22 September,2018

مدينة «كوباني » )عين العرب( تفتح الصفحات الحمراء لشعب ثائر متعطش للحرية والسيادة!

1     الصراع الدائر في مدينة <كوباني> (<عين العرب>) بين الأكراد وتنظيم الدولة الاسلامية <داعش> أعاد القضية الكردية الى الواجهة، خاصة وان الشعب الكردي عانى على مر العصور ما عاناه من الاضطهاد، جراء مطالبته الدائمة بالاستقلال الذاتي، في حين لم تكن كردستان بلداً مستقلاً ذا حدود سياسية معينة، بل توزعت بصورة رئيسية في ثلاث دول هي العراق وإيران وتركيا مع قسم صغير يقع في سوريا، فيما يوجد عدد من الأكراد في دول أخرى أهمها أرمينيا وأذربيجان وباكستان وبلوشستان وأفغانستان ولبنان.

يطالب الأكراد منذ عقود طويلة بإنشاء <كردستان موحدة> على بقعة أرض تبلغ مساحتها نحو نصف مليون كيلومتر مربع وتمتد في كل من إيران وتركيا وسوريا والعراق، الأمر الذي تعتبره تلك البلدان تهديداً لأمنها القومي.

ويُعتقد أن الأكراد وهم شعوب من جذور هندو ـــ أوروبية، ينحدرون من <الميديين> في بلاد فارس القديمة والذين أسسوا إمبراطورية <ميديا> في القرن السابع قبل الميلاد.

ويصل تعداد الأكراد إلى 35 مليون نسمة وفقاً للمصادر الكردية، يقطن ما يصل إلى 15 مليون منهم في تركيا، و5 ملايين في إيران، وفي العراق حوالى 4 ملايين ونصف المليون، ونحو مليونين في سوريا. كما تقيم مجموعات كبيرة من الأكراد أيضا في أذربيجان وأرمينيا ولبنان، وكذلك في أوروبا خصوصاً في ألمانيا. وقد احتفظ الأكراد على مر السنين بلهجاتهم وتقاليدهم ونمط اجتماعي قَبَلي إلى حدٍ كبير. ومع سقوط الخلافة العثمانية عند انتهاء الحرب العالمية الأولى، فتح الطريق أمام قيام دولة كردية بموجب معاهدة <سيفر> التركية في 1920، في شرق الأناضول وفي محافظة الموصل.

الاكراد

لكن بعد وصول <مصطفى كمال أتاتورك> إلى سدة الحكم في تركيا، عاد الحلفاء عن قرارهم. وفي عام 1923، كرست معاهدة <لوزان> هيمنة تركيا وإيران وبريطانيا (بالنسبة للعراق) وفرنسا (بالنسبة لسوريا) على الشعوب الكردية. ومنذ ذلك التاريخ، خاض الأكراد نزاعات مسلحة مع حكومات تلك البلاد في محاولة لإنشاء دولة كردية مستقلة.

 

النزاع الكردي – التركي

ففي تركيا، خلّف تمرد مسلح يقوده <حزب العمال الكردستاني> على السلطة المركزية في أنقرة 45 ألف قتيل منذ اندلاعه عام 1984. لكن حزب العمال الكردستاني الذي حمل السلاح بوجه الحكومة التركية برئاسة <مصطفى أوجلان>، لم يعد يطالب الآن سوى بحكم ذاتي في المناطق المأهولة بغالبية كردية وبمزيد من الحقوق الجماعية. وفي ختام 2012 الذي تميز بدمويته، استأنفت أنقرة الحوار

4

مع زعيم <حزب العمال الكردستاني>، <أوجلان> الذي ينفذ منذ 1999 عقوبة السجن المؤبد.

أكراد العراق

أما الأكراد في العراق، فقد تعرضوا لزمن طويل من الاضطهاد وخصوصاً في ظل نظام صدام حسين الذي قام بترحيلهم قسراً في مطلع سبعينات القرن الماضي، ثم قصف بالسلاح الكيميائي مدينة حلبجة في عام 1988، مما أدى إلى سقوط نحو خمسة آلاف قتيل. وفي عام 1991 مع انتهاء حرب الخليج الثانية، هرب أكثر من مليوني كردي عراقي من القمع في العراق، ما دفع الحلفاء الغربيين إلى فرض منطقة حظر جوي شمال خط العرض 36.

