22 September,2018

مصير مرسوم التجنيس يتأرجح بين حالتين: قبول الطعن... أو التقيد بنتائج تحقيقات الأمن العام!

 

نهاد المشنوق cقبل انقضاء مهلة الشهرين على صدوره، تعرّض مرسوم التجنيس الذي منح الجنسية اللبنانية لأكثر من 400 عربي وأجنبي، لطعن أمام مجلس شورى الدولة تقدم به الحزب التقدمي الاشتراكي قبل أن يفعل ذلك أيضاً حزب الكتائب وحزب القوات اللبنانية، وكانا قد سبقا الاشتراكي في الإعلان عن رغبتهما بالطعن. ولأنه لم يسبق لأي حزب أن قدم طعناً بمراسيم التجنيس التي صدرت في عهدي الرئيسين الياس هراوي وميشال سليمان، فإن الصيغة التي كتب الطعن الاشتراكي بها كانت <صيغة سياسية> أكثر منها صيغة قانونية، تحدثت عن <خبايا> في المرسوم، وعن <الحق الإنساني لآلاف اللبنانيين مقيمين أو من أصول لبنانية في الحصول على الجنسية>، وانه مشوب <بالغموض والشكوك> وأتى <مهرّباً>.

وقد تزامن الطعن الاشتراكي مع عمل الأمن العام في جمع المعلومات عن الاسماء المشكوك فيها والتي لا تستحق الجنسية اللبنانية تمهيداً لانتزاعها بمرسوم آخر <يصحح> الأول، أكد رئيس الجمهورية العماد ميشال عون أنه سيوقعه فور إنجاز المدير العام للأمن العام اللواء عباس ابراهيم تقريره ورفعه اليه مع المستندات المطلوبة والأدلة الثبوتية التي يتم جمعها منذ أن تسلم عباس <كرة النار> وتلقفها وهو يعمل على إطفائها، خصوصاً بعدما تكشفت يوماً بعد يوم معطيات تؤكد وجود أكثر من 50 شخصاً من أصل 400 شخص تدور حولهم شبهات وارتكابات تمنع تلقائياً تجنيسهم وقد تم <تمرير> الأسماء على موقعي المرسوم من دون تحقيق أو تدقيق بالشكل، بدليل أن المرسوم احتوى اسم شركة اميركية في حين أن الجنسية لا تمنح إلا لأفراد. وبات أكثر من مرجع مقتنعاً بأن من تقع عليهم مسؤولية التدقيق في المراسيم قبل عرضها على رئيسي الجمهورية والحكومة للتوقيع، قد أهملوا التدقيق لأسباب لا تزال محور متابعة من المولجين بالتحقيق لمعرفة ما إذا كان هذا الإهمال متعمداً لأسباب معينة، أو انه نتج عن عدم ممارسة المهام المنوطة بهؤلاء وفقاً للأصول.

وتتحدث مصادر مطلعة على ملف التجنيس أن بعض المستفيدين من المرسوم حاولوا الحصول على أوراق ثبوتية لبنانية من المديرية العامة للأحوال الشخصية، إلا أن طلباتهم جوبهت بالاعتذار على رغم <ضغوط> مورست من المعنيين لتسهيل إعطائهم الاوراق التي تثبت <لبنانيتهم>. وقد اتضح أن بعض <المراجعين> الذين يعتبرون من المقربين من مرجعيات كبيرة، شاركوا في تحضير المرسوم وإدراج الأسماء فيه وتعديلها عون الحريري  a زيادة وليس نقصاناً فيما كان المرسوم يتنقل بين بعبدا والسرايا والداخلية.

