14 November,2018

مسيرة إنشاء مجلس الشيوخ لن تكون ”نزهة“ وطرح ”السلة الكاملة“ يُقابل بضرورة انتخاب الرئيس!  

28144144853_d7b4cb3360_kبين <سكرة> انعقاد <خلوات عين التينة> الحوارية، و<فكرة> فشل المشاركين فيها في التوصل الى <اتفاق الحد الأدنى>، بدا أن الهروب الى الأمام هو خلاصة الأيام الحوارية الثلاثة والذي تمثل باتفاق على تشكيل لجنة مهمتها وضع اقتراح قانون إنشاء مجلس الشيوخ الذي نص عنه <اتفاق الطائف> قبل 27 عاماً.. وبذلك أوجد راعي الحوار الرئيس نبيه بري مادة جديدة تؤمن استمرارية طاولة الحوار من جهة أولى، وتبقي الأمل من جهة ثانية قائماً بأن تكون مهلة الشهر التي حدّدها رئيس مجلس النواب لتقديم ممثلي الأقطاب المتحاورين أسماء مندوبيهم الى اللجنة، فسحة زمنية إضافية علّ الموانع التي حالت حتى الآن دون اتفاق القيادات اللبنانية، تتقلص شيئاً فشيئاً – لأنها لن تزول كلياً – ويصبح في الإمكان تحقيق <إنجاز ما> يحفظ ماء وجه المتحاورين من جهة ويبقي حالة الاسترخاء السياسي متقدمة على التشنجات التي برزت خلال مداولات جلسات الحوار.

وفيما بدا أن موضوع استحداث مجلس الشيوخ سوف يكون مادة خلافية إضافية بدلاً من أن يكون مادة توافقية، فإن المتحاورين <تجاوبوا> مع <الأرنب> الذي أخرجه الرئيس بري من أحد أكمامه لأن ما من أحد منهم يريد أن يتحمل مسؤولية فشل الحوار أو تعليقه، على رغم أن الجلسة المقبلة قُذفت الى ما بعد شهر تماماً من <خلوات عين التينة>، وإذا كان معظم المشاركين التقوا على أن جلسات الأيام الثلاثة انتهت من دون إنجاز فعلي يسجل لها بعد الفشل في التفاهم على الملفات العالقة وعلى <السلة المتكاملة> وعلى <دوحة ثانية>، فإن هؤلاء المتحاورين قرروا بالجملة والمفرّق أن يستمروا في لعبة ملء <الوقت الضائع> مع قناعتهم بأن العجز الذي أظهروه في التفاهم على النقاط العالقة، وأبرزها الملف الرئاسي، لن يتحول الى قدرة على التفاهم على إنشاء مجلس الشيوخ، خصوصاً عندما سيبدأ البحث في التفاصيل وأهمها طريقة انتخاب أعضاء المجلس ودوره والمقارنة بينه وبين مجلس النواب وصولاً الى رئاسته التي يُطالب بها زعماء طائفة الموحدين الدروز (وظهر منها اسم الأمير طلال أرسلان)، وزعماء الطائفة الأرثوذكسية!