وبعد الغزو الأميركي للعراق الذي أطاح بنظام صدام حسين عام 2003، بات أكراد العراق يتمتعون بشكل من الحكم الذاتي في منطقة كردستان العراقية التي تضم 3 محافظات.

… وسوريا وإيران

q00002

وعلى الرغم من أن أكراد سوريا لم يخوضوا نزاعاً مسلحاً مع الحكومات السورية المتعاقبة منذ استقلال البلاد، إلا أنهم تعرضوا لقمع سياسي وثقافي مُنعوا على إثره من التعلم بلغتهم الأم.

وفي إيران، قمعت السلطات بشدة انتفاضة كردية غداة الثورة الإسلامية بقيادة الإمام الخميني عام 1979، كما حظرت الأحزاب التي تمثل هذه الأقلية القومية خصوصاً <الحزب الديمقراطي الكردستاني ـــ الإيراني>.

<كوباني>.. سيرة ذاتية

اليوم تتصدر مدينة <عين العرب> أو <كوباني>، واجهة الاحداث، جراء الهجوم الذي تتعرض له من قبل عناصر تنظيم الدولة الاسلامية <داعش> لا حتلالها ( حتى كتابة هذه السطور).

و<كوباني> مدينة سورية تابعة لمحافظة حلب، تقع على بعد 30 كيلومتراً شرق نهر الفرات، وحوالى 150 كيلومتراً شمال شرق حلب. عدد سكانها أكثر من 44,821 نسمة. وفي عهد الانتداب الفرنسي في سوريا كانت <عين العرب> مركزاً مهماً اهتم به الفرنسيون. وكان اسم المنطقة <كاني> وتعني بالكردية (النبع أو العين)، وأثناء بناء السكة الحديدية فيها من قبل شركة ألمانية في العام 1911 أُطلق عليها اسم <كوباني> وسميت لاحقاً باسم <عين العرب>.

ويبقى السؤال: لماذا <كوباني>؟

200055

يقول الصحافي والباحث في الشأن التركي <ميشال نوفل> المقيم في باريس ان <كوباني> تشكل استراتيجياً أهمية كبرى لتركيا، اذ ان هذه المنطقة هي امتداد جغرافي لكردستان التركية، والكثير من سكانها هم عائلات تهجرت خلال أولى فترات تأسيس الجمهورية التركية، فقد شهدت تلك الفترة انتفاضات كردية عدة، كانت تقمع بالحديد والنار، من هنا قرر الناس وقتئذٍ هجرة الاراضي التركية والنزوح الى الداخل السوري.

بحكم الأمر الواقع، تتمتع <كوباني> الممتدة على الحدود التركية ـــ السورية على 911 كيلومتراً، بإدارة ذاتية ناجحة، ويعتبر ذلك مكسباً مهماً للأكراد. هذا المكسب لا ينعكس ايجاباً على تركيا التي من المفترض أن تنتقل الى مرحلة التفاوض مع <الحركة القومية الكردية> داخل تركيا، والمتمثلة بـ<حزب العمال الكردستاني> في شأن تسوية المشكلة الكردية.

ويقول نوفل: ان الحكومة التركية تعرف تماماً ان هذه المكاسب ستعزز وضع حزب العمال الكردستاني أو الأحزاب الكردية الثانية في تركيا خلال هذه المفاوضات.

واضافة الى النقطة السياسية، هناك نقطة أمنية تظهر أهمية <كوباني> استراتيجياً بالنسبة لتركيا، يشرح نوفل انه اذا تم وصل المنطقة وأزيلت الحدود تنشأ فوضى عارمة عند الحدود التركية – السورية أو أنه في حال استولى<داعش> على الحدود مثلما حصل على الحدود السورية العراقية، تخاف الحكومة التركية من التهديدات الأمنية التي قد تحصل في هذه المنطقة.

