23 September,2018

مسلسل الجرائم ضد الزوجات في لبنان مستمر وبأفظع الطرق والوسائل!

بقلم وردية بطرس

الناشطة-حياة-مرشاد-في-تظاهرة-دعماً-للمرأة

سجل العام 2017 أكبر نسبة جرائم في لبنان والتي تنوعت بين الاشكال الفردي او العنف الأسري او حول افضلية المرور او القتل بهدف السرقة. وقد بلغت هذه الجرائم رقماً قياسياً نسبة لعدد السكان البالغ أربعة ملايين دون احتساب اللاجئين السوريين الذي بلغ عددهم مليوناً ونصف المليون… وتزداد جرائم القتل في لبنان بشكل لافت، لتصبح ظاهرة تهدد الأمن الاجتماعي في البلاد.

4 جرائم قتل لزوجات من قبل أزواجهن في أقل من 24 ساعة، كانت كافية لتشعل الرأي العام بضرورة وجود قوانين لحماية المرأة من العنف الأسري، وضبط السلاح المتفلت بين المواطنين لتخفيف نسبة الجريمة. فمنذ أيام أصيب اللبنانيون بصدمة عندما أقدم رجل على قتل زوجته في منطقة رأس النبع بقساوة، الا أن الخبر مر كباقي أخبار الجرائم العائلية التي باتت جزءاً من الحياة الاجتماعية في لبنان. وفي اليوم عينه أقدم رجل آخر في بلدة مجدل سلم الجنوبية على طعن زوجته ما تسبب لها بجروح خطرة، وذلك أمام أولادهما الذين توسّلوا والدهم لعدم قتل والدتهم… بالسلاح الحربي او بالسكين او بأي وسيلة أخرى يتفنن الزوج القاتل في قتل زوجته دون الأخذ بعين الاعتبار الأولاد الذين سيكبرون مع ذنب لم يرتكبوه، ولا تتوقف خطورة مثل هذه الأحداث عند الجريمة بحد ذاتها فقط، بل في مفهوم القتل الذي ساد مجتمعنا، وفي عدم الأخذ بعين الاعتبار للتبعات القانونية للجريمة.

من جهتها كانت الهيئة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية قد أدانت الجرائم الأخيرة التي طالت النساء في لبنان من قبل أزواجهن، ودعت أمام فظاعة الجرائم التي ترتكب بحق النساء وبدم بارد، وازاء التمادي في ارتكاب العنف واستسهال استهداف النساء لأسباب تتعلق بالنظرة الذكورية السلطوية، الى الاسراع في مجرى المحاكمات والتشدد في العقوبات والتوعية على جميع الأصعدة، بهدف ردع المجرمين وحماية النساء من العنف بجميع أشكاله، وحثت الحكومة ومجلس النواب على التعجيل في اقرار القوانين التي من شأنها حماية المرأة، من تحديد سن الزواج لمنع زواج القاصرات، الى معاقبة التحرش الجنسي، وتشديد العقوبات على جرائم سفاح القربى والاغتصاب والقتل.

وطبعاً كل الجرائم التي ارتكبت بحق الزوجات أمر فظيع، ولكن ما شهده شارع عمر بن الخطاب في منطقة رأس النبع في بيروت شكل صدمة كبيرة لأن الزوج أطلق 9 طلقات في اتجاه زوجته التي حاولت الهرب الى الشارع لعلها تنقذ نفسها لكن من دون جدوى، ولحق الزوج بالزوجة وهو يطلق النار عليها دون رحمة وفق شهود عيان.

