25 September,2018

مخطط تهجير المسيحيين من الشرق، بدأ مع «هنري كسينجر ».. ويستمر اليوم مع «داعش » وأخواتها!

1503972_10152602482591948_1936235761178328035_n    هل بات المسيحيون في سوريا والعراق وقود الثورات، <وكبش محرقتها>؟ سؤال تبادر الى الاذهان، بعد ما تعرض له المسيحيون من تهجير في سوريا في مناطق معلولا وصيدنايا، وصولاً الى عمليات تهجيرهم المنظمة التي تجري اليوم من الموصل في العراق على ايدي تنظيم الدولة الاسلامية <داعش>. وقد لاقت هذه الظاهرة استنكار المسلمين في الوطن العربي قبل المسيحيين، لأن ما تقوم به الجماعات التكفيرية بعيد كل البعد عن المفاهيم الاسلامية والتسامح الاسلامي وموقف الإسلام من الديانات الاخرى.

وفي نظرة سريعة على الوجود المسيحي التاريخي في العراق، واستناداً الى المراجع والمؤرخين، نجد ان المسيحية هي ثاني أكبر الديانات في العراق من حيث عدد الأتباع بعد الإسلام، وهي ديانة مُعترَف بها حسب الدستور العراقي، حيث أنه يعترف بأربع عشرة طائفة مسيحية في العراق مسموح التعبد فيها، يتوزع أبناؤها على عدة طوائف، ويتحدث نسبة منهم اللغة العربية، في حين أن نسبة منهم تتحدث اللغة السريانية، واللغة الأرمنية. وأكبر كنيسة في الشرق الأوسط تقع في العراق في مدينة بغديدا وهي كنيسة الطاهرة الكبرى.

الحفاظ على الطابع

جوزيف-قرداحي-

احتفظت المسيحية في العراق وعلى خلاف سائر الدول العربية بطابعها الأصلي، فظلت مسيحية سريانية، ولم تتعرب بنسب كبيرة كما حصل في بلاد الشام ومصر، وإن كان معظم أتباع هذه الكنائس يجيدون العربية حالياً كلغة تخاطب يومي لاسيّما في المدن الكبرى. أما أكبر كنيسة في العراق فهي الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية ومقرها في بغداد تليها كنيسة المشرق الآشورية التي نقل مركزها من الموصل إلى <شيكاغو> بعد مجزرة سميل عام 1933، بالإضافة إلى وجود للكنيسة السريانية الأرثوذكسية والسريانية الكاثوليكية. وهناك أقليات أخرى تتبع الروم الملكيين والأرمن والبروتستانت في العراق. أما بالنسبة للوضع السياسي، فللعراقيين المسيحيين قانون أحوال شخصية خاص بهم، وتعتبر السريانية لغة رسمية في المناطق التي يشكلون فيها أغلبية في شمال العراق. يوجد عدد من الأحزاب السياسية المسيحية، ويمثل المسيحيين العراقيين في البرلمان العراقي كل من الحركة الديموقراطية الآشورية بثلاثة مقاعد والمجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري بمقعدين.

الهجرة القسرية

تعود هجرة مسيحيي العراق إلى بداية القرن العشرين بسبب مجزرة سميل في شمال العراق التي دعت عشرات الآلاف للنزوح الى سوريا، وبعد استقرار خلال منتصف القرن العشرين عادت ظاهرة الهجرة متأثرة بعوامل اقتصادية واجتماعية خصوصاً بعد حصار العراق وحرب الخليج الثانية، إلا أن وتيرتها تسارعت بشكل كبير في أعقاب غزو العراق عام 2003 وما رافقه من انتشار لمنظمات متطرفة شيعية وسنيّة.على سبيل المثال ومع بداية صوم العذراء في 1 آب/ أغسطس 2004 تعرضت خمس كنائس للتفجير سويّة، مسلسل تفجير الكنائس لم يتوقف بل استمر وتطور بحيث شمل محلات بيع المشروبات الكحولية والموسيقى والأزياء وصالونات التجميل، وذلك بهدف إغلاق أمثال هذه المحلات، كذلك تعرضت النساء المسيحيات للتهديد إذا لم يقمن بتغطية رؤوسهن على الطريقة الإسلامية، وحدثت عمليات اغتيالٍ لعدد من المسيحيين بشكل عشوائي.

ومنذ بدء حرب العراق عام 2003 وبسبب الميليشيات العسكرية والتنظيمات الإرهابية التي انتشرت في البلد واستهدفت المسيحيين، تأزم الوضع الإنساني في العراق بصورة كبيرة حتى أن لجنة الصليب الأحمر الدولي وصفته في آذار/ مارس 2008 بأنه الوضع الإنساني الأسوأ في العالم. ضمن هذا الإطار تَردّتْ أيضاً أوضاع المسيحيين بشكل كبير، حيث أشار تقرير نشره موقع الـ<بي بي سي> العربي إلى أن قرابة نصف المسيحيين العراقيين والمقدر عددهم بـ 800 ألف نسمة قد فَرُّوا إلى الخارج بسبب أحداث العنف، حيث تعرض قسم منهم لحوادث إجرامية كالخطف والتعذيب والقتل، وتكررت بشكل خاص حوادث اختطاف واغتيال رجال الدين المسيحيين، وأشار تقرير <بي بي سي> إلى أن استهداف الكهنة المسيحيين يرجع لأسباب عديدة منها: الدافع الديني للمتطرفين الذين يريدون إخلاء العراق من العناصر غير المسلمة، وأيضاً الدافع المالي الذي تعمل بناءً عليه عصابات إجرامية باستخدام الدين كذريعة لها في اختطاف رجال الدين وطلب فديات كبيرة لإطلاق سراحهم، مستغلين الوضع المالي الجيد الذي تتمتع به الجماعة المسيحية العراقية، كما أن المسيحيين لا يحظون كنظرائهم العراقيين من السنة والشيعة والأكراد بعلاقات عشائرية واسعة أو ميليشيات مسلحة توفر لهم الحماية والأمن. وفي يوم31 تشرين الأول/ اكتوبر 2010 اقتحم مسلحون تابعون لمنظمة دولة العراق الإسلامية التابعة لتنظيم القاعدة في بلاد الرافدين كنيسة سيدة النجاة للسريان الكاثوليك بالكرادة في بغداد أثناء أداء مراسيم القداس، وقد انتهت الحادثة بتفجير المسلحين لأنفسهم وقتل وجرح المئات ممن كانوا في داخل الكنيسة.

أحداث الموصل 2014

داعش-في-الموصل

في يوم 10 حزيران/ يونيو الفائت سقطت كامل محافظة نينوى تقريبأ في أيدي تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام <داعش> وفي غضون 24 ساعة هاجر نصف مليون شخص من المدينة. ثم لاحقاً أعطى التنظيم مهلة للمسيحيين حتى 19 تموز/ يوليو لترك المحافظة أو دفع الجزية أو اعتناق الإسلام. أعقب ذلك أكبر هجرة من نوعها للمسيحيين في الشرق الأوسط منذ الحرب العالمية الأولى، وأصبحت مدينة الموصل خالية من المسيحيين لأول مرة في تاريخها.لاحقاً أحرقت كنيسة عمرها 1836 عاماً من قبل مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية. وفي 28 تموز/ يوليو 2014، أعلن وزيرا الخارجية والداخلية الفرنسيان <لوران فابيوس> و<برنار كازنوف>، عن استعداد فرنسا لتسهيل استقبال مسيحيي العراق المعرضين للاضطهاد من الجهاديين.

روايات عن تصرفات <داعشية>

روايات كثيرة ذكرها مهجرون مسيحيون عراقيون خلال حديثهم لـ<الافكار> عن تصرفات عناصر<داعش> في منطقة الموصل في العراق، منها ما اشار اليه العراقي سليمان الريس كيف ان عناصر <داعش> ابلغت مسلمي الموصل، أن من يستأجر شيئاً من مسيحيين فإنه ليس بحاجة بعد لدفع مقابل، ذلك، وأعرب العديد من المسيحيين عن شعورهم بالألم والخراب للقضاء على رمز التسامح في الموصل، حيث كانت أصوات أجراس الكنائس تختلط بصوت الآذان. ووزع بيان تحذيري في مدينة الموصل التي يسيطر عليها تنظيم <داعش>، للمسيحيين في شمال العراق بأن يعتنقوا الإسلام أو يدفعوا الجزية وإلا سيواجهون القتل.

وكان تنظيم <داعش> وفق سامي. ع. عرض على المسيحيين العراقيين في الموصل ثلاثة حلول: إما اعتناق الإسلام، أو عقد الذمة وسداد الجزية، وإذا رفضوا فلن يبقى لهم سوى حد السيف. وأن على المسيحيين الذين يريدون البقاء في دولة <الخلافة> التي أعلنها تنظيم الدولة الإسلامية في أجزاء من سوريا والعراق أن يلتزموا بشروط عقد <الذمة>، حيث كان غير المسلمين يخضعون للحماية في أراضي المسلمين مقابل الجزية.

أجراس كنائس الموصل والجزية ذهباً!

عراقيون-مسيحيون-يهاجرون-خلال-مجزرة-سميل-1933

 

وأكد أحد سكان الموصل ان تنظيم <داعش> كان قد أصدر مرسوماً مماثلاً في مدينة الرقة السورية في شباط/ فبراير الماضي يطالب المسيحيين بسداد الجزية ذهباً مقابل الحماية.

وظهر تنظيم <داعش> فى سوريا في ربيع 2013، كامتداد لتنظيم <الدولة الإسلامية في العراق> بزعامة أبو بكر البغدادي، وقوبل بداية باستحسان من مقاتلي المعارضة الباحثين عن أي مساعدة ضد القوات النظامية، إلا أن هذه النظرة سرعان ما تبدلت مع لجوء عناصر التنظيم إلى تجاوزات شملت أعمال خطف وقتل وإعدامات ميدانية في حق ناشطين وغيرهم، والتشدد في تطبيق الشريعة الإسلامية، والتفرد بالسيطرة حيث يوجدون.

ويعتبر العراقي منعم نعيم المقيم في لبنان في دردشة مع <الافكار>، ان الهروب المسيحي من العراق والتهجير القسري يمثل هزة جديدة للمجتمع المسيحي العراقي الذي تناقص تدريجياً، وهو مجتمع قديم قدم الديانة المسيحية نفسها لكنه تعرض لنكبات منذ الغزو الأميركي للعراق 2003>.

وأضاف خلال الـ11 عاماً الماضية، فر نصف مسيحيي العراق على الأقل من البلاد، طبقاً لبعض الإحصائيات، هرباً من الهجمات المتكررة من ميليشيات مسلمة سنية تستهدفهم وتستهدف كنائسهم الكثير من هؤلاء الذين صمدوا وبقوا ربما يستسلمون بالكامل بعد قيام مقاتلين ينتمون لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، <داعش>، باكتساح مدينة الموصل والسيطرة على رقعة كبيرة من البلاد.

وتقول لينا إحدى مسيحيات الموصل، إنها لن تعود بعد أن فرت مع عائلتها، بينما اجتاحت الميليشيات المدينة، وأضافت لينا البالغة من العمر 57 عاماً: <كل يوم كنا نذهب إلى فراشنا خائفين>، وأضافت <في منازلنا، كنا لا نعرف الراحة>. وطلبت لينا ألا يتم الإفصاح عن اسمها بالكامل خوفاً على سلامتها.

وكانت الإحصاءات قد أشارت إلى وجود أكثر من مليون مسيحي في العراق قبل غزو القوات الأميركية لها في عام 2003 والإطاحة بصدام حسين، الذين يشكلون واحدة من أقدم المجتمعات المسيحية في العالم، لكن مع سيطرة جماعة الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام على الموصل ومناطق واسعة من العراق، أوائل حزيران/ يونيو الماضي، فلقد فر الباقون منهم ولم يبقَ سوى أعداد قليلة. أما الآن، يقول مسؤولون في كنائس: إن هناك ما يقدر بحوالى 450 ألف مسيحي داخل الحدود العراقية.

هدم المزارات والكنائس

كنيسة-الطاهرة-الكبرى

وظهر عناصر <داعش> في <فيديو> على <اليوتيوب> يقومون بهدم قبر يونان النبي في محافظة نينوي، وهو الأمر الذي أكده دريد حكمت، الباحث وخبير شؤون الأقليات الذي فر إلى مدينة الكوش. كما يظهر <الفيديو> قيام المسلحين بإسقاط صليب أعلى كاتدرائية <سانت افرام> في الموصل ورفع علم التنظيم الأسود، كما قام المسلحون بتدمير تمثال للسيدة العذراء مريم. وقام <داعش> بحرق الكنيسة المطرانية في الموصل، والتي يصل عمرها إلى 1836 عاماً.

وقد أعلن بطريرك الكلدان في العراق والعالم <لويس ساكو> أنه لأول مرة في تاريخ العراق، تفرغ الموصل من المسيحيين، مضيفاً أن العائلات المسيحية تنزح باتجاه دهوك وأربيل في إقليم كردستان الذي يتمتع بحكم ذاتي، ويستقبل مئات الآلاف من النازحين.

وكان عناصر تنظيم <داعش> وفي وقت سابق كتبوا على بيوت المسيحيين حرف النون أي نصارى، كما كانوا كتبوا على بيوت الشيعة حرف الراء أي روافض.

موتوا مرفوعي الرأس

 

اما الزميل الكاتب جوزيف قرداحي فقد قال لـ<الافكار> في هذا الصدد <اذا اردت ان اوجه كلمة إلى مسيحيي العراق اقول لهم إذا كان لا بد من الموت، موتوا مرفوعي الرأس. دافعوا عن أنفسكم وعن ممتلكاتكم وأطفالكم وأعراضكم، بالأظافر، بسكاكين المطبخ، بحجارة الأرض التي أنتم منها وهي منكم… لا تتركوا أرضكم للشياطين… الشيطان جبان، يخشى من يقاومه>!

تهجير المسيحيين مخطط <كسنجري> قديم

مسيحيون-عراقيون

واعتبر الدكتور صالح الطيار رئيس مركز الدراسات العربي الاوروبي ان هناك مخططاً ما يستهدف تهجير المسيحيين من منطقة الشرق الأوسط دون الوضوح في الأسباب المباشرة التي تكمن وراء هذا المخطط سوى العودة لتذكر ما سعى اليه وزير خارجية اميركا <هنري كيسنجر> عام 1973 عندما كان يريد ترحيل المسيحيين من لبنان الى كندا وأوروبا وتوطين الفلسطينيين مكانهم.  والفارق اليوم ان مسيحيي لبنان ليسوا فقط المستهدفين بل كل المسيحيين الموجودين في العالم العربي والذين يبلغ عددهم حسب احصاءات غير رسمية نحو 15 مليون نسمة موزعين بشكل اساسي في مصر حيث بلغ تعدادهم نحو 10 بالمئة من اجمالي السكان ، وفي العراق ونسبتهم 3 بالمئة ، وفي لبنان ونسبتهم 39 بالمئة، وفي سورية ونسبتهم 16 بالمئة أضافة الى فلسطين والأردن ودول مجلس التعاون ودول المغرب العربي والسودان. ومعلوم ان مسيحيي الشرق هم من بناة هذه المنطقة ومن المتجذرين فيها ولكن عدة عوامل دفعت باكثريتهم الى الهجرة، منها على سبيل المثال الأزمات الإقتصادية والإجتماعية التي سادت قبل وبعد الحرب العالمية الأولى حيث هاجر نتيجتها الاف المسيحيين من بلاد الشام الى اميركا اللاتينية والشمالية، ونكبة فلسطين، والحرب التي دارت لسنوات طويلة بين شمال السودان المسلم وجنوبه المسيحي والتي أنتهت بتقسيم هذا البلد، ثم كانت الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 ، وبعدها احتلال العراق من قبل القوات الأميركية التي سمحت باستهداف المسيحيين في العراق على ايدي قوى متطرفة عملت على تفجير نحو 50 كنيسة وقتل مطارنة وقساوسة، ومن ثم كانت المواجهات المتعددة التي حصلت في مصر بين المسلمين والأقباط والتي تردد ان انظمة رسمية كانت تعمل على تغذيتها، واليوم نشهد تحريضاً كبيراً على المسيحيين الموجودين في سورية من قبل جماعات تتستر بمطالب اصلاحية من اجل الترويج لأفكار مذهبية متطرفة تنصب العداء لكل من لا يتوافق معها ويسير على هواها، وكل هذا يعني ان مخطط تهجير المسيحيين من منطقة الشرق لا زال ساري المفعول وليس محض صدفة ان يعاد تحريك ملف المسيحيين في الشرق وأن تجري عمليات مدروسة لإستهدافهم في وقت تطرح فيه على المستوى الدولي مشاريع لإقامة دولة فلسطينية مستقلة وتسوية اوضاع اللاجئين الف

منعم-نعيم---

لسطينيين في اماكن وجودهم.

البطريرك الراعي ومبادرته

ورأى الدكتور صالح الطيار ان هناك تحركاً فاعلاً في لبنان بمبادرة من البطريرك بشارة الراعي الذي كان جمع الى طاولة واحدة القادة السياسيين المسيحيين الأساسيين في لبنان لمطالبتهم بتحييد خلافاتهم السياسية والتوحد على الأقل في مواجهة ما يستهدفهم من مخطط ليس من المستبعد ان تصل اخطاره الى لبنان. وليس من السهل القول ان بالإمكان افشال هذا المخطط لأنه يجري في وقت تشهد فيه الساحة العربية بكل مكوناتها مخاضاً لم يتضح معه شكل المولود الجديد المنتظر>.