14 November,2018

مدير برنامج مكافحة الإرهــاب في منظمـة ”هيومــن رايتــس ووتـش“ نديــم حوري: آلاف الأطـفـــال يـنـتـظـــرون الـحـصــــول عـلــى جـنـسيــات والـعــودة إلــى ديـارهــــم!

 

بقلم كوزيت كرم الأندري

Nadim-Houry

ما هو مصير آلاف الأطفال الذين وُلدوا من تنظيم <داعش>، نتيجة زيجات تمت برضا الطرفين، وأخرى تمّت بالإكراه؟ هناك جيل برمته لا يملك أي أوراق رسمية، ولا تعترف الجهات المعنية بهم. هؤلاء الأطفال لا وطن ولا مأوى ولا جنسيّة لهم. قد يتهيّأ للبعض أنها مشكلة عراقية صرفة، أو سورية أو ليبية أو تونسية، وهو أمر غير صحيح، إذ إن عدداً لا بأس به من المنضوين تحت لواء <داعش> هم أجانب، سواء من جهة الأب أو الأم، مما يمثّل تحدّياً للأسرة الدولية برمتها. أجيال من الأطفال العديمي الجنسية والنسب تولد مع استمرار الصراع. البعض يسميهم <نسل الشيطان>، وآخرون ينعتونهم بـ<وحوش صغيرة>. إلا أنهم مجرد أطفال، لا ناقة لهم ولا جمل. مع نديم حوري، مدير برنامج مكافحة الإرهاب في منظمة <هيومن رايتس ووتش> (المقيم في فرنسا)، كان لـ<الأفكار> هذا الحوار.

ــ هل لديكم، بداية، فكرة أو رقم تقريبي عن عدد الأطفال الذين وُلدوا من رجال ونساء تنظيم <داعش>؟

– لا توجد أي إحصاءات في هذا المجال، ولا أرقام تقريبية.

ــ في أي بلد عربي يوجد العدد الأكبر من أطفال <داعش>؟

– في سوريا والعراق بشكل أساسي، طبعاً، وفي ليبيا وتونس، بنِسب أقل.

ــ مؤسسة <كيليام> للأبحاث حول الإرهاب والتطرف، أصدرت تقريراً تقول فيه إن31 ألف امرأة حملت في الأراضي التي احتلها <داعش> ما بين الأول من آب/ أغسطس والتاسع من شباط/ فبراير 2016 (أي خلال 6 أشهر). الرقم مرعب! هل لديكم معلومات عن مدى صحته؟

– لا نعرف كيف تم التوصل إلى هذا الرقم، وتالياً لا نعرف مدى صحته. ثم إنه لا بد من التمييز بين الأطفال الذين وُلدوا من آباء <داعشيين> أجانب، أتوا من الخارج إلى مناطق الصراع، وأولئك الذين وُلدوا من آباء محليين كانوا يعيشون، أصلاً، ضمن هذه المدن.

ــ من الخارج؟ تقصدون من أوروبا؟

– ليسوا أوروبيين فحسب، بل إنهم من بلدان مختلفة. كثر أتوا، أيضاً، من أوزباخستان وكازاخستان والشيشان والصين وأندونيسيا…

ــ من أي بلد أتت النسبة الأكبر؟

– هناك أعداد لا بأس بها، من الرجال أتوا من السعودية وتونس.

ــ ماذا تقصدون بـ <لا بد من التمييز بين الأطفال الذين وُلدوا من <داعشيين> أتوا من الخارج، وأولئك الذين وُلدوا من آباء محليين>. ما الفرق؟

– التحديات تختلف ما بين الحالتين. المقاتل المحلي يكون له عائلة، أقارب، نسب… ففي بلد كسوريا، مثلاً،لا تستطيع الأم أن تمنح الجنسية لأولادها، علماً أن عدداً كبيراً من آباء هؤلاء الأطفال ماتوا في الحرب الدائرة هناك، أو هربوا، أو اعتُقلوا…

 ــ هل صحيح أن الكثير من أفراد عوائل <الدواعش> قاموا بتسجيل الأطفال بأسمائهم، بعد مقتل الأب؟

– يحصل، ويحصل أيضاً أن تتزوج المرأة من رجل آخر من التنظيم. الحالات متنوعة ومختلفة ولا يمكن وضعها في خانة واحدة…

ــ وفق المفوّضية الأوروبية، يضم <داعش> ما لا يقل عن 2500 مقاتل أوروبي.