الطعن بين القبول أو الرفض

 

وفيما يتوقع أن يقول الأمن العام كلمته النهائية في المرسوم خلال الايام القليلة المقبلة، فإن مصادر قانونية رأت أن الطعن الذي قدمه الحزب التقدمي الاشتراكي سوف يبقى <لا معلقاً ولا مطلقاً>، وإن كان الاتجاه الى عدم قبوله لانه لم يقدم من جهة، أو جهات، متضررة يحق لها عادة مراجعة مجلس شورى الدولة حسب القوانين المرعية الاجراء. وتقول هذه المصادر إن ورود الطعن الاشتراكي ضمن المهلة القانونية المحددة بشهرين من تاريخ النشر يجعله مقبولاً بالشكل، أما بالنسبة الى الأساس فإن رد الطعن سيكون على الأغلب قرار مجلس الشورى لأن إصدار المرسوم من صلاحيات رئيس الجمهورية على أن يوقعه رئيس الحكومة والوزير المختص، وهو في هذه المسألة وزير الداخلية والبلديات نهاد المشنوق. وتضيف المصادر ان وجود أسماء لا تستحق الجنسية لموانع عدة، قد يكون سبباً يتمكن مجلس الشورى من خلاله من طلب نزع الجنسية عن هذه الأسماء وبذلك تكون المراجعة قد قُبلت بالشكل والمضمون.

وفي هذا الإطار، يقول الرئيس السابق لمجلس شورى الدولة القاضي غالب غانم انه يعود لمجلس الشورى أن يقبل طعن النواب الاشتراكيين اذا ما اعتبر أنه تنطبق عليهم صفة <المتضررين>، كما أنه يمكن أن يرفض الطلب لعدم وروده من جهات معنية أو متضررة، ويستذكر القاضي غانم كيف ان مجلس الشورى اعتبر في العام 1994 أن الرابطة المارونية من المتضررين بالمرسوم الذي صدر في عهد الرئيس الراحل الياس الهراوي، فقبل طعنها وقرر سحب الجنسية عن عدد من المستفيدين وكانوا يومئذ من الفلسطينيين والسوريين، لكن قرار المجلس لم ينفذ بعد وهو <يستريح> منذ زمن في جارور من الجوارير المنسية في السرايا الكبير. ومع التسليم بأن القرار الأخير هو لهيئة مجلس الشورى لجهة قبول الطعن أو رفضه، فإن المصادر القانونية ترى أن القضاء اليوم قد لا يتقيد باجتهاد قضاء الأمس، فإذا فعل فإن القضاء يكون قد وضع يده على كامل الملف، وأي إجراء لا بد أن يتناغم مع الإجراءات القضائية المعمول بها، والمحصلة الأولية ستكون حتماً حذف أسماء لغير المستحقين والإبقاء على من توافرت فيه الشروط ولم يكن مرتكباً أو مطلوباً للعدالة أو… مبيضاً للأموال.

 

غالب غانم e<نماذج> من مستفيدين!

 

وفي انتظار قرار مجلس شورى الدولة وتقرير الأمن العام، فإن المعلومات اشارت الى أن بعض المستفيدين من المرسوم تحوم حولهم شبهات مالية وسياسية على حد سواء، وقد اختاروا الجنسية اللبنانية كي يتهربوا من العقوبات الدولية أو من دفع الضرائب على المردود، ومنهم من له علاقات مالية وسياسية مع كل من ايران وسوريا، وقد وضعوا تحت الرقابة الدولية تمهيداً لمعرفة الملابسات التي أدت الى تجنيسهم والجهات التي سهّلت هذه العملية أو استفادت منها مادياً، كذلك فإن من بين المستفيدين رجال اعمال لعبوا دوراً في ما آلت اليه الأوضاع في سوريا، ومن بين هؤلاء أيضاً أصحاب مؤسسات تجارية وسياحية في الخارج و<مناضلون> قدامى لا زالوا ممنوعين من العبور على الحدود وهم يحتاجون الى <حاضنة> لأموالهم المنقولة. ويضيف معنيون أن قراءة متأنية للأسماء تظهر أن بعضهم يملك مؤسسات وشركات يمكن أن تلعبدوراً أساسياً في عملية إعادة الإعمار في سوريا متى صمت المدفع واستتب الأمن وانطلقت الورشة التي تقدر مالياً بعشرات الألوف من المليارات الخضراء.

إلا أنه وسط الجدال حول المرسوم وخلفياته، ثمة من تحدث عن ورود اسماء تمتلك شركات نفطية ضمن لائحة المجنسين بغية استفادة بعض السياسيين – والمسؤولين ايضاً – من ازدهار هذا القطاع مستقبلاً وتقديم <خدمات> الى أصحاب هذه الشركات الذين يمكن أن ترسو عليهم ملفات التلزيم للمشاريع التي ستنطلق على هامش بدء التنقيب عن النفط والغاز.

