22 September,2018

مجلس النواب غير شرعي منذ لحظة صدور مرسوم دعوة الهيئة الناخبة من قبل الرئيس ميشال سليمان!

SAM_4742 نعيش اليوم الذكرى الثانية والعشرين لاتفاق 17 أيار/ مايو الذي وقّعه لبنان مع الكيان الصهيوني يوم 17 أيار/ مايو من العام 1983، ولم يصبح نافذاً رغم موافقة مجلس النواب عليه على اعتبار ان الرئيس أمين الجميل آنذاك لم يصدره بقانون نتيجة تهيب الموقف والاعتراضات التي توالت من غالبية اللبنانيين. واليوم نتذكر  هذا الاتفاق ونعود بالذاكرة الى ظروف إنتاجه مع أحد رموز العمل النيابي الكبار وهو الرئيس حسين الحسيني الذي امتنع عن توقيعه الى جانب الرئيس رشيد الصلح وألبير منصور، وعارضه زاهر الخطيب ونجاح واكيم وتحفّظ عليه عبد المجيد الرافعي.

<الأفكار> التقت الرئيس الحسيني داخل منزله في عين التينة وحاورته في هذا الملف بالإضافة الى شؤون وشجون الوضع الداخلي، لاسيما البرلماني منه والتعطيل الرئاسي والحلول المقترحة من جعبة السيد في هذا الإطار. وهذا الحديث عن ذاته ثروة تاريخية فريدة للرئيس الحسيني تكشف أوراق مطوية لأول مرة.

وسألناه بداية:

ــ نستذكر معكم اتفاق 17 أيار/ مايو في ذكراه الثانية والعشرين والذي كنت ضده وامتنعت عن التصويت لصالحه. فما هي ملابسات عقده وظروفه وصولاً الى إلغائه؟

– هذا يعيدنا الى التاريخ وتحديداً الى العام 1956 عندما حصل العدوان الثلاثي على مصر بعد تأميم قناة السويس بمشاركة فرنسا وبريطانيا واسرائيل، ولم تكن الولايات المتحدة آنئذٍ مشاركة على اعتبار ان رئيسها <دوايت ايزنهاور> لم يكن ضمن هذا <اللوبي> رغم انه بطل من أبطال الحرب العالمية الثانية، وقد استدعى آنذاك السفير الإسرائيلي في واشنطن <ابا ايبان> الى مكتبه وقال ان لا وقت لديه حين أراد السفير الجلوس، وطلب منه أن يبلغ حكومته بأن تسحب قواتها من سيناء خلال 24 ساعة تحت طائلة التهديد بأن زوال اسرائيل لا يكلفه سوى شحطة قلم، وهذا ما أوردته رئيسة وزراء العدو الراحلة <غولدا مائير> في مذكراتها. وللأسف فالشعارات التي كانت سائدة أفسحت في المجال أمام الحركة الصهيونية أن ترتب أمورها مع أميركا فيما بعد رغم ان أميركا لم تكن ضمن الاستراتيجية الغربية بين العام 1905 و1907 حيث جرت الانتخابات البريطانية، ولم يحصل حزبا المحافظين والعمال على الأغلبية، فكان لا بد من التعاون مع حزب الأحرار، لكن زعيم هذا الحزب <هنري كامبل بانرمان> اشترط للمشاركة في الحكم أن يؤلف بنفسه الحكومة، وهذا ما حصل، لكنه دعا علماء دول الغرب الذين كانوا يسمون <الدول ذات المصالح المشتركة>، ونحن نسميهم دول الاستعمار، دعا كل العلماء الى مؤتمر ووجّه إليهم سؤالاً وهو ان الامبراطوريات من <آشور> و<بابل> تنشأ ثم تستقر ثم تنحدر وتزول، والامبراطورية الغربية نشأت وهي الآن في مرحلة الاستقرار، ولا بد ان تصل الى نقطة الانحدار. وسألهم إن كان عندهم دواء يؤجل الوصول الى هذه النقطة ويمنع الزوال، وأكد ان تقرير المصير يتوقف على جواب العلماء. ذهب هؤلاء يبحثون لمدة ستة أشهر وجاءوا بالتقرير الأول، في وقت سبق ذلك ان عقد مؤتمر <بال> في سويسرا سنة 1896 للصهيونية العالمية وطالب أركانه بإنشاء وطن قومي يهودي ودرسوا آنذاك اختيار <البحرين> مكاناً لهذا الوطن أو <البرازيل> أو <أوغندا>، لكن علماء الغرب اقترحوا في تقريرهم ان تكون فلسطين مؤكدين ان الخطر على الامبراطورية الغربية يكمن في هذه المنطقة التي تمتد من <مرسين> و<أضنة> في تركيا حالياً الى الرباط في المغرب، وفي الداخل حتى خليج البصرة وهي ممتدة بين آسيا وافريقيا ويوجد فيها آنذاك 30 مليون شخص تربطهم الحياة المشتركة والآمال والنظرة المستقبلية الواحدة، وبالتالي إذا ارتقوا الى مستوى استغلالهم لثرواتهم الطبيعية بأنفسهم، تكون آنذاك الضربة القاضية للامبراطورية الغربية خاصة وانهم يستقرون في منطقة الممرات والتواصل بين القارات والثروات الطبيعية، وبالتالي وصف الدواء وهو إنشاء وطن يهودي في فلسطين المنطقة الفاصلة بين آسيا وافريقيا حتى العريش في مصر، على اعتبار ان هذا الوطن الدخيل سيحاول تثبيت نفسه والمنطقة حتماً ستحاول لفظه، وبالتالي فالمعركة بين التثبيت واللفظ تعيق ارتقاء أهل المنطقة الى حدود استغلالهم لثرواتهم الطبيعية بأنفسهم، وهكذا كان، فقد التقت المصالح الغربية مع المطالب اليهودية. وبالفعل عندما نقرأ ميشال شيحا في كتابه <لبنان بشخصيته وحضوره> تجده يصف هذه الحالة وخطرها على المنطقة.