ويرى نوفل أن التعويل على تدخل الجيش التركي لمنع سقوط <كوباني> قد يحصل ضمن شروط يحددها الأكراد، <أردوغان لديه شروط قبل ان يتدخل ويمنع المجازر>. فقد طرح الرئيس التركي <أردوغان> شروطه مرات عدة منذ اعلان إنشاء التحالف الدولي برئاسة واشنطن ضد <الدولة الاسلامية>، ومن هذه الشروط المنطقة العازلة التي يمكن ان يضبط من خلالها مشكلة النازحين الذين يشكلون عبئاً كبيراً على تركيا. كما ان باستطاعته ضبط موضوع الأكراد السوريين من خلال هذه المنطقة ومن هنا يستطيع عزل المنطقة الكردية السورية عن أكراد تركيا.

ويؤكد نوفل: من هنا أهمية <الكباش> الذي يجري بين الأتراك وواشنطن، ففي السابق، حاول الأتراك دفع أميركا وحلف شمال الأطلسي للتدخل في الازمة السورية منذ العام 2011، غير انهم لم يلقوا اي تجاوب.

ويشرح نوفل انه بهذا الكباش هناك محاولة لتفادي ان يكونوا قاعدة امامية تستخدمها واشنطن مثلما استخدمت باكستان في حرب افغانستان. وفي الوقت عينه يحاول الأتراك دفع أميركا وحلف الاطلسي للمشاركة في المواجهة ضد النظام السوري وحلفائه لأن الاولوية بالنسبة للأتراك ليست <داعش> انما اسقاط نظام الرئيس السوري بشار الاسد.

2

اما الباحث التركي المقرب من حزب <العدالة والتنمية> زاهد غول، فكانت لديه رؤية أخرى تختلف عن نوفل فهو قد اعتبر ان <كوباني> لا تشكل بالنسبة لتركيا عمقاً استراتيجياً، مشدداً على فكرة ان <تركيا لا تتحرك الا في إطار دولي>.

فبالنسبة لغول، ان <داعش> والأكراد في <كوباني> وجهان لعملة الارهاب، لكنه ينفي ان تكون بلاده قد أظهرت العداء للشعب الكردي، فقد استقبلتهم بعد ان نزح أكثر من 180 ألف وعبروا الحدود، غير ان ناشطين أكراد يؤكدون ان تركيا لم تُدخِل النازحين الأراضي التركية وتعاملهم بازدراء شديد.

بزي: ضرب <داعش>  يفجر تركيا

عدم مشاركة تركيا في الحرب على <داعش> له أسبابه الذاتية التي تخص تركيا نفسها وتخص تركيبتها السياسية التي تدور في فلك الاخوان المسلمين، لذا يؤكد الباحث والمحلل السياسي وسـيم بزّي، في هذا الصدد، أنّ استمرار الحرب في سوريا، وتشكيل حلف دولي لضرب <داعش>، قد يفجّر تركيا من الداخل لاسيما في حال أنزلت قواتها العسكرية على الأرض، وقال: تركيا تريد تصفية القضية الكردية، واردوغان لديه عقدة عدم سقوط الرئيس الأسد، واليوم هناك تلاقٍ بين خلافة العثمانيين وخلافة البغدادي، وهو تلاقٍ موضوعي، وقد أشارت صحيفة <التايمز> الى صفقة تركية مع <داعش>، وسوق <أضنة> في تركيا يحتوي على كل قيادات <داعش>.

في المقابل، يرى متابعون للوضع الكردي في <كوباني> ان سيطرة المتطرفين على المدينة تمكنهم من ربط المناطق الخاضعة لسيطرتهم على الحدود السورية ـــ التركية بداية من <عين العرب> وحتى أعزاز مروراً في الراعي بمسافة تصل إلى 136 كلم، وبالتالي تأمين شريط جغرافي حدودي مع الحدود التركية. وتعتبر <عين العرب> <عقدة> مواصلات إلى الشمال والجنوب والشرق والغرب، سواء على الحدود التركية أو العراقية من ناحية معبر اليعربية وحتى في العمق السوري تتحكم في شبكة مواصلات لصلتها بالرقة وحلب.