وقد تحدث البعض عن <وسطاء> ساهموا في إعطاء بعض العاملين في القطاع النفطي الجنسية اللبنانية تمهيداً لـ<رد الجميل> لهم مستقبلاً عندما يشتركون في المناقصات التي ستعنى بمسألة التنقيب والشحن والتسويق الخ… ومن بين هؤلاء من ارتبط اسمه بصفقات ورشاوى وعمولات لا تزال قيد التحقيق في عدد من الدول. وتجدر الإشارة في هذا السياق الى أن قانون النفط اللبناني يجبر الشركات البترولية الاجنبية ان تكون حصة الموظفين فيها أكثر من 80 بالمئة ويعطي الأولوية للبنانيين، ما يطرح علامات استفهام كبيرة حول سبب اعطاء هذه الشخصيات الجنسية اللبنانية.

عباس ابراهيم  bهل يُلغى المرسوم؟!

 

وتتحدث مصادر متابعة ان الدخول في بعض التفاصيل المتعلقة بالاسماء التي وردت في مرسوم التجنيس يقود الى معطيات تشكل <فضائح> يتحمل مسؤوليتها من أعد المرسوم ومن أدخل اليه بعض الاسماء ومن استغل الظرف للاستفادة. لذلك تقول هذه المصادر ان إزالة كل التباس وعلامة استفهام تكون من خلال قرار جريء يتخذه الرئيس عون بالتفاهم مع الرئيس الحريري (المعني هو أيضاً بتوقيع المرسوم وإدراج اسماء فيه) والوزير المشنوق، يقضي بإلغاء المرسوم كلياً مع كل ما يمكن أن تكون قد نتجت عنه من مفاعيل، وإعادة درس ملفات المستفيدين منه فرداً فرداً فيصار الى منح المستحقين الجنسية وحجبها عن غير المستحقين لأن ثمة أسماء في المرسوم تتوافر فيها شروط منح الجنسية وليست حولها علامات استفهام أو ملابسات وشكوك، ولكن المصادر لا تبدو متأكدة من أن الاقدام على هذه الخطوة هو الخيار الذي سيعتمده الرئيسان عونوالحريري والوزير المشنوق، بل ان الاتجاه بأن يتولى القضاء هذه المسألة بعد تقديم المستندات الضرورية والاوراق الثبوتية.

ولعل ما يدفع في اتجاه ايجاد حل واضح وسريع لهذه المسألة، الاهتمام الذي أبداه عدد من السفراء العرب والأجانب الذين طلبوا ايضاحات حول بعض الاسماء التي وردت في المرسوم بعدما تبين أن ثمة اشكالات بين هذه الاسماء ودول هؤلاء السفراء. وفي هذا السياق، روى سفير أوروبي أن أحد <المجنسين> الجدد دخل في نزاع قضائي مع دولته وان من شأن اكتساب الجنسية اللبنانية تعطيل قدرة الدولة على ملاحقته ضرائبياً لأنه سوف يستفيد من اتفاق عدم الازدواجية الضريبية الموقع بين لبنان وهذه الدولة. وثمة سفير آخر راجع في وضع احد <المجنسين> الجدد لأنه ملاحق في بلاده من الهيئة التي تتولى مكافحة تبييض الأموال وتهريبها، أو استعمالها في تجاه المخدرات! ويعتزم عدد من السفراء وفقاً للمعلومات المتوافرة لـ<الافكار> تقديم مراجعات رسمية الى وزارة الخارجية للحصول على اجوبة عما سيؤول اليه مرسوم التجنيس الذي لا يزال غامض المصير في انتظار تقرير الامن العام لـ<تنظيفه> أو قرار رئاسي بإلغائه وإعادة دراسة الاسماء الواردة فيه بدقة أكثر، إلا أن الملفت أن النقاش حول المرسوم لم يعد قانونياً أو دستورياً بل أصبح نقاشاً سياسياً، ما يدخله في نفق <التسويات> التي تبقى مجهولة الاسباب والدوافع لناحية إعدادها والترويج لها وتسويقها لدى المعنيين بإقرارها!