– لذا نقول ونكرر إنه تحدٍ دولي كبير. هناك آلاف الأطفال الذين ولدوا لآباء أوروبيين وأمهات أوروبيات في ما سُمِّي بـ<دولة الخلافة>.

ــ أوروبيات؟ هناك نساء أوروبيات إلتحقن بـ<داعش>؟

– طبعاً، وقد التقيت وتحدثت معهن خلال جولاتي الميدانية. أذكر منهن، على سبيل المثال، إمرأة ألمانية التحقت بزوجها في مدينة الرقّة شمال سوريا. كان لهما ولدان قبل مغادرة ألمانيا يحملان، بطبيعة الحال، الجنسية الألمانية. بعد التحاقها بزوجها حملت من جديد، إلا أن الطفل الثالث هذا لا يتمتع بالجنسية الألمانية أسوة بإخوته. هو، من حيث المبدأ، ألماني والقانون يجيز له الحصول على الجنسية الألمانية، لكن المشكلة، هنا، تكمن في ضرورة إبراز وثيقة الولادة للحصول على الجنسية…

ــ قرأنا، في هذا الإطار، أن مئات السوريات يُجبرن على الزواج من عناصر <داعش>، وأن الأم تعاني للحصول على إفادة ولادة من الطبيب، كَون التنظيم يفرض إتمام الولادات على أيدي <دايات>…

– هذا صحيح، لكن هناك، في المقابل، أمهات أنجبن في المستشفيات بشكل طبيعي، وقد رأيت، بأم العين، أوراقاً صادرة عن <الدولة الإسلامية>، كما هو مذكور عليها، تفيد بأن الولد الفلاني وُلد في المستشفى الفلاني. لكن هذا لا يحل المشكلة، إذ ترفض مجمل السلطات الاعتراف بهذه الإفادات، في حال وُجدت. فالعديد منها أُتلف في المعارك جرّاء دمار المستشفيات…

ــ ثمة خبراء يقولون إنه على السلطات المحلية التكفل بهذه المشكلة، وأنها مجبرة، قانوناً، بتسجيل هؤلاء الأطفال أياً تكن أصول أو نشاطات آبائهم. لكن هل يمكننا تجاهل هواجس البلد المعني، فيما لو سجل الآلاف من <أطفال الخلافة> في دوائره الرسمية؟

– ما يعنينا في الموضوع، قبل أي شيء آخر، هو الجانب الإنساني منه. وفق مبادئ حقوق الإنسان، يحق لكل طفل، يولد في هذا العالم، أن يتمتع بجنسية. إنه مبدأ أساسي لا نقاش فيه. المسألة الأخرى، التي نصرّ عليها كمنظمة تُعنى بالدفاع عن حقوق الإنسان، هي أن الطفل ليس مسؤولاً عن أفعال والديه، وتالياً لا يجوز أن يوصَم بالعار، طوال حياته، بسبب خيارات أو أفعال أو نشاطات أهله!

ــ إذاً ترفضون وصفَ كثر لهم بأنهم <بذور إرهابيين>؟

– طبعاً نرفض، وهم ليسوا كذلك!إنهم أطفال أبرياء <ما عملوا شي!>. نحن نتحدث، هنا، عن أطفال لا تتجاوز أعمارهم الـ4 أو 5 سنوات. حتى <أشبال الخلافة> (الأكبر سناً) يقومون بما يقومون به نتيجة عملية 65488_syriangغسل دماغ يخضعون لها وهم، في ذلك، ضحية.

ــ هل صحيح أن تنظيم <داعش> يسجّل هؤلاء الأطفال في سجلاته الخاصة؟

– نعم. لكن هذا لا ينطبق على الجميع. البعض مسجل والبعض الآخر ليس مسجلاً. وفي أي حال، السلطات الرسمية، المحلية والخارجية، لا تعترف بهذه الأوراق…

ــ مع غياب شهادات الولادة، لأكثر من سبب كما سبق وذكرنا، كيف تثبت الأم، الراغبة في العودة وأطفالها إلى بلدها، صلة النّسَب معهم؟

– تقصد القنصلية المعنية، برفقة ولدها، وتقول إنه ابنها أو ابنتها، فيتحققون من ذلك من خلال اختبار الحمض النووي <D N A>.

ــ هل تملك الدول الأوروبية، برأيكم، الوسائل والهياكل اللازمة لاسترجاع الأطفال الذين وُلدوا من رجال ونساء التنظيم؟

– لِمَ لا؟ بعضها انطلق، فعلاً، بورشة العمل هذه، كروسيا على سبيل المثال، وفتح مراكز خاصة لاستقبال وتأهيل هؤلاء الأولاد. لا ننسى أن نسبة كبيرة منهم تعرضت لمشاهد مريعة، آخرون أخضعوا لعملية غسل الدماغ، ومنهم من ارتاد أيضاً مدارس <داعش> وتعلّم بحسب مناهجه (الباء تصبح <بندقية> و<السين> سيفاً). أما في عالمنا العربي، فالموضوع ليس على جدول النقاش ولم يتم تناوله بجدية بعد، لتتم معالجته كما يجب. معظم السلطات العربية تعتبر هؤلاء الأطفال <داعشيين> وهم، تالياً، غير مرغوب بهم.

ــ ألا تتفهمون هواجس هذه الدول، التي باتت تعاني من رهاب اسمه <داعشفوبيا>!

– أكرر أن الطفل بريء من أفعال والديه. وفي حال كان منغمساً، هو أيضاً، في هذا التنظيم (وهو بذلك ضحية، كما قلت، إذ لم يختر ذلك طوعاً)، فلا بد من إعادة تأهيله. <إنو شو منعمل منتركن هيك بالبادية العراقية والسوريـــــة عــم يتنقلــــوا بالصحــــــرا؟!>. وهل تُحلّ الأمور بهذه الطريقة؟ ثم إن لهؤلاء الأطفال أقرباء، من جهة الأب والأم، قد يسألون عنهم ويطالبون بهم.

ــ صدر عن وكالة الأمم المتحدة للاجئين، عام 2015، تقرير ورد فيه أن هؤلاء الأطفال يواجهون التمييز والإحباط واليأس. هل يهيئ هذا الظلم الطريق إلى التطرف، مستقبلاً؟

– هذا ممكن، إذا ما تُركوا في الوضع الذي هم عليه اليوم. لا يمكنك ترك آلاف الأطفال في منطقة غير مستقرة. فأنت تدفعينهم، بهذه الطريقة، إلى التهميش وعدم الانتماء لأي شيء. على كل دولة أن تهتم برعاياها، والخطوة الأولى يجب أن تكون توزيع الجنسيات وفق الأصول. لا بد من تشكيل لجان أممية متخصصة تنكب على هذا الملف الضخم وتدرس كل حالة بمفردها، فيعود من يريد أن يعود إلى دياره، ويُعاقب من يجب أن يُعاقب… لا بد من قرار سياسي واضح في هذا الشأن، <وإذا ما حكينا بالمشكلة مش يعني مش موجودة!>. كلما طالت، من دون معالجة حقيقية، تفاقمت أكثر.

ــ ماذا تعمل منظمة الـ<هيومن رايتس ووتش> للمساهمة في حل مأساة بهذا الحجم؟

– نحن لا ندّعي أنه باستطاعتنا حل المسألة، لا سيما وأنها تتخطى حدود الدولة الواحدة، وما من طرف يستطيع القيام بذلك بمفرده! نحن نقوم بجولات ميدانية ونوثّق المشكلة. فالتحدي الكبير يكمن في مفاعيل ما بعد <داعش>. الجميع يركز على كون التنظيم إرهابياً، على عملياته العسكرية، على جرائمة… لكن هناك معضلة ديموغرافية ضخمة موازية لهذا الواقع العسكري والأمني. فالتنظيم سيطر على مساحات واسعة، وتالياً على ملايين الأشخاص، وفي ظل سيطرته هذه، <في عالم تجوزوا وعالم طلّقوا وعالم أنجبوا…>. للمشكلة شقّان إذاً: شق غياب الأوراق الثبوتية، وشق إعادة هؤلاء إلى بلادهم وعائلاتهم.التحدي كبير، لا بل ضخم، لكن لا مفرّ من المواجهة!