16 November,2018

مستقبــل سوريــا.. مـع الأســــــد أم بــدونـــــــه؟

 

بقلم علي الحسيني

 

منذ بداية الثورة في سوريا والكلام عن بقاء الرئيس السوري بشار الاسد أو رحيله لا يتوقف سواء داخل الاروقة السياسية أو في دوائر القرار الدولي والمحلي العربي. فمع بداية الأزمة وبالتزامن مع خروج التظاهرات الداعية لإسقاط النظام السوري خرج الكثير من التصريحات على لسان رؤساء دول ذات صلة بالواقع السوري المستجد يومئذٍ، لتطالب بضرورة رحيل الاسد حتى وصلت في بعض جوانبها للقول ان بقاء النظام السوري هو مسألة وقت لا أكثر ولا أقل.

 

لعبة النظام ودعم الحلفاء!

 

على بعد أشهر قليلة من بداية السنة الثامنة من عمر الثورة السورية، يعود الحديث مجدداً عن دور الرئيس السوري بشار الأسد في مستقبل سوريا ليطرح نفسه كنقاش يُفضي الى تحديد مستقبل البلاد والدور الذي ستلعبه بالإضافة الى الإطمئنان للشكل الذي سيكون عليه النظام الحاكم في الفترة المقبلة أو أقله الفترة الانتقالية. لكن كل هذا الحديث أو الدعوات برأي جزء كبير من صنّاع القرار الدولي وأبرزهم الولايات المتحدة الأميركية وروسيا، تبقى غير قابلة للصرف في الوقت الراهن لأسباب كثيرة منها الخروقات الكبيرة التي يحققها النظام السوري في الميدان ولو بدعم من حلفائه الروس والإيرانيين وحزب الله إضافة إلى أن سوريا ما زالت مُمسكة بأوراق كثيرة سواء اقتصادية او اجتماعية وقانونية وحتّى في الشق المؤسساتي، تجعلها المرجع الأوحد للشعب السوري وتسيير حياته سواء داخل البلاد او في الخارج، ومن ضمن هذا الخارج، دول غربية وعربية لا تريد الاعتراف بالنظام السوري ودوره وتدعو بشكل متكرر الى رحيله عن الحكم.

أما بالنسبة الى روسيا الداعم الأبرز للنظام السوري، فهي تسارع الى إغلاق ملف الحرب في سورية، وتسعى إلى إيصال رسالة الى كل الأطراف الإقليمية والدولية أن الحرب انتهت، ليس مهماً كيف، المهم أن في سورية دولة وحكومة شرعية وعلى الآخرين قبول هذا الأمر تماماً كما تقبل المجموعة الدولية أي حكومة وطنية في العالم وصلت إلى السلطة من طريق الانتخابات، فليس من حق أي طرف وضع اشتراطات سياسية وتحديد كيف يكون أداء السلطات الوطنية، ما دامت القضية مرتبطة بالسيادة الداخلية، وما دامت حكومة هذه الدولة لا تمارس أعمالاً غير قانونية على المستويين الإقليمي والدولي. لكن في عملية وضع الأمور في نصابها الصحيح، تعرف روسيا حق المعرفة أن نظام الأسد لا يشبه أي حكومة منتخبة في العالم، بل هو نظام ارتكب مذابح منهجية بحق شعبه ولم يبق أي نمط من أنماط حروب الإبادة من دون أن يجربه على البيئات التي ثارت عليه، كما أنه ومنذ سنة 2011 وحتى هذا التاريخ، أسقط القانون في شكل نهائي، ولم يلجأ إلى قانون الطوارئ، على رغم قساوة هذا القانون أصلاً، بل حوّل البلاد إلى فوضى رهيبة كان الهدف منها تحفيز عناصر ميليشياته وميليشيات حلفائه على زيادة إنتاجيتهم في القتل والقمع إلى أبعد الحدود، ما دام لا قانون يحاكمهم ولا ضوابط تردعهم، وكل عنصر ميليشياوي يستطيع اتخاذ القرار وفق تقديره ومزاجيته وواقعه الميداني.

