سمع وبصر الدول الإقليمية والعالمية وهيئة الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان.

 

مضاياثورة أيتام

ومن نافل القول ان أقل ما يمكن ان توصف به الثورة السورية أنها ثورة أيتام حيث انها لم تجد من ينصفها ويساندها لتحقيق أهدافها، خصوصا بعدما خضع التعامل معها على قاعدة المصالح وليس على قاعدة نصرة المظلوم والمحافظة على حقوق الإنسان. ورغم ان التدخل الروسي جاء لمحاربة تنظيم <داعش> وأن تسعين بالمئة من الطلعات الجوية توجه ضد المناطق الخاضعة للمعارضة السورية حيث تسعى روسيا للقضاء عليها، وإذا تحقق لها ذلك فإنها ستضع أصدقاء الشعب السوري أمام المفاضلة بين النظام الســــوري أو تنظيـــــم <داعـــــش>. ايضا على الرغـــــم مـــــن التبــــاين الجــــزئي في مواقف الـــــدول الأوروبيـــــة فإنهـــــا تسير وفقاً للاستراتيجية الاميركية بحيث اكتفت بمحاربة الإرهاب الذي قيل ان النظامين السوري والايراني هما من صنعاه، وتعزز موقفهـــــا ذلك بعــــد الهجمات الإرهابيـــــة التي أصــــــابت بعض تلك الدول.

الدور السعودي والقطري والتركي

بدورها قدمت كل من السعودية وقطر وتركيا مساعدة عسكرية وسياسية للثورة السورية إلا أنها بقيت نسبيا حبيسة القرار الأميركي وتحديدا فيما يخص تزويد قوات المعارضة المسلحة بالأسلحة النوعية المضادة للدروع، فيما لم تستطع كسر الإرادة الأمريكية فيما يخص الأسلحة المضادة للطائرات والتي لو تم تزويد المعارضة المسلحة بها لسقط النظام السوري في منتصف عام 2012، وذلك بحسب وزير الخارجية الفرنسي، وكان ذلك سيحول دون ظهور تنظيم <داعش> أو مأساة مضايا والزبداني وغيرها الكثير.

ولكن في حقيقة القول ومفاصله يبقى ان المأساة السورية هي وصمة عار في جبين الإنسانية بعدما كشفت مدى التخاذل الدولي، وكيف غلّب مصالحه السياسية على حساب الدم السوري. نعم لقد مات الضمير الإنساني لدى الأنظمة الحكومية وصناع القرار، كما يبدو أن شريحة كبرى من الشعوب قد أدمنت على رؤية الدم السوري يُراق بحيث لم تعد صور الهياكل العظمية نتيجة الجوع تحرك فيها ساكناً، رغم أنه كان بإمكان أصدقاء الشعب السوري دعم الثورة السورية في بداياتها وإسقاط النظام دون حدوث مواجهة مع روسيا وإيران، وتجنب عشرات المجازر التي يرتكبها الطيران الروسي وقوات النظام وحلفاؤه. والغريب ان هناك وسائل اعلامية عديدة ادعت خلال اليومين المنصرمين بأنها دخلت بلدة مضايا واجرت مقابلات مع الاهالي الذين أكدوا بحسب هذه الوسائل ان لا مكان للجوع في مضايا وبأن كل الأمور تسير بشكل طبيعي. وهنا لا بدّ للمرء ان يتساءل في قرارة نفسه: كيف سمح المسلحون داخل مضايا لهذه الوسائل الاعلامية بان تجري هذه التحقيقات من دون ان يتعرضوا لها خصوصاً وانها نفسها تقول في تقارير اخرى أن المسلحين ينتشرون في مضايا ويمنعون الاهالي من الحصول على الماء والغذاء؟