18 June,2019

مشروع موازنة 2019 قسّم القضاء الى قسمين فهل الهدف الحقوق المكتسبة... أم تركيبة مجلس القضاء؟!

أفرزت المناقشات التي دارت خلال الأسابيع الماضية في مشروع موازنة 2019 انقساماً داخل السلطة القضائية تجاوز في حدته الخلافات التقليدية التي كانت تقع بين قضاة <معترضين> ومجلس القضاء الأعلى لتبلغ الذروة في المواجهات بين فريق من القضاة يعتبر أن مجلس القضاء الأعلى لم يتصرف على نحو يحفظ حقوق القضاة ومكتسباتهم التي يعتبرون أن مشروع الموازنة استهدفها، وفريق يمثله مجلس القضاة وشريحة من القضاة الذين يتمسكون بدور المجلس الأعلى وبسلطته المعنوية والمسلكية. وطرح كثيرون تابعوا تطور الخلاف بين القضاة ومجلسهم الأعلى، السؤال الكبير: السلطة القضائية الى أين؟!

يؤكد المطلعون على ما يجري داخل مكونات السلطة القضائية ان المسألة تتجاوز حقوق القضاة التي مستها الاصلاحات المرتقبة في مشروع الموازنة، الى بروز تيارين داخل الجسم القضائي لاسيما بعد العلم والخبر الذي أعطاه وزير الداخلية السابق نهاد المشنوق قبل أيام قليلة من تشكيل الحكومة الحريرية وقد كان الوزراء في مرحلة تصريف الأعمال يمكن اعتبار التيار الأول من جناح <المحافظين> والتيار الثاني من جناح <التغيريين>، وإن كان البعض يلمح الى خلافات شخصية تقف وراء هذا التباعد بين بعض <التغييريين> وعدد من <المحافظين>، إضافة الى <طموحات> بعض القضاة الذين يتطلعون الى المواقع ــ المفاتيح داخل السلطة القضائية. ويقول هؤلاء <التغييريون> إن مواقف المجلس الأعلى حيال مطالب القضاة لم تكن على المستوى الذي يأمله هؤلاء لاسيما وأن التشكيلات القضائية التي أجريت قبل أشهر طغى على معظمها توجه المحاصصة وإرضاء السياسيين، في وقت كان يفترض أن تحمل هذه التشكيلات القاضي المناسب في المكان المناسب. ويضيف هؤلاء إن تركيبة مجلس القضاء الأعلى لا يمكنها أن تتحمل النزعات التغييرية لأن غالبية الأعضاء هم من <التقليديين> الذين يسلمون بما يُعطى لهم ولا يكافحون من أجل المزيد. إضافة الى أن التوجه العام لأعضاء مجلس القضاء الأعلى لم يكن توجهاً فاعلاً أو مؤثراً في مواجهة ما كانت تخطط السلطة التنفيذية لتحقيقه، وهو انتزاع مكتسبات للقضاة تتصل بتعويضاتهم وبدلات عضوية لجان، إضافة الى صندوق التقاعد القضائي الذي يمول من الأحكام الصادرة ومنها خصوصاً محاضر مخالفات السير. وقد ترجم <المعترضون> موقفهم بالاعتكاف عن العمل وتعطيل المحاكم وصولاً الى التلويح بالاستقالة الجماعية وتحميل القوى السياسية ما ستؤول اليه أوضاع القضاة الذين ذهب بعضهم الى حد رفع سقف مطالبهم للعودة عن اعتكافهم وصولاً الى المطالبة بإقرار قانون تكريس الاستقلالية الكاملة للسلطة القضائية. وأبرز المتحمسين لفكرة الاستقالة الجماعية هم القضاة الذين تجاوزت خدمتهم في السلك القضائي 20 عاماً، علماً أن هذه الاستقالة الجماعية ــ إذا تمت ــ ستخلق أزمة كبيرة ذات بُعدين: الأول انها سوف تحدث نقصاً كبيراً في عدد القضاة الذي هو حالياً أقل مما هو في الملاك، والثاني أنه سيفرغ السلطة القضائية من قضاة الدرجات المتوسطة، ويصبح الكثير من القضاة من أصحاب الدرجات العليا، أي على مستوى رؤساء وأعضاء محاكم التمييز والجنايات، وبين الجدد مثل القضاة المنفردين ومحاكم البداية والمستشارين في محاكم الاستئناف والمحامين العامين لدى النيابات العامة.

 

مجلس القضاء يحاور….