فتش عن اسرائيل

وتابع قائلاً:

– مسألة حفر قناة السويس من جملة الأمور التي جرت، حتى انه قبل عام 1850 كان الغرب يوصل صادراته عبر <رأس الرجاء الصالح> من خلال دورة كبيرة حتى تصل الى الشرق، وثم عمدوا الى تدفيع المصريين ثمن توفير مبالغ هائلة من تصدير بضائعهم وحفروا القناة على حساب المصريين. وعندما قام جمال عبد الناصر بتأميم القناة عام 1956 كان العدوان الثلاثي، وبالتالي استجدت معادلة وهي ان الدور الإسرائيلي هو الشرطي الضامن لمصالح الغرب في المنطقة وسيبقى هذا الشرطي مدعوماً من الغرب، ولكن المؤسسين لدولة اسرائيل يعتبرون أن هذا الدعم الغربي مؤقت لأن الامور ستتطور وستكون هناك مصالح للمنطقة في الغرب، وبالتالي نمو المصالح سيخفف من ضمانة بقاء واستمرار اسرائيل، ولذلك كان التفتيش عن ضمانة دائمة وهي تكمن في تفتيت المنطقة بدءاً من لبنان لإقامة أوطان طائفية مذهبية عنصرية لتبرير قيام الدولة اليهودية.

 

خطة تجزئة لبنان

ــ هل يدخل 17 أيار ضمن هذا السيناريو؟

– من هنا كان التركيز على لبنان، على اعتبار انه يضم كل الطوائف والمذاهب الإسلامية والمسيحية، ويمكن تجزئة لبنان على طريقة الأحلام المرسومة اليوم للعراق من سنّة وشيعة وأكراد، وبالتالي حصل تركيز على لبنان وجاءت حرب 1967 وحصول الخطأ الكبير عندما صدرت <اللاءات الثلاث> في مؤتمر القمة في الخرطوم بدون إنجاز استراتيجية عربية موحدة، في وقت استدركت دول مصر وسوريا والأردن وقالت ان وضع الحمل المباشر على كتف الفلسطينيين غير كافٍ لأن هناك ردود فعل اسرائيلية ضد بلدانهم، ولذلك طالبت بأموال وبإمكانيات لتجهيز جيوشها لمواجهة ردود الفعل على العمل الفدائي، علماً ان مصر نالت أموالاً لتعزيز جيشