22 January,2020

مراجع قضائية تحذر من ”تسييس“ العفو العام وتدعو الى مقاربة موضوعية تحمي الاستقرار وهيبة القضاء!

سعد-الحريري-افطارهل يكفي أن يعلن رئيس الحكومة سعد الحريري في إفطار تيار <المستقبل> في <معرض رشيد كرامي الدولي> في طرابلس، أن إيفاء الدين لأهالي المدينة سيكون بقانون عفو عادل يعطي الحق لأصحابه حتى يصبح العفو واقعاً؟

هذا السؤال طرحته مراجع رسمية وسياسية بعيد سماعها موقف الرئيس الحريري في طرابلس، معتبرة أن رئيس الحكومة أعاد إطلاق وعود سبق أن رددها في مناسبات مماثلة العام الماضي ولم يستطع تنفيذها لأن مسألة العفو ليست بالسهولة التي يعتقدها البعض لأنها متشعبة ومرتبطة باستحقاقات أخرى لم يحن بعد أوان تنفيذها، هذا إذا توافرت القدرة والرغبة على التنفيذ في آن.

وفي هذا السياق، أشارت مصادر متابعة لمسألة العفو الى أن البحث في إصدار قانون عفو عام عن مجلس النواب ما زال يتعثر منذ بدء الحديث فيه قبل سنوات، لاعتبارات عدة ابرزها عدم التوصل الى اتفاق واحد على <مواصفات> المطلوب إصدار عفو عنهم بعدما بدا من خلال المداولات التي تدور في الكواليس ان ثمة من يرغب في توسيع مروحة المستفيدين من العفو العام، ومنهم من ارتكب جرائم جنائية لا يمكن أن يشملها العفو لأي سبب كان، ومنهم من لا تنطبق عليهم معايير العفو خصوصاً الأسباب الصحية أو الاجتماعية، والبعض الثالث ممن دينوا بارتكاب جرائم التهريب والاتجار بالمخدرات وغيرها من الجرائم الشائنة.

ويقول مرجع قضائي معني ان العفو لا يمكن أن يمنح إلا للذين صدرت أحكام بحقهم، ومن بين هؤلاء من يشكل خروجهم من السجن وإفادتهم من العفو، خطراً على السلامة العامة، ومنهم من ارتكب جرائم ضد أمن الدولة أو ضد القوى المسلحة ولاسيما أفراد الجيش وضباطه، وهؤلاء هم الذين <يضغطون> سياسياً كي يشملهم العفو، الى جانب عدد من المحكومين من أبناء منطقة البقاع وخصوصاً منطقة بعلبك – الهرمل بعدما تبين أن ثمة من يسعى الى تحقيق <توازن> في منح العفو يغلب عليه الطابع المذهبي. أما الذين أشار إليهم الرئيس الحريري في كلمته في الإفطار الرمضاني الطرابلسي، فهم أولئك الذين يوصفون بـ<الإسلاميين> الذين أوقفوا وحوكموا بجرائم استهدفت أمن الدولة، ومن بينهم مجموعات من الموقوفين الذين لم تصدر الأحكام بحقهم، وهم اما بدأت محاكماتهم وإما لم تبدأ بعد لأسباب مختلفة.

 

تصنيف لم يوافق عليه عون

ويضيف المرجع نفسه أن التصنيف الذي وضع للمرشحين للاستفادة من العفو العام لم يحظ بعد بموافقة المسؤولين المعنيين، ولاسيما منهم رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الذي سجل ملاحظات أساسية على المعايير التي اقترحت، وصلت الى حد رفض العفو عن أي مدان أو متهم بارتكاب جرائم ضد الجيش والقوى المسلحة، أو اولئك الذين هددوا أمن الدولة، خصوصاً بعدما رفعت جهات معنية تقارير مفصلة عن <استنساب> يحصل في اعتماد معايير العفو و<تسييس> للملف، في حين ان الرئيس عون لم يمانع بأن يكون العفو على نطاق ضيق ويشمل الذين يعانون من ظروف صحية معينة، أو أولئك الذين أمضوا سنوات من محكوميتهم ولم تبق إلا فترات قصيرة لهم في السجن، وهم استفادوا أصلاً من القانون الذي صدر باعتبار السنة السجنية تسعة أشهر بدلاً من 12 شهراً، أما الذين لم يحاكموا بعد، فيمكن حسب المرجع القضائي نفسه، الإسراع في محاكمتهم كي يقول القضاء كلمته وليس قانون العفو.

و<تقر> المراجع القضائية المعنية بأن ثمة حالات يجب أن تستفيد من العفو كي لا يؤخذ اصحابها بجريرة مرتكبين آخرين، غير أنه من غير الوارد القبول بأن يستفيد من صدرت أحكام مبرمة بحقهم من فرصة العفو الممنوح للمستحقين، واقترحت هذه المراجع أن يتم تفعيل اللجان التي شُكلت لإجراء مسح دقيق في أوضاع المطلوب أن يشملهم العفو، ووضع معايير ثابتة عبر استنسابية كما هو الواقع الراهن في هذا الملف الحساس الذي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بعمل القضاء من جهة، وبهيبة الدولة من جهة ثانية. وبالتالي فإن توسيع <بيكار> المستفيدين من العفو العام سوف يؤدي الى تجميد هذا الملف الى حين تتوافر الظروف الملائمة. وفي هذا الإطار استغربت المراجع القضائية كيف ان مسألة حساسة مثل العفو تدار بخلفية سياسية غير قضائية، في وقت يُطلب فيه من الجسم القضائي أن يبتعد العاملون فيه عن السياسة، وأن تُرفع يد السياسيين عنهم كي يمارسوا دورهم وفق القوانين والأنظمة المرعية الإجراء، وأشارت الى أن ثمة قضاة واجهوا ضغوطاً سياسية لتعطيل قدرتهم على إصدار أحكام في ملفات لا تزال عالقة أمام المحاكم الجنائية أو القضاء العسكري، ما جعل الريبة والشكوك تحوم حول موضوعية العاملين على ملف العفو منذ أشهر.

ورأت المراجع نفسها أن تجربة العفو العام الذي صدر العام 2005 لم تكن مشجعة، بدليل أن ثمة من أوقفوا وأحيلوا على المحاكمة من جديد سبق أن استفادوا من هذا العفو العام، ما يؤشر الى أن الحكمة من اصدار العفو العام لم تنطبق على أوضاع بعض المعفى عنهم الذين عادوا الى ارتكاب الجرائم نفسها أو هم <جددوا نشاطهم> وتعاونهم مع تنظيمات ارهابية وأخرى متطرفة، وأن قلة من المستفيدين بدلوا مسار حياتهم وسلكوا طريق الاستقامة والصواب، ودعت المراجع نفسها الى مقاربة هذا الملف بروية وواقعية مع إقراراها بوجود حالات يمكن إفادة أصحابها من <العفو المشروط> الذي يتضمن ضوابط لا يمكن تجاهلها، لاسيما في الظروف الاستثنائية التي يمر بها لبنان.