3

لكن ما يفوت البعض هو أهمية المدينة المعنوية لطرفي الصراع. فإن <كوباني> بتسميتها الكردية هي في صلب الوجدان القومي الكردي. وتجد التسمية جذورها في <كوم بانيا> أو <الإجماع> باللغة العربية، ذلك في سياق سعي كردي للإجماع على موقف موحد لمواجهة العشائر العربية مطلع القرن الفائت. بيد أن هناك من يؤكد أن التسمية هذه هي نسبة لتوحد عشيرتين كرديتين بين الحسكة و<عين العرب>. كما أن <كوباني> كانت في أواسط القرن الماضي في صلب الصراع بين تركيا وأقليتها الكردية، حيث عدد من كوادر <حزب العمال الكردستاني> يتحدرون من المدينة، والحزب المذكور أو الـ<بي. كيه. كيه> له اليد الطولى في إنشاء وتدريب <وحدات الدفاع الشعبي الكردية> التي يمتد قتالها اليوم من سوريا إلى العراق حيث تفوقت على البشمركة من حيث الفعالية والاندفاع في قتال <الدولة الإسلامية>.

ضرب المشروع القومي

وهنا تكمن أهمية المدينة بالنسبة لتنظيم <الدولة الإسلامية> الذي يهدف لضرب المشروع القومي الكردي كما المشروع القومي العربي على حد سواء، <فلا مكان للقوميات في ظل المشروع الإسلامي الذي يتخطى القوميات>. وما ورد في خطاب أبو محمد العدناني، الناطق باسم <الدولة الإسلامية>، ما هو إلا تأكيد وتكرار لهذا التوجه، حيث ذكر العدناني أن الصراع مع الفصائل الكردية ليس صراعاً عرقياً بل  هو  صراع عقائدي وديني، ذلك علماً أن الأكراد، وخصوصاً العراقيين والأتراك منهم، لهم وجود فاعل على شتى المستويات في صفوف <الدولة الإسلامية>، حتى ان تنظيم <الدولة الإسلامية> حريص على إظهار هذا الواقع للعلن من خلال إعادة تسمية مدينة <كوباني> ـــ <عين العرب> بـ<عين الإسلام> في إشارة وسعي واضح لـ<محو> الشرخ العرقي بين العرب والأكراد في ظل دولة الخلافة الإسلامية> بحسب قادته وأمرائه.

وفي افتتاحية لصحيفة <الغارديان> تحت عنوان <تركيا لها أسبابها الوجيهة في التعاطي بحذر بشأن <كوباني>>. جاء ان الرئيس التركي <رجب طيب  أردوغان> يواجه كماً هائلاً من الضغوط كي يشارك في القتال ضد تنظيم الدولة الاسلامية، إلا أنه لا يثق بأهداف الدول الغربية في سوريا، فضلاً عن أنه يتعامل مع معادلة صعبة للغاية تتعلق بالأكراد.

وأضافت الصحيفة ان أنظار العالم تتجه هذه الايام نحو التطورات التي تشهدها مدينة <عين العرب>(<كوباني> بالكردية)، كما ان تركيا تتعرض لضغوط دولية متزايدة لمنع التنظيم من تحقيق إنجازات على الارض، فضلاً عن منع وقوع كارثة انسانية أخرى في المنطقة التي عانت الكثير.

ورأت الصحيفة أن أنقرة تواجه معضلة كونها لاعباً اقليمياً في المنطقة، وأنها كانت تأمل في أن تزود الولايات المتحدة المعارضة السورية بأسلحة ثقيلة، إلا أن واشنطن تقاعست عن القيام بذلك.

الأكراد والألمان

5

وتبدي المانيا اهتماماً ملحوظاً بالوضع الكردي، نتيجة العلاقة التاريخية بين المانيا والأكراد، فتسكن ألمانيا واحدة من أكبر الجاليات الكردية في المهجر، لها مساجدها وأنديتها وجمعياتها ، ولها مصانعها ومحترفاتها.

معلومات خاصة

وفي معلومات خاصة لـ<الأفكار>، ومن مصادر ألمانية، أن الجيش الألماني سيبدأ تدريب المقاتلين الأكراد على استخدام أسلحة تسلموها من برلين، وأن نحو <150 ضابطاً وضابط صف> سيبدأ تدريبهم على أسلحة مضادة للدبابات قدمها الجيش الألماني للأكراد، وعدد المقاتلين الأكراد الذين سيزودون بأسلحة المانية يزيد عن عشرة آلاف عنصر بكلفة تناهز سبعين مليون يورو.

وتظــــل القضيــــة الكرديـــــة شـــــعلة متــــوقدة لشعب مــــا زال علــى مـــــر العصور يطالب بالحرية والاستقلال، ويدفع ثمن مسيرته دماء الشهداء.