 

التركيز على منطقة منزوعة السلاح

 

بشكل لافت، تراجع الاهتمام الإعلامي بشأن الوضع في سوريا في المرحلة الأخيرة، علماً أن أي طرف لم يُعلن إنتهاء الحرب هناك، ولا حتّى جرى التوصل إلى اتفاق سلام نهائي بعد، ولا بدأت عمليات إعادة الإعمار الشاملة والواسعة. فكيف هي الصُورة الإجمالية حالياً، وما هي التوقّعات لمستقبل سُوريا ولمصير الرئيس السوري بشار الأسد عشية الوقوف على أبواب السنة الثامنة من الحرب هناك؟

التركيز حالياً يقوم على تنفيذ الاتفاق الخاص بمنطقة منزوعة السلاح سواء في إدلب او ما بين الحدود السورية – التركية ما بعد الانتهاء من وضع إدلب التي انتهت فيها آخر مهلة لانسحاب الفصائل المسلحة الاسبوع ما قبل الماضي وذلك بموجب الاتفاق الروسي – التركي. وأمام هذا الواقع، باتت القوى المؤيدة للمعارضة تتساءل ما إذا كان هناك أي فرصة للتوصل إلى تسوية نهائية، في ظل هذا الواقع غير المتكافئ عسكرياً وسياسياً بين النظام السوري ومعارضيه؟

وتجدر الإشارة إلى أن الرئيس السوري يواصل سياسة تفريغ أي مفاوضات برعاية دولية من مضمونها، لأن أي تسوية محتملة ستقلص من الانتصارات المحقّقة لصالحه، مع العلم أن النظام السوري يعتبر أن أي حكومة تضم شخصيات من المعارضة في وقت لاحق، تمثل تنازلاً غير ضروري من جانبه، وأي تحديد لمهلة انتقال سياسي في سوريا هو مطلب غير واقعي بالنسبة اليه بعد النتائج العسكرية الميدانية التي حققها. كما أنه يرى بأن أي فرض لانتخابات عامة برعاية دولية هو تنازل غير ضروري على الإطلاق. ولذلك يمكن القول إن المفاوضات التي تحصل بين الحين والآخر، باتت مرتبطة بتنظيم العلاقات بين كل من روسيا وإيران وتركيا لكن من دون أن تشمل التسوية النهائية للحرب السورية، ما يعني أن لا نتائج مهمة متوقّعة من أي جولة مفاوضات جديدة.

عودة الاتصالات بين أميركا والنظام

 

يقول الكاتب السياسي الأميركي <دانيال دوبتريس> خلال لقاء مع عدد من الصحافيين أجانب وعرباً، إن حملة الجيش السوري العسكرية على الغوطة الشرقية كان بمنزلة دليل على المسار الذي تتجه اليه الحرب، والذي تغيّر فعلاً منذ أن تدخلت موسكو عسكرياً في أيلول 2015 من أجل مساعدة الأسد على البقاء. واليوم نرى كيف أن المسلحين الذين انقطعوا من الامدادات والدعم من الداعمين الخارجيين، يواجهون خياراً واحداً هو، الاستسلام بدون شروط والتموضع في أمكنة تُحددها الدولة السورية بالاتفاق بين الروسي والتركي، وهنا على الولايات المتحدة أن تضع قاعدة جديدة لسياستها في سوريا، تحضيراً لبقاء الأسد لسنوات في دمشق.

وأكد <دوبترس> أن هذا ليس السيناريو الذي تريده واشنطن، لكن بالنسبة الى بشار الأسد فإن التفاوض حول تنازلات سياسية بما يخص مستقبل سوريا في الوقت الذي يستعيد الجيش السوري الأراضي، أمر لا جدوى منه. وسأل: أين ستضع الأحداث الولايات المتحدة؟ هل يمكن أن تعمل واشنطن مع الرئيس الأسد مجدداً وتتناسى كل ما جرى؟. إن الحكم السياسي في سوريا ليس في قلب الاهتمام الأمني الأميركي، فالسياسة الأميركية في الشرق الأوسط ستستمر بغض النظر عن وجود الأسد في

القصر الرئاسي أم لا.

من هنا، يمكن التأكد أن ما تواجهه أميركا اليوم في سوريا هو تجاوز العديد من الدول وحتى بمن فيهم حلفاؤها الافتراضيون، مسألة تنحي بشار الأسد بشكل كامل، بسبب ترجيح كفّة الميزان العسكري لصالح المحور الذي دعمه وقاتل إلى جانبه، منذ تاريخ تدخل روسيا عسكرياً في الحرب السُورية، في مقابل انكفاء الولايات المتحدة السياسي، وخلافها الكبير مع تركيا، وتراجع الدعم الخليجي للقوى المعارضة بسبب تفوق الجماعات الإرهابيّة على الجماعات المُؤيدة لها لأكثر من سبب، من دون أن ننسى الدور الإيراني العسكري الحاسم أيضاً، سواء عبر الحرس الثوري الإيراني أو حزب الله أو المليشيات المدعومة منها.

بدوره اعتبر الرئيس السوري خلال مقابلة صحافية معه، أن السر في نجاح صمود القيادة السورية في وجه مطالب الغرب، ورحيل معظم من طالبها بالرحيل عن السلطة، هو السر السوري الذي يتمثل في الدعم الشعبي. فهذه ليست معركتي، وأنا لا أُحارب من أجل منصبي. إني لا أكترث للمنصب. ما يعنيني هو الدعم الشعبي. بالنسبة لنا كسوريين، هذه حرب وطنية، والجميع يحارب من أجل بلده وليس من أجل الرئيس. ورداً على سؤال حول تفكيره بالحياة خارج سوريا، أو ربما التنحي والعيش خارج سوريا، قال: نظراً لأن الرئيس يأتي من خلال الانتخابات، فإن التنحي يكون من خلال الانتخابات أيضاً، أو عندما تلاحظ أن الشعب السوري لن يدعمك لأنك دون ذلك الدعم لا تستطيع أن تنجز أو تحقق شيئاً. عندئذٍ ينبغي أن ترحل. ولأن الوضع ليس على هذا النحو، وأنت في وسط العاصفة، وسوريا في عين العاصفة، لا أستطيع القول إني سأستسلم وأُغادر.

 

حطيط: ليست أميركا من

يقرر مستقبل سوريا

ما يجري من اتفاقات وصفقات ميدانية بين النظام السوري والجماعات المسلحة يشير الى واقع يؤكد ان روسيا لا تعتبر عقدة مصير الأسد هي جوهر الأزمة السورية ولا حتى بقية الدول الداعية الى رحيله، لذا هناك ترويج دولي يطل بين الحين والآخر لأفكار تستند الى ان دور الاسد ما زال ضرورياً وجوهرياً في ظل وجود الحركات الأصولية خصوصاً من وجهة النظر الروسية والتي يقابلها رأي غربي تقوده اميركا يرغب في تقليص صلاحيات الأسد ودوره في المرحلة الانتقالية تمهيداً لخروجه النهائي والكامل من السلطة مع نهاية مرحلة ما بعد إدلب، في وقت تصر فيه الاطراف العربية الداعمة للثورة السورية ومعها تركيا على رحيل الأسد فور بدء عملية الانتقال السياسي وفقاً لبيان <جنيف1> ذلك أن رحيل الديكتاتور بحسب

رأيهم، اكثر من ضروري لإقناع ما يتبقّى من مقاتلين بترك السلاح والتوحد ضد الإرهاب ضمن خطة تؤدي حتماً الى قيام دولة موحدة.

في هذا السياق يؤكد الخبير الاستراتيجي العميد المتقاعد امين حطيط، أن اميركا تحاول كما هي عادتها في الاستثمار والخداع، ان تشيع أجواء متفائلة حول الوضع السوري ومكافحة الإرهاب الذي ترعاه بما يوحي انها تمسك بزمام الأمور وأن المبادرات جميعها بيدها وانها ماضية قدماً في تحقيق اهدافها من العدوان على سوريا، العدوان الذي فشل في الواقع وعجز عن اقامة نظام حكم عميل يجعل من سوريا مستعمرة اميركية ويجعل من المنطقة قاعدة انطلاق للسيطرة على العالم، معتبراً انه على الرغم من الاخفاق الأميركي ثم انكشاف أميركا وحلفائها في رعايتهم واستثمارهم للإرهاب، نجد ان أميركا وخلفها بعض التافهين الهامشيين ينبرون لإطلاق تصريحات من شأن السامع اذا صدقها ان يعتقد بأن العدوان على سوريا حقق أغراضه وحل موسم قطاف الثمار.

وأكد حطيط، أن أميركا ليست هي من يقرر مستقبل سوريا، فأميركا فشلت في عدوانها واضطرها فشلها إلى القبول بالعمل مع روسيا وايران حليفتي سوريا للبحث عن حل سياسي يراعي قواعد القانون الدولي بخاصة قاعدة السيادة الوطنية التي لا تخرق بتدخل أو إملاء. كما ان التفسير الأميركي لواقع الأزمة السورية بات في ذمة التاريخ، حيث لم يعد هناك من وجود لمرحلة انتقالية تُريدها أميركا في سوريا بل ان ما يجري الحديث عنه أو ما يُمكن الحديث عنه، هو فقط حكومة وحدة وطنية لن تقوم الا بمرسوم وبتوقيع الرئيس الأسد وقيادته، وكل كلام آخر سيكون هراء.

اللبواني: لا تغيير

لـ<سايكس بيكو>

المعارض السوري كمال اللبواني يؤكد أن تفاوضاً جديداً حصل بين الروس والأميركيين حول سوريا، رشح عنه عناوين للتفاهمات الأولية بصدد مصير البلاد، حيث يرحل الأسد، ويتولى ضابط سنّي رئاسة مجلس عسكري انتقالي، وذلك نقلاً عمن سماهم بـ <أصدقاء مطلعين>، مؤكداً ان سوريا لن تقسم وإن تحولت لنظام فيدرالي، ولا تغيير حالياً لخريطة <سايكس بيكو> كما يبدو. ورأى ان الأسد سيرحل ويحكم سوريا مجلس عسكري انتقالي، من ضباط غير متورطين، يرأسه ضابط سنّي من صلب النظام فضّل الابتعاد مبكراً عن الحل العسكري.

ويتابع اللبواني: ينظم المرحلة الانتقالية إعلان مبادئ دستورية، يتفق عليه بين الدول ويتم إخراجه عبر عملية ترعاها الأمم المتحدة، لكنه سيكون ملزماً لأي دستور يقره الشعب السوري في نهاية هذه المرحلة الانتقالية، مكوناته سوريا موحدة فيدرالية، علمانية، تلتزم بمحاربة الإرهاب والسلام مع جيرانها. ويرى أن روسيا ستحتفظ بامتيازاتها خاصة في الساحل وتلعب دور ضامن مع الأميركان فيما يقوم المجلس العسكري بإعادة تنظيم قواته العسكرية وضم مجموعات من مقاتلي المعارضة وتفكيك ما تبقى من بؤر خارجة عن سيطرته. ويهيئ الأرضية الأمنية لعودة اللاجئين وتشغيل الاقتصاد.

ويؤكد اللبواني أن المجلس سيطلب انسحاب الميليشيات الإيرانية أو يتم ذلك عبر قرار دولي، والأمر قد يحتاج مساعدة عسكرية عربية لإخرجها في حال رفضت، مع تأسيس محاكم خاصة تستخدم كآلية ضغط على كل فرد يعرقل تنفيذ هذا الاتفاق في كلا الطرفين النظام والمعارضة، مشيراً إلى أن الدول المتفاهمة ستساهم في إعادة إعمار سوريا، مع ضمان عدم استعمال أراضيها وقدراتها ضد مصالح هذه الدول. بدورها وعلى الخط نفسه، تشير أوساط المعارضة السورية، إلى أن اللبواني ربما يتحدث هنا عن العميد مناف طلاس، الذي أعلن انشقاقه في بدايات الأحداث السورية، ويسكن منذ سنوات في فرنسا بعيداً عن الأضواء. وهو نجل وزير الدفاع السوري الأسبق وأحد أبرز رجالات النظام، العماد مصطفى طلاس.

 

الخلاصة.. بقاء

أم رحيل؟

من نافل القول، انه بعد مضي اكثر من سبع سنوات على الحرب السورية، غدا مصير الرئيس السوري بشار الأسد الذي اصبح اليوم أكثر قوة، محسوماً بشكل رسمي حيث اكد بعض الخبراء، ان الاسد سيبقى على رأس السلطة الى حين الوصول الى اتفاق مقنع بين جميع الاطراف، مع العلم أن التنحي كان حتى وقت قريب من اهم مطالب الفصائل المعارضة والدول الداعمة لها ومنها تركيا والمملكة العربية السعودية التي كانت اشد الدول المطالبة برحيله من السلطة. واليوم مع تراجع وضع مسلحي المعارضة، يقول خبراء إن الاســـــد اصبـــح سيد الموقف فهو ومع وجود حلفاء اقوياء، لم يعد يواجه ضغوطاً لتقديم تنازلات على طاولة المفاوضات خصوصاً في ظل سياسته القائمة اليوم على ترحيب بأي دور للأمم المتحدة لحل الأزمة السورية <شرط أن يكون مرتبطاً بالسيادة السورية، وأي شيء يتجاوز هذه السيادة مرفوض>.

من جانب آخر اعتبرت دراسة أميركية أن الولايات المتحدة في الواقع تقبل ببقاء الرئيس السوري في السلطة بسوريا، كما أكدت الخارجية الأميركية في وقت سابق، أن روسيا تسعى إلى إبقاء الرئيس السوري بشار الأسد في السلطة من أجل الاستقرار وإنهاء الفوضى في البلد وليس للحفاظ على نظامه بالذات. ويُعتبر هذا التصريح بحد ذاته، أن مسألة المطالبة بضرورة اخراج الأسد من سوريا اليوم قبل غد، هي مسألة لم تعد أولوية بالنسبة الى الرئيس الأميركي <دونالد ترامب> حتى وإن خرجت له تصريحات تدل على عكس ذلك، فالرجل اليوم غائب عن مصالح حلفائه السياسية في وقت ينشغل فيه بمصالحه المادية ممارساً ابتزازه المعهود في كل حدث غير مألوف سواء مع حلفائه العرب، أو الغربيين.