17 November,2018

مخيمات اللاجئين السوريين تلتحف الثلج في لبنان!

 

بقلم علي الحسيني

استراحة-طفل-على-الثلج

مع اندلاع الشرارة الأولى للثورة السورية في آذار/ مارس 2011 عمدت الجهات المتصارعة الى ممارسة ابشع انواع التعذيب والترهيب بحق الشعب السوري بشتى الوسائل من سجن وقتل وتعذيب واغتصاب، وقد اجبر ذلك شريحة واسعة من الشعب السوري الى ترك ديارهم والتوجه نحو بلدان الجوار هربا من آلة الحرب المسلطة على رقاب هذا الشعب الأعزل، وكان للبنان النصيب الأكبر في استضافة اللاجئين السوريين الهاربين، واغلبهم من محافظتي حمص ودمشق وريفيهما سيما بعد اشتداد المعارك في هاتين المحافظتين.

يُعتبر لبنان بلد غير موقع على اتفاقيات اللاجئين بشكل عام، ومن هذا المنطلق لم يتعامل مع النازحين السوريين بصفة لاجئين لأن قوانينه وتشريعاته تعتبر النازح السوري مجرد سائح، علما أن هؤلاء اللاجئين خرجوا من بلادهم بلباس يستر عريهم وتركوا كل شيء وراءهم من اموال واملاك واثاث هربا من ظروف الحرب والقتل والانتهاكات التي لاحقتهم، كل بحسب منطقته ومذهبه، ومع هذا فقد استُقبل اللاجئون السوريون في لبنان بالعديد من الانتهاكات العنصرية والتي وصلت في بعض مراحلها إلى الأذى الجسدي، وقد ترافقت هذه الانتهاكات مع اصدار الحكومة اللبنانية عدة قوانين وأوامر إدارية لتحديد إقامة اللاجئين السوريين على أراضيها، والتي لم تراعِ ظروف الحرب في سوريا ولا قرارات الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان؟ مثل: طلب اوراق إقامة باعتبار السوريين الهاربين من جحيم الحرب سواحاً وليسوا لاجئين، بالإضافة الى تعهدات بعدم العمل، ودفع مبلغ 200 دولار رسوم الاقامة زائد كفيل لبناني، من دون اغفال القرار المهين بمنعهم من التجول ضمن اوقات محددة سواء في العاصمة او الارياف.

يزيلون-الثلج-من-على-اسطح-خيامهم

العاصفة <تلاسا>.. قصة ابريق الزيت

حلت العاصفة <تلاسا> ضيفاً ثقيلاً على منطقة الشرق الاوسط، ومن بينها لبنان حيث امضت فيه ثلاثة ايام لتعود وتكشف مجددا عن قضية انسانية بحجم الوطن العربي كله، حكاية نازحين سوريين لا يُراد لحكايتهم ان تنتهي فصولها وكأنها قصة <ابريق الزيت>، فعلى الرغم من انتهاء العاصفة إلا أن وحدهم اللاجئين الى الخيم لم يشعروا بانتهائها إذ ان قلق الموت تجمداً يقيم معهم كما الثلوج التي اجتاحتهم. ومع هطول الأمطار واشتداد الرياح في فصل الشتاء كما هي الحال اليوم غالبا ما يبات ساكنو هذه الخيم في العراء بعد ان تشلع الريح اغطية خيمهم البلاستيكية وتدفع بمياه الامطار وما تشكله من سيول الى داخلها لتغرق الأغطية والالبسة والبسط بشكل كامل، فتستحيل معها امكانية السكن وسط البرد الشديد والعراء حيث ارض هذه الخيم ومحيطها يتحولان بسرعة فائقة الى بحيرات، ما تسبب للعائلات السورية بحالة نزوح جديدة الى منازل لبنانيين قريبة من خيمهم، او الى خيم تم اعدادها بشكل افضل، وفي كلتي الحالتين فإن المأساة كبيرة وأوضاع اللاجئين الصحية لاسيما الأطفال والعجزة الى تدهور مستمر.

ونتيجة المعاناة والمآسي التي يعيشها اللاجئون السوريون في لبنان وخصوصاً بعد مقتل ثلاث سيدات سوريات بتاريخ 6/11/2015 في مخيمات عرسال برصاصات مجهولة المصدر، ونظراً إلى تكرار مثل هذه الجرائم بحق اللاجئين السوريين، فقد قام عدد كبير من اللاجئين السوريين منذ اسبوعين تقريباً بإطلاق حملة عبر مواقع التواصل الاجتماعي بعنوان <أخرجونا من لبنان> تدوالها ناشطون سوريون وعرب ومنهم لبنانيون ايضاً، وقد تفاعل مع هذه الحملة العديد من وسائل الإعلام العربية حتى وصلت الى بعض الصحف العالمية والمحلية، وما زالت الصرخة مستمرة بأسلوب اعلامي حضاري، علما بأن هدف الحملة هو تأمين خروج اللاجئين السوريين من لبنان إلى داخل سوريا، وتحديداً الى الاراضي المحررة في الشمال السوري او الى مناطق القلمون والقصير المحاذية للحدود اللبنانية، او الى الجنوب السوري المحرر، او نقل اللاجئين حسب اختيارهم للوجهة باشراف الامم المتحدة وتحت مسؤوليتها.

