18 August,2019

مجموع النفقات السرية للأجهزة الأمنية قفز من 6 إلى 40 مليار ليرة

 

الباحث محمد شمس الدين: إعتبارات سياسية تقف وراء ارتفاع حجم النفقات السرية للأجهزة الأمنية بشكل غير مبرّر!

 

بقلم كوزيت كرم الاندري

40 ملياراً و834 مليون ليرة لبنانية هو مجموع النفقات السرية المرصودة للأجهزة الأمنية في موازنة العام الجاري، أي 2019. فقد ارتفعت قيمة النفقات السرية للأجهزة الأمنية بشكل كبير خلال السنوات الماضية، حتى بلغت، عام 2018، نحو 48 مليار ليرة، أي 32 مليون دولار أميركي، قبل أن يتقلّص الرقم بعض الشيء هذه السنة بحجّة التقشف. يربط بعض المعنيين هذا الارتفاع بالمهام الموكلة الى تلك الأجهزة، في ظل المخاطر الأمنية والتصدي للإرهاب. إلا أن هذه الأسباب لا تبرّر ضخامة الأموال المرصودة للنفقات السرية للأجهزة الأمنية، بحسب الباحث في <الدولية للمعلومات> محمد شمس الدين.

ــ بدايةً، لمَ توصف هذه النفقات بالـ<سرية> ما دامت مذكورة بوضوح في الموازنة العامة؟

– السرية هنا متعلقة بطريقة الإنفاق وليس بالحجم، بمعنى أن حجم الرقم ليس سريا ولكن طريقة إنفاقه سرية، أي أنها لا تخضع لآلية الإنفاق الروتينية ولا رقابة على طريقة صرفها. هي توضع بتصرف رؤساء الأجهزة الأمنية، وهم يقومون بصرفها، كما يرتأون، لشراء المعلومات والمخبرين ودفع مكافآت للعناصر والضباط العاملين في الجهاز.

ــ من يستلم النفقات السرية هذه؟ وزارتا الدفاع والداخلية؟

– هي لا تُخصص لوزارات بل للأجهزة الأمنية، أي للجيش والمديرية العامة لقوى الأمن الداخلي والمديرية العامة للأمن العام والمديرية العامة لأمن الدولة التابعة لرئاسة مجلس الوزراء. وهناك مبلغ بسيط يُخصّص أيضاً للمديرية الإدارية المشتركة في وزارة الداخلية والبلديات.

ــ هذا يعني أنه باستطاعة رئيس كل من هذه الأجهزة أن <يفتح عحسابو>…

– نعم، لكن من حيث المبدأ عليه ان يُنفق وفق متطلبات الأمن في جهازه.

ــ وكيف يتم ضبط الإنفاق في هذه الحالة؟

– ليس هناك من ضبط للوضع إذ لا رقابة ولا قيود على ما يقوم به رئيس الجهاز الأمني. نزاهته هي الضابط الوحيد.

ــ وهل تنشر الأجهزة الأمنية هذه جدولا بمصاريفها، في نهاية كل سنة، انسجاما مع مبدأ الشفافية؟

– كلا، كيف لها أن تقوم بذلك والمصاريف سرية تُعطى لأشخاص سريين بهدف القيام بمهمات سرية؟ لا يمكن الإفصاح عن هوية المُخبر وماهية عمله ولا عن حجم المبلغ الذي يتقاضاه!

ــ من هم هؤلاء المخبرون؟

– يمكن للجهاز الأمني أن يشتري خدمات من ناس عاديين أو من إعلاميين أو سياسيين أو فنانين، وفقاً لحاجات ومقتضيات المصلحة العامة. هناك أيضاً قسمٌ من الضباط والعناصر في كل جهاز أمني يحصلون، بالإضافة إلى رواتبهم، على مخصصات سرية مقابل مهام أمنية يُكلّفون بها.

ــ إذا المشكلة لا تكمن في سرية الإنفاق…

– صحيح، سرية الإنفاق أمر طبيعي ومعتمد في دول العالم. المشكلة هنا تكمن في تضخّمه بشكل غير مبرَّر ومبالغ فيه. ففي الماضي، كانت النفقات السرية التي تُخصص للأجهزة الأمنية <زهيدة> نسبة لما هي عليه اليوم. الأجهزة، مجتمعةً، كانت تنفق 6 مليارات ليرة لبنانية عام 2004. راح هذا الرقم يرتفع، سنة بعد سنة، إلى أن وصلنا لـ48 مليار ليرة السنة الماضية، قبل أن يعود وينخفض إلى 40 مليار ليرة هذه السنة.

ــ وما هو مبرر ارتفاع الرقم بهذا الشكل؟

– يردّون ذلك إلى تردّي الوضع الأمني وضرورة محاربة الإرهاب. لكن هذا لا يبرّر تخصيص 48 أو 40 مليار ليرة من الميزانية كنفقات سرية للأجهزة الأمنية. إنه رقم ضخم يوازي ميزانية أربع أو خمس وزارات! هو يشكل، مثلاً، مرّتين ميزانية وزارة السياحة. ثم إن التصدي للمخاطر الأمنية <ما بدّو هلقد>، والدليل أن إنفاق كل هذه الأموال لم يمنع وقوع العديد من الانفجارات والأعمال الإرهابية في السنوات الماضية. المشكلة الحقيقية تكمن في دخول اعتبارات سياسية على الخط <ليساووا الأجهزة الأمنية ببعضا>. ففيما كانت موازنة النفقات السرية المخصصة للجيش هي الأكبر على مدار السنوات الماضية، فرض التوازن السياسي زيادة حجم الأموال المرصودة للمديرية العامة لقوى الأمن الداخلي. فسنة 2004، كانت حصة الجيش حوالى 3 مليارات و300 مليون ليرة لبنانية، وكانت حصة المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي 865 مليون ليرة. لكن مع مرور الوقت، لم ترتفع الأرقام فقط، بل تقاربت أيضاً، فحصل الجيش على 18 مليار ليرة سنة 2018، وحصلت قوى الأمن الداخلي على 15 مليار ليرة في السنة عينها.

ــ إذاً اعتبارات سياسية، لا دخل لها بحاجات أمنية ملحّة، قرّبت ما بين مخصّصات الجيش والأمن الداخلي؟

– تماماً! <صرنا بدنا نخلي شعبة المعلومات بالأمن الداخلي توازي مديرية المخابرات بالجيش اللبناني>.

ــ اليوم، وتحت حجة التقشف، تم تخفيض المجمل العام للنفقات السرية من 48 مليار ليرة العام الماضي إلى حوالى 40 مليار هذا العام.

– صحيح، لكن المبلغ هذا لا يزال ضخماً بالنسبة إلى تركيبتنا اللبنانية التي لا تحتاج إلى كل هذه الأموال. فملفاتنا الأمنية باتت معروفة ومحصورة.

ــ من يقرر تخفيض هذه المبالغ؟

– مجلس الوزراء يقرر تخفيضها. رؤساء الأجهزة الأمنية يتقدمون بطلب للحصول على مبلغ معين للنفقات السرية، ويعود للحكومة أن توافق أو لا توافق. لكن كما يقرّ المجلس العديد من المخصصات الأخرى التي تطرح علامات إستفهام، يقرّ هذه…

ــ ماذا لو لم يرغب رئيس جهاز أمني ما أن يسلّم، لخلفه، شبكة المعلومات التي كوّنها على مدار سنوات؟

– هذا ما يحصل بالفعل. الخطورة هي في ارتباط المخبرين بضباط معيّنين أو برئيس جهاز الأمن، وحين يتقاعد هؤلاء <بصير في ضياع>. حدث ذلك، مثلاً، يوم لم يرغب أحد رؤساء أجهزة الأمن في تسليم المعلومات والشبكات التي لديه. يُقال إن <كل شبكات المخبرين كانت بإيدو>، وأنه عندما أحيل إلى التقاعد رفض أن يسلّم المعلومات التي في حوزته، فراح يسعى الجهاز، لفترة طويلة، إلى بناء شبكات جديدة.

ــ لمَ يرفض تسليم المعلومات وشبكة المخبرين؟

– كي يعرقل مهمة من أتى بعده، لاسيما وأنه ترك في ظروف معينة…