انتخاب الرئيس أولوية

وبدا منطقياً سؤال الأوساط السياسية كم سنة سيحتاج التوصل الى اقتراح القانون ومن ثم إقراره في مجلس النواب، طالما أن تشكيل اللجنة التي ستتولى صياغة الاقتراح تطلّب شهراً كاملاً، علماً أن الاتفاق على قانون جديد للانتخابات لا يزال أسير وجهات النظر المتباينة، وقد فشلت اللجان النيابية التي شكّلت لصوغ قانون انتخابي جديد في التوصل الى صيغة مقبولة على رغم مرور أكثر من ثلاث سنوات على انطلاقة اجتماعاتها بصرف النظر عن التسميات التي أُطلقت على هذه اللجان ومهمتها… ولعلّ ما يعزز المخاوف من أن <تجرجر> عملية الاتفاق على نص اقتراح القانون ردحاً من الزمن عملاً بمبدأ المماثلة، هو التراجعات بالجملة عن المواقف التي أُعلنت في الجلسة الحوارية الثانية حتى بدا أن الجلسة الثلاثة والأخيرة <نسفت> كل ما قيل في الجلسة الثانية خصوصاً في ما يتعلق بإنشاء مجلس الشيوخ الذي كان طرحه عملية إنقاذ سريعة لـ<الخلوات الحوارية> تحفظ ماء وجه المشاركين من جهة، وتفسح في المجال أمامهم لتقديم طروحات عجزوا عن تأمين التوافق حولها، من مثل <القانون الأرثوذكسي> و<النسبية> و< القانون المختلط> وغيرها من التوصيفات التي كانت السبب المباشر في عدم الوصول الى اتفاق على قانون جديد للانتخابات.

وترى الأوساط السياسية نفسها أن ما صدر من مواقف خلال الجلسات الحوارية، لاسيما تلك المتناقضة والمتباينة في غالب الأحيان، لم يحجب جملة حقائق أولها أن عدم الاتفاق على انتخاب رئيس جديد للبلاد سيبقى السبب المباشر لعدم الاتفاق على قانون جديد للانتخابات، وبالتالي على اقتراح قانون بإنشاء مجلس الشيوخ، على رغم أن المتحاورين أدركوا أن المعركة الانتخابية سوف تبدأ فعلياً قبل ستة أشهر من موعد انتهاء ولاية المجلس الحالي، خصوصاً إذا ما تقرّر إجراء الانتخابات النيابية في شهر أيار/ مايو المقبل بدلاً من شهر حزيران/ يونيو الذي يصادف مع حلول شهر رمضان المبارك الذي لا تسمح شعائره الدينية والصوم بالاهتمام بالاستحقاق الانتخابي بكل تفاصيله.

ثاني هذه الحقائق أن المتحاورين لم <يتزحزحوا> عن مواقفهم عندما <جد الجد> وأعادوا عقارب الخلاف الى الوراء ما بدّد بسرعة الآمال التي عُلّقت على الجلسات الحوارية. وهذا الموقف الذي اتخذه معظم المشاركين (باستثناء 3 أو 4 منهم) أخرج الحوار من إطار ليضعه في إطار آخر حفل بالمزايدات الى حد إعلان البعض <موت> الحوار سريرياً بعدما كان مُنِي برتابة غير مسبوقة وبتكرار للمواقف بأسلوب روتيني ممل وسط الكثير من التناقضات في مقاربة موضوع <السلة> الذي يتحدث عنه الرئيس بري ويصرّ على مناقشته، راوحت بين الرفض المطلق والتحفظ… والتأييد!

 

الحوار <ضرورة>

 

ثالث هذه الحقائق أنه على رغم <عقم> النقاش و<عناد> المتحاورين، فإنهم اتفقوا على أن مهمة الحوار وصلاحيته لم تنتهيا بعد على رغم تفرّق أولوياته بين الأطراف بفعل حدة صراعاتهم، وهذا ما جدد الحياة في طاولة الحوار نفسها والتي غدت واسعة العقد ومساحة لربط النزاع بين المتحاورين، بدلاً من أن تنتقل تناقضاتهم الى الشارع المهيأ لأي ردة فعل مهما كانت درجة سلبيتها لاعتبارات عدة، وبذلك سيبقى المتحاورون على كراسيهم خلف الطاولة البيضاوية، وإن كانوا يرددون في قرارة أنفسهم حيناً وعلناً أحياناً بأن التشاؤم هو سيد الموقف وأن الواقع السياسي اللبناني سيبقى بعد حلقات الحوار، كما كان عليه قبلها، ما يُسقط أي إمكانية للوصول الى حلول مطلوبة وملحة في المدى المنظور. وعلى رغم ذلك، فإن المتحاورين يجمعون على أن الحوار ما زال <ضرورة>، ولا يستطيع أحدهم أن يغادر الطاولة لأنه بذلك يتهرب من مسؤولياته ما دامت الأمور المصيرية على حالها من المراوحة والعجز عن إنتاج حلول للأزمات والملفات المتراكمة، وفي مقدمها ملف الرئاسة الأولى.

وتجمع الأوساط السياسية على القول بأن السير في اقتراح إنشاء مجلس الشيوخ لن يكون <نزهة> لأن الأفخاخ كثيرة وكبيرة في آن، وما برز منها خلال مناقشات قانون الانتخابات مرجح أن يتكرر خلال البحث في نصوص الاقتراح، خصوصاً أن ثمة من يؤكد أن لا بحث جدياً في إنشاء مجلس الشيوخ قبل الاتفاق حول رئاسة الجمهورية وعلى قانون الانتخابات النيابية وعلى غيرها من المواضيع الإصلاحية التي وردت في <اتفاق الطائف> ومنها خمسة بنود يقول <حافظ أسرار> <اتفاق الطائف> الرئيس حسين الحسيني انها لم تطبق بعد على رغم مرور 27 عاماً على إقرارها في المصيف السعودي، وهي: قانون الانتخاب الذي يؤمن برلمانية النظام والمراقبة والمحاسبة، ونقل السلطة من شخص رئيس الجمهورية الى مؤسسة مجلس الوزراء وليس الى شخص رئيس مجلس الوزراء، وقانون السلطة القضائية المستقلة المحددة في الدستور حفاظاً على مبدأ الفصل بين السلطات وتوازنها وتعاونها، وقانون الدفاع الوطني وفقاً لأحكام الدستور، وخطة التنمية الشاملة التي خصها الدستور بمبدأ أساسي في مقدمته وفي <الميثاق الوطني>. وتشير الأوساط نفسها الى خشية بعض القيادات من أن يكون النقاش حول مجلس الشيوخ <ملهاة> جديدة أو <مضيعة للوقت> تصرف النظر عن الاستحقاق الرئاسي الذي لا يزال ينتظر <الترياق> الخارجي لتصبح طريقه سالكة وآمنة، علماً أن ثمة من يعتبر، ومنهم رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط أن التطورات الاقليمية باتت <شريكة> في تحديد مصير الاستحقاق الرئاسي بدءاً بما يجري في اليمن وصولاً الى الاحداث المتسارعة في سوريا والعراق، وقد يصبح الأمر مرتبطاً أيضاً بما يجري في البحرين!

تحذيرات بري

 

من هنا، تتوقف الأوساط السياسية نفسها عند التحذيرات المتكررة التي يطلقها الرئيس بري من وصول البلاد الى مرحلة <جهنم الحمرا> بالتزامن مع سعيه لأن تكون المهلة التي تفصل عن موعد جلسة الحوار المقبلة في 5 أيلول/ سبتمبر المقبل، فرصة لتحفيز كل الأطراف على الانخراط في الحل الشامل قبل أن تقترب البلاد من المحظور وتنحدر نحو الفراغ الكامل، وهو يرفع لهذه الغاية لواء الوصول الى بلورة <سلة الحل> التي يعتبر الرئيس بري أن لا بديل عنها للخروج من الأزمة المتعددة الوجوه، وأبرزها الشغور الرئاسي. وتتحدث مصادر رئيس مجلس النواب أن المشاورات التي يجريها تركز على قانون الانتخابات باعتباره المفتاح الأساسي للحل، لاسيما وأن البديل هو الذهاب الى الانتخابات النيابية على أساس <قانون الستين> الحالي مع ما يحمله ذلك الأمر من تداعيات سلبية نتيجة معارضة غالبية الأفرقاء اعتماد هذا القانون كأساس للانتخابات النيابية التي سوف تجرى مهما كلف الأمر لأن خيار التمديد لمجلس النواب للمرة الثالثة غير وارد!