وفي سياق آخر، ظهرت في الفترة الأخير حادثة تهديد اللاجئين بترحيل بعض المخيمات في بعض مناطق عرسال بعد التأخير عن دفع بدل إيجار الأرض لاصحابها من قبل المنظمات الداعمة لتلك المخيمات بحجة انعدام الدعم، مما دفع الاهالي إلى المناشدة عبر نشطاء البلدة إلى وضع حل لهذه المشكلة التي قد تؤدي إلى بقاء بعض العائلات الفقيرة ضمن تلك المخيمات في الشارع دون ملجئ يقيها برد الشتاء، ومن بين هذه المخيمات <السلام 2> و<الزعيم> في منطقة وادي أرنب.

 

الطفل-الذي-توفي-العام-الفائت-في-شبعا-من-البردشاهد على الموت.. و<ينو محمد>؟

 

حافي القدمين كان يركض وراء مجموعة من الاولاد بين الخيم. تغوص أرجلهم في الوحل، يسقطون أرضا لكنهم سرعان ما يعاودون النهوض ليركضوا مجددا خلف بعضهم. لا يذكر سليم ابن الخمس سنوات كيف مات ابن خالته محمد من البرد العام الماضي. يسأل عنه باستمرار فهو يريد ان يلعب معه. نسأله اذا ما كان اشتاق له فيجيب: نعم، لكنه سرعان ما يسأل مجددا <وينو محمد>؟ حياة العائلات السورية النازحة المنتشرة  في خيم البقاع بدأت تشهد مرحلة جديدة عنوانها البؤس والشقاء، مرحلة فرضتها قساوة الطقس وتدني درجات الحرارة وهطول الامطار الغزيرة، كل هذه العوامل انعكست سلبا على حياتهم حتى باتت مهددة جراء الامراض المتفاقمة والمتزايدة، وتُضاف اليها الاضرار التي لحقت بخيمهم ما يجعلهم في سباق دائم مع الوقت قبل وصول عواصف ثلجية أخرى، فتراهم يبحثون بين الجرود والوديان عن اغصان مشحلة من البساتين وعن قساطل زراعية بلاستيكية وحديدية لتدعيم الخيم.

وللتعامل مع العاصفة الثلجية اسلوب خاص لدى النازحين، خصوصاً وانهم يعرضون حياتهم وحياة عائلاتهم من جراء استعمالهم طرقاً غير آمنة ومضرة بصحتهم. يقول فواز العقلة: غالباً ما نلجأ الى احراق قطع بلاستيك صغيرة أو بعض من قساطل ري فوق الخيمة حتى لا تتكدس الثلوج وتسقط علينا، ولمنع البرد القارس وتدني درجات الحرارة، اذ انه لا توجد بدائل للحصول على الدفء واذابة الثلوج التي تتكدس فوقنا وعلى جوانب الخيم. وحول طريقة عيشهم وكيفية تأمينهم المال اللازم ليعيلهم على الصمود يؤكد ان لا مدخول حالياً سوى مردود بسيط يجنيه البعض القليل من الأعمال الزراعية التي يشاركون فيها من قلع للبطاطا وشك ورص التبغ. لكن كل ذلك لا يكفي اذ ان الحاجة الغذائية وبعض الأدوية الضرورية لعائلته المؤلفة من احد عشر فردا تفوق قدراته خصوصاً وانه اصبح المعيل الوحيد لها بعد موت والده وصهره في مدينة الرستن. ويشير فواز الى أنه على الرغم من تسجيل اسمه لدى المفوضية العليا للاجئين السوريين، إلا أننا لم نحصل حتى اليوم على أية مساعدة منهم كأننا متروكون لقدرنا والموت البطيء.