في المقابل، تقول المصادر المتابعة إن فريق القضاة <المحافظين> سعى من خلال مجلس القضاء الأعلى ورئيسه القاضي جان فهد الى محاورة <المعترضين> وطمأنتهم الى أن لا مساس بحقوق القضاة في موازنة 2019 وان اللقاءات التي عقدها الرئيس فهد مع كل من رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة سعد الحريري، دلت الى أن لا توجهات بتجريد القضاة من مكتسباتهم وحقوقهم، وان اي اقتطاع من مداخيلهم لن تتجاوز نسبته ما سيقتطع من جميع الموظفين المدنيين والعسكريين لمواجهة الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد. أما في ما خص المطالب <الكبيرة> الأخرى، مثل تحقيق استقلالية السلطة القضائية، فإن <النضال> من أجل تحقيقها سوف يستمر على مختلف المستويات لاسيما وان مجلس القضاء أنشأ لجنة من كبار القضاة لصياغة اقتراح قانون جديد يؤمن استقلالية السلطة القضائية بما يحصّن القاضي ضد تأثير التدخلات السياسية، ويوفر الضمانات اللازمة التي تمكن مجلس القضاء الاعلى من إجراء التشكيلات والمناقلات القضائية من دون أن تكون للسلطة السياسية القدرة على تعطيلها. وبدا من خلال <المفاوضـــــــــــــــــــــــــــــــــــــات> مع <المعترضين> ان مطلبهم بكف يد السلطة التنفيذية عن تعيين رئيس مجلس القضاء الأعلى وأغلبية أعضاء المجلس والنائب العام التمييزي ورئيس التفتيش القضائي، لا يلقى تجاوباً كاملاً من القضاة الآخرين ولاسيما أعضاء مجلس القضاء الأعلى، إذ يقول أحد أعضـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــائه أن فكرة انتخاب القضاة لرئيس المجلس وللمراكز الأساسية من قبل رفاقهم، ليست معتمدة في اي دولة لأن القاضي غير منتخب من الشعب، وبديهي والحالة هذه، أن تراقب كل سلطة عمل السلطة الاخرى لمنعها من التعسف وتجاوز القوانين أو الجنوح الى اتخاذ قرارات لا تصب في مصلحة حسن سير العدالة، علماً أن القاضي فهد كان ابلغ <المعترضين> انه يدعـــــــــــــــــــــــــــــم زيادة عدد أعضاء مجلس القضاء الأعلى المنتخبين بما لا يقل عن نصف الأعضاء بدل عضوين من أصل عشرة أعضاء وضرورة تعديل المادة الخامسة من قانون القضاء العدلي المتعلقة بالتشكيلات القضائية.

 

هل من بدائل للمعتكفين؟!

وفيما يؤكد القاضي فهد أمام القضاة <المعترضين> و<التقليديين> على حد سواء بأن الجميع يحرص على عدم الوصول بالوضع الراهن الى حد الاستقالات الجماعية، يرى أن لا أسباب جوهرية تبرر مثل هذا العمل لأن كل قاضٍ يشكل بالنسبة الى مجلس القضاء والدولة قيمة قانونية كبيرة وضمانة للنظام القضائي ولحقوق الناس، عدا عن التكلفة المالية الكبيرة التي تتكبدها الدولة من أجل اختياره، وبالتالي فإن لا تفريط بأي قاضٍ ولا سبب للاستقالة. غير أن القضاة المعتكفين تحدثوا عما سموه <رسالة تهديدية> وردت اليهم من غير رئيس مجلس القضاء وأعضائه، خلاصتها أن أي استقالة جماعية سوف ترد عليها السلطة التنفيذية وعدد من السياسيين الفاعلين، بتعديل للمادتين 77 و78 من قانون تنظيم القضاء العدلي، بما يسمح لمجلس القضاء الأعلى باختيار قضاة من المحامين والمساعدين القضائيين والذي كانت قد أقرته لجنة الادارة والعدل النيابية في عهد المجلس النيابي السابق واحالته على الهيئة العامة للمجلس قبل أن يُسحب ويُعاد ثانية الى لجنة الادارة والعدل بناء على طلب رئيسها الجديد النائب جورج عدوان الذي كان قد هدد أنه في حال عدم سحبه، فسيعلن لائحة بأسماء المحامين والمساعدين القضائيين <الجاهزين> لتعيينهم والمحسوبين على قوى وأحزاب بحيث يحلون مكان المستقيلين!

في أي حال، كل المعطيات تشير الى أن الملف القضائي الذي فتح نتيجة اعتكاف القضاة لن يصل الى خواتيم سعيدة إذا ما أقرّ مجلس النواب <تقليص> حقوق القضاة ومكتسباتهم ولم يأخذ برأي مجلس القضاء الاعلى بعدم المساس بهذه الحقوق. لكن ثمة من يرى أن مسألة الحقوق والمكتسبات هي الجسر التي يعبر عليه المعترضون على اداء مجلس القضاء الاعلى لدفع السلطة التنفيذية الى تغيير رئيسه وأعضائه بحيث يتمكن القضاة <التغييريون> من تسلم زمام الدفة القضائية والمضي بالسلطة الثالثة في البلاد، بعد السلطتين التشريعية والتنفيذية، الى مسارات جديدة ظاهرها إصلاحي، لكن باطنها له أبعاد اخرى تتصل بمسألة التوازنات السياسية والطائفية في البلاد بدأت طلائعه بحديث بعض <المعترضين> عن أن <الهوة عميقة> بينهم وبين مجلس القضاء الأعلى الذين يشككون بنوايا أعضائه في الوصول فعلياً الى حلول مفيدة. لكن هذه الحلول يصفها <التقليديون> بأنها حلول <متطرفة>، في وقت يريد هؤلاء <التقليديون> الوصول الى حلول وسطى لأن الوسطية كانت دائماً مخرجاً ناجحاً في لبنان.

وتتوقع مصادر متابعة ان يبقى المشهد القضائي معلقاً الى حين انعقاد المؤتمر القضائي الذي يحضّر له رئيس الجمهورية في قصر بعبدا الشهر المقبل تحت عنوان <نحو عدالة أفضل>!