 

منظمة <كفى عنف واستغلال> وتوثيق الحالات

 

وتجدر الاشارة الى ان منظمة <كفى عنف واستغلال> كانت قد بدأت منذ سنوات بتوثيق الحالات التي تتعرض فيها النساء للقتل من قبل أزواجهن، ولكن الأمر اختلف وأثيرت ضجة كبيرة في وسائل الاعلام عند مقتل السيدة رلى يعقوب، فهذه القضية كانت مفصلية لأن ملف رلى يعقوب في العام 2013 أصبح متداولاً بين الناس حيث أصبح اللبنانيون يعلمون كل شيء عن هذه القضية، وفي الوقت نفسه كان مشروع القانون قد صدر من المجلس النيابي، وكانت الجمعية تهتم بهذا الملف، وبدأت الحملة ومن ثم أوعز لوسائل الاعلام بإيصال الفكرة بطلب من ذوي المغدورة لأنهم أرادوا ان تصبح هذه القضية قضية رأي عام، وبالفعل راح الاعلام يتابع الملف مع أهلها، وخلال بضعة أسابيع تحولت القضية الى قضية رأي عام لأن الناس أصبحت على دراية بهذه الأمور وترى حالات قتل النساء تزداد. وبعد مقتل رلى يعقوب تعرضت نساء للقتل على ايدي أزواجهن ومنهن منال عاصي، وكريستال ابو شقرا، ونسرين روحانا. في البداية لم يتفاعل الناس مع هذه القضايا، ولكن مع اقرار القانون وتسليط الضوء من قبل الاعلام عليها أصبحوا يتفاعلون معها.

وقد أخذ المجتمع المدني في لبنان على عاتقه الاهتمام بهذا الملف، ومن الجمعيات التي تولي اهتماماً كبيراً بالنساء اللواتي يتعرضن للعنف الأسري هي منظمة <كفى عنف واستغلال>… ففي تشرين الأول/ اكتوبر الماضي زار وفد من أهالي النساء ضحايا العنف الاسري الرئيس العماد ميشال عون، برئاسة ممثلة منظمة <كفى عنف واستغلال> الاستاذة ليلى عواضة، وقد ضم الوفد أهالي النساء الضحايا اللواتي قضين على أيادي أزواجهن: رلى يعقوب، منال عاصي، نسرين روحانا، سارة الأمين، رقية منذر، زهراء قبوط، وشيرين عساكر، ووضع الرئيس في أجواء آخر التطورات المتعلقة بملفات بناتهن، وطالب الوفد رئيس الجمهورية مع افتتاح السنة القضائية اعطاء أولوية لملفات بناتهن بتسريع المحاكمات واصدار العقوبات وتعزيز آليات الحماية. وأعربت الاستاذة ليلى عواضة عن شكرها للرئيس عون لاستضافته الوفد الذي يرى الأمل عند الرئيس عون في ان تجري محاكمة عادلة للقتلة، وأشارت الأستاذة ليلى عواضة بالحديث عن ملفات النساء أمام المحاكم، الى ان منها ما لم يصدر فيها اي قرار ظني كما لم تبدأ المحاكمات أمام محكمة الجنايات رغم مرور أكثر من سنتين على الجريمة، ومنها ما بدأت المحاكمات فيها ببطء رغم وضوح ملف القتل، وبعضها الآخر وصل الى النهاية فصدرت فيها قرارات الا ان بعضها برر القتل وأعطى أعذاراً مخففة للقاتل، فيما قسم آخر كان عادلاً ومحقاً الا انه لم ينفذ حتى يومنا بحجة ان القاتل فار من وجه العدالة رغم معرفة مكان اقامته وتنقله بحرية، كما اعتبرت انه لا يمكن وضع حد لقضية العنف الأسري الا من خلال طريقين هما: تعزيز آليات الحماية ووجود محاكمات سريعة وعادلة ورادعة، وتمنت على رئيس الجمهورية باسم المنظمة العمل لكي يحيل مجلس الوزراء مشروع قانون التعديلات على قانون حماية النساء من العنف الاسري الى مجلس النواب والاستمرار في حمل هذا الملف، مطالبة برفع يد السياسيين عن القضاء، كما أشارت الى تخوف الأهالي من ان يشمل موضوع العفو الذي يكثر الكلام حوله قتلة النساء في جرائم العنف الاسري.

المحامية ليلى عواضة وقضايا

العنف الأسري

 

<الأفكار> تحدثت مع المحامية ومنسقة الخدمة القانونية في منظمة <كفى عنف واستغلال> الأستاذة ليلى عواضة اذ تعتبر انه لا يمكن الحديث عن أداء القضاء اللبناني بشأن قضايا العنف الأسري كقالب واحد وتقول:

 – ينقسم الأداء الى قسمين وهما: المحاكمات الجزائية المتعلقة بقضايا قتل النساء من جهة، وقرارات الحماية من العنف من جهة أخرى، وفي ما يخص قرارات الحماية فقد صدر ما لا يقل عن 150 قراراً حماية لمصلحة نساء معنفات في السنتين الماضيتين اللتين تلتا اصدار قانون حماية المرأة وسائر أفراد الأسرة، فلا يمر أسبوع من دون صدور نحو أربعة قرارات. وقد أجرى القضاة نقلة نوعية في هذا المجال، مصدرين عقوبات سريعة ورادعة… أما بالنسبة الى المحاكمات الجزائية المرتبطة بجرائم قتل النساء، فهي ليست بالايجابية نفسها، نظراً لبطء سيرها. وفي هذا الاطار ملف قتل رولا يعقوب الذي صدر قرار الهيئة الاتهامية فيه بعد سنتين من الاستئناف، ورغم ان نتيجته كانت ايجابية لجهة ادانة الزوج، الا ان تأخر صدوره قلّص من مدة بقاء الزوج في السجن. والثغرة الأخرى في ملف العنف الأسري هي تفاوت ايجابية او سلبية القرارات والمحاكمات بحسب القاضي الناظر في القضية، ومن هنا مطالبة <كفى> بانشاء محكمة للعنف الأسري.

 

قانون حماية المرأة

وعن قانون حماية المرأة تشرح الأستاذة ليلى عواضة:

– الفضل في هذا التطور الى قانون حماية المرأة، والى ضغط المجتمع المدني ومتابعته الاجراءات القضائية بشكل يومي من جهة، ومساهمته في تشكيل الوعي العام تجاه هذه القضية من جهة أخرى. لقد أصبح الناس مستعدين للتدخل من أجل حماية المرأة المعنفة، كما بات الاعلام أكثر اهتماماً بالقضية وهذا أمر جد مهم، اذ رأينا كيف أثيرت هذه الملفات من خلال الاعلام وتحولت الى قضية رأي عام.

وأضافت قائلة:

– ثلاثة تعديلات ليست هي النهاية، ولكنها بداية المعركة الطويلة أصلاً. أما المطلوب فهو الادارة، ومن دون هذه الادارة فستبقى قضايا العنف وقتل النساء مثلها مثل اي قضية أخرى، وفي أحيان كثيرة قضية ثانوية في مواجهة قضايا مثل الارهاب والسرقة وغيرها. وهذه ليست مسؤولية القضاة وحدهم، فهؤلاء يتذرعون بنصوص القوانين، وان كان البعض منهم يغوص في روحية القانون وضمن الهامش المسموح لهم لاصدار أحكام منصفة، فان نفّذوا القانون فهم <غير ملامين> أو بالأحرى هم ملزمون بتنفيذه.

المشرّع وتقاليد المجتمع

المحامية-ليلى-عواضة-في-تظاهرة-حول-الجرائم-ضد-النساء

 واستطردت قائلة:

– أما المسؤولية الأكبر فتقع على عاتق المشرّع الذي من المفترض ان يضع قانوناً يستجيب للتطورات وروحية المجتمعات. وهذه نقطة بديهية. أما هنا في البلد الذي تقضي فيه امرأة كل شهر على يد زوجها او أخيها او أبيها، فالمشرّع لا ينفك يدسّ في نصوصه تقاليد المجتمع وأعرافه وعاداته…. في هذا البلد الذي كلما تقتل فيه امرأة يأتي التعليق القاتل <بتكون عاملتلها شي عملة>. والنماذج كثيرة هنا، منها على سبيل المثال الغاء المادة 522 من قانون العقوبات التي كانت تعفي المغتصب من العقوبة في حال تزوج الضحية، ودسّها في مواد أخرى، وان بطريقة غير مباشرة. ولعل كلام رئيس لجنة الادارة والعدل النيابية في الجلسة الأخيرة لدرس المواد <502 الى 522> من قانون العقوبات ومناقشتها وتعديلها هو أبلغ وصف لعقلية المشرّع التي لا تزال تحمل في طياتها عبارات مثل <السترة> و«الشرف>. من ينسى كلام غانم عن الأخذ في الاعتبار في أثناء النظر في التعديلات <العادات اللبنانية وكل الأمور التي يتميز بها المجتمع اللبناني عن غيرنا من البلدان بحيث لا يزال لدينا عشائر وقبائل وعادات تختلف تماماً عن الآخرين>؟!

وزادت قائلة:

– كذلك الأمر بالنسبة الى قضية تزويج القاصرات حيث خرج النائب غسان مخيبر، وهو مشرّع للأمانة، متأبطاً مشروع قانون يهدف الى تنظيم زواج القاصرات. وهنا تقع المسؤولية المضاعفة على المشرّع الذي يكرّس ذهنية العـــــادات والتقاليـــــد في روحيـــــة نصوصه، ولم يستطع الى الآن تنزيــــه نصوصـــــه منهــــا، ما انعكس على القضاة في قـــــرارات الأحكـــــام التخفيفية التي شاركت في القتل. أما المسؤولية التالية، فهي على المجتمع الذكوري الذي لا يـــــزال يــــعتبر مــــوت النساء قضية ثانوية. وهذا كله انعكس في القانــــون <المبتور>، لكن للانصاف أقول أخيراً ان القانــــون ســـــاعد في أمــــر واحد ألا وهو توصيف جريمة القتل بعدما كانت بلا توصيف، وهذا يعدّ انتصاراً ولو طفيفاً.

عضو التجمع النسائي الديمقراطي الناشطة حياة مرشاد

وضرورة محاسبة الفاعلين

وفي هذا السياق ترى الناشطة في مجال حقوق المرأة وعضو <التجمع النسائي الديمقراطي> حياة مرشاد ان المنظمات النسائية تعمل على متابعة الحالات التي تتعرض لأي شكل من أشكال التعنيف وتقدم الدعم النفسي والاجتماعي لها، اضافة لدعمها قانونياً ومادياً في حال أرادت رفع دعوى قضائية ضد الرجل المعنّف، اننا نعمل دائماً على تأمين المأوى والملجأ الآمن للنساء، وتقول:

– سنتابع هذه الملفات في القضاء لمحاسبة الفاعلين ولتأخذ كل النسوة حقوقهن قانونياً، ويعد اقرار قانون حماية النساء وسائر أفراد الأسرة من العنف الأسري، ورغم تحفظ بعض المنظمات النسائية على بعض بنوده، خطوة ناجحة في فرض الحماية لهن وهو قفزة قانونية لصالحهن. واننا نعمل على تعديل القانون وازالة كل الشوائب التي توجد فيه بهدف حماية المرأة.

 

نسب الجرائم ضد المرأة

وعن نسب الجرائم ضد المرأة تقول:

– يُعتبر لبنان من البلدان التي تشهد نسب جرائم مرتفعة ضد المرأة، وقد سُجلت قرابة الخمس جرائم في الشهرين الماضيين وبأبشع الطرق، كما ان معدل النساء اللواتي يقتلن على ايدي أزواجهن يقدّر بثلاث في الشهر، ووصل العدد أحياناً الى أربع نساء، وهذه النسب لا تشمل النسوة اللواتي يتعرضن للتعنيف دون ان يعلن عن ذلك، ولا حالات القتل التي لا يُعلن عنها، اضافة الى الجرائم التي لا يتم الاعلان عنها مثل التحرش الجنسي، والاغتصاب الزوجي، ولسوء الحظ هذه الحالات لا تُكشف الا بعد ان تحصل عملية القتل.

وتابعت قائلة:

– وعلى النساء ان يعرفن ان هناك العديد من المنظمات التي يمكنها ان تساعدهن وان تكسر حلقة العنف ضدهن. ونتوجه الى النساء اللواتي يتعرضن للتعنيف والتعذيب بالقول: هناك من يقف الى جانبكن، والعنف ليس بسيطاً وقد يصل الى القتل، ولا يمكن السكوت لأن العنف تراكمي ويهدد العائلة كلها، ولن يتغير شيء اذا لم تقمن بالتبليغ لأنه بذلك فقط تحمين أنفسكن.