 

يتمنون الموت قبل حلول الصقيع

خرجت-من-خيمتها-بحثا-عن-الدفء 

وإذا كان فواز قد حظي ببعض المدخرات استعد بها للعاصفة الثلجية لقاء عمله بالزرع، فإن رحاب الهاشم ابنة حلب وولديها المعوقين لم يحظوا حتى بكومة حطب تقيهم شر البرد القارس ولو لساعة واحدة، فتقول ما عندي الا حرامات وموقد صغير في الخيمة تنقصه بعض الاخشاب. لا معيل لي غير الله وحده العالم بحالي، كل العالم تركنا نواجه مصيرنا، اتمنى الموت في كل لحظة لأنني لم اعد قادرة على حياة الذل هذه. وتضيف: اقوم بتجميع الاحذية البالية وقطع بلاستيكية لأستعملها وقودا للتدفئة لأولادي المعوقين. دائما اصلي وادعو ربي ألا يأتي الشتاء أو أن اكون قد رحلت عن هذه الدنيا لأنني لم اعد أقوى على تحمل المسؤولية وحدي فزوجي تركنا منذ سنة ولا اعلم اين ذهب، كل ما علمته من بعض النازحين هنا انه قُتل اثناء توجهه الى سوريا لزيارة والدته ومذذاك اليوم لم نسمع عنه اي خبر.

وحال النازحين السوريين الذين بلغ عددهم في قرى البقاع ارقاماً خيالية ليس أسوأ من واقع البقاعيين في ظل أوضاع اقتصادية سيئة وانعدام فرص العمل لدى الغالبية العظمى منهم. محمود السروري ابن بلدة الحوش لم يتمكن هذا العام من جمع الأخشاب والأغصان التي اعتاد على جمعها قبل حلول الشتاء بسبب المنافسة والطلب المتزايد عليها، فما كان منه الا ان حوّل <الصوبا> في منزله إلى الزيت المحروق من دون أن يعير أية أهمية لما تسببه هذه الوسيلة من أمراض صدرية وحالات اختناق لدى الاطفال. يقول انه اتفق مع بعض اصحاب المحال المخصصة لتغيير زيت السيارات والشاحنات، وقد تمكن خلال شهرين من جمع ثلاثة براميل بتكلفة بسيطة نوعاً ما.

تفشي الاوبئة والامراض

 

وعلى خط الفقر ذاته تنشط بعض الجمعيات العاملة مع النازحين السوريين في مخيمات النزوح كافة في لبنان على القيام بخطوات استباقية من شأنها منع تفشي الأمراض والأوبئة بين النازحين السوريين الذين يقطن قسم كبير منهم في مخيمات عشوائية لا تلتزم أدنى معايير شروط النظافة العامة، هذا مع العلم ان اطباء تابعين لوزارة الصحة اللبنانية كانوا حذروا مراراً من تفشي الأمراض الجلدية بين النازحين وتحديداً أمراض الجرب، خصوصا ًوانهم عانوا العام المنصرم من كثرة الأوبئة بين النازحين إضافة إلى تفشي أمراض <الحميرة> والجدري وغيرها، رغم السيطرة على قسم كبير منها قبل أن تعود وتتفشى الامراض بشكل كبير في صفوف الاطفال ولاسيما أمراض الجرب و<الليشمانيا>. ولا بد من الاشارة الى انه منذ فترة غير بعيدة تم اكتشاف بعض الاصابات بمرض السل في عدد من مخيمات النزوح، لكن وبحسب تقرير صادر عن وزارة الصحة فأن لا شيء يدعو الى الذعر بعد ان تمت السيطرة على المرض بشكل شبه كامل.

 

يلهون-انفسهم-من-البردالمفوضية ترد بالأرقام وتنصف البعض

 

وضمن التقارير التي تنشرها في كل عام حول وضع اللاجئين تقول مفوضية الامم المتحدة لشؤون اللاجئين انه قد تم تقديم الدعم هذا العام إلى أكثر من 837815 نازحاً سورياً 167,563 أسرة من خلال تزويدهم بمواد اغاثة مثل البطانيات ومواقد التدفئة والملابس الشتوية، كما تلقى ما مجموعه 596350 نازحا 119270 أسرة مساعدات نقدية او قسائم للحصول على وقود التدفئة، وتم تقديم لوازم تجهيز المساكن لمقاومة العوامل المناخية إلى 163484 نازحاً 32697 أسرة، واستفاد 16691 نازحاً 3338 أسرة من عمليات تأهيل وتحسين المواقع.

كما تحدث التقرير عن ان ابرز التحديات التي تواجه عمل المفوضية في لبنان هو النقص في التمويل حيث انه وفي ظل مستويات التمويل الحالية تستطيع المنظمات الإنسانية توفير قسائم أو مبالغ نقدية للحصول على الوقود في فصل الشتاء لـ400,000 شخص 80,000 أسرة وذلك لشهري تشرين الثاني/ نوفمبر وكانون الأول/ يناير بين عامي 2015 و2016 ولـ300 الف شخص 60 الف أسرة لمدة شهرين أو ثلاثة أشهر من العام 2016. اما بالنسبة إلى المأوى، فالنقص الحالي في التمويل يعني عدم التمكن من مساعدة سوى 59,1 بالمئة 54600 أسرة من السكان المستهدفين الذين يعيشون في مساكن متدنية المستوى، وبالتالي ترك العديد من النازحين يعيشون في البرد وفي ظل ظروف مناخية قاسية.

ولم يكن تجاوز عمر الطفلة هبة الثلاثة ايام قبل ان تنضم الى لائحة ضمت قبلها عشرات الاطفال قُتلوا من جراء الصقيع والبرد منذ قيام الثورة في سوريا. كل هذا يحصل في ظل غياب أي اهتمام بوضع اللاجئين السوريين في بلاد الشتات وعدم وجود ادنى مقومات الانسانية أو اماكن استشفاء قريبة يمكن ان يلجأ اليها النازحون عند الضرورة، تماماً كما حصل مع الطفلة هبة دياب قوقاز بعد اصابتها بالتهاب رئوي حاد نتيجة تعرضها لبرد قارس توفيت على اثره أثناء نقلها الى المستشفى بعدما عجز اهلها عن اسعافها نظراً لصعوبة الوصول الى المكان من جراء الثلوج التي تساقطت في ذلك اليوم. وهنا يخبر سائق السيارة الذي حاول اسعاف الطفلة أنه طوال الوقت لم يكن يسمع سوى دعوات الام وهي تردد على الدوام <الله يخليكي يا تقبريني ما تموتي>.

وفي سياق الموت نفسه، يُخبر جيران أهل الطفلة مريم التي توفيت بداية الشهر الماضي بعدما تجمّد قلبها من الصقيع في مخيم عرسال، ان رحلة شقاء العائلة كانت بدأت منذ سنتين عندما تهدّم منزلهم في بلدة فليطة السورية الواقعة على الحدود مع لبنان من جراء البراميل المتفجرة التي قذفتها طائرات الاسد، وبعدها بفترة قصيرة توفيت شقيقة دياب من جراء اصابة بليغة كانت تعرضت لها اثر تهدم منزلهم في فليطة. وطالب النازحون الذين تجمعوا خارج خيم الموت حسب وصفهم لها، الهيئات الاغاثية والدولية بالعمل السريع على انقاذ اللاجئين في عرسال، وكل مخيمات النزوح في لبنان، وأعلنوا حاجتهم الماسة الى كل وسائل التدفئة من مدافئ وبطانيات وخصوصا الوقود، وطالبوا بمساعدتهم على تدعيم الخيم والا سيكون مصيرهم ومصير أطفالهم الموت برداً.

توزعوا-داخل-الجامع-في-عرسالبدوره يُخبر الرجل العجوز الحاج أبو مصطفى رعد حكايات لا تنتهي عن موت أطفال سوريين من جراء الصقيع سواء في لبنان أو في تركيا او حتى داخل سوريا. يتذكر كيف حصدت رياح البرد ثلاثة أطفال العام الماضي بينهم حفيده ابن اليومين محمود رعد الذي تجمد العام الماضي في مخيم بر الياس، وهو في حضن والدته التي عجزت عن مد يد العون لطفلها ولو بجرعة من الدفء، بعد ان تحول عوده الطري الى لوح خشبي أزرق وسط تخاذل دولي وعجز اجهزة الدولة اللبنانية عن فتح ممر كان لينقذ حياته وحياة آخرين يشهدون في كل يوم على زمن يموتون فيه من شدة البرد. ويذكرنا بتلك الطفلة السورية في مدينة الرستن التي توفيت بعد تجمدها من البرد والتي فضح موتها الجهات المتقاتلة في سوريا بعدما منعوا جميعهم عنها ابسط حقوقها في مدها بوسائل التدفئة، فماتت وهي رافعة يديها الى السماء وكأنها تدعو ربها للانتقام من الجميع.

 

حكايات تنسيهم البرد

 

هم في جميع الاحوال بشر، لهم الحق بحياة كريمة وبالعيش بأمن وأمان وبعالم خالٍ من الامراض، لكن تقاعس المجتمع تجاههم يجعلهم عرضة للموت بشكل دائم. غالبيتهم من الاطفال يعاندون الموت ويزرعون الامل في نفوس بعضهم البعض. يتمنون لو ان الشمس تظللهم طوال الوقت لينعموا بدفئها خصوصاً وأن الليل بالنسبة اليهم تحول الى وحش قاتل يهدد صقيعه أرواحهم، وما حكايات الجدة والجد سوى ترياق مؤقت يُنسيهم أن اجسادهم الطرية قابلة للتحول الى الواح خشبية على يد <اليكسا> و<ميشا> و<نانسي> واليوم <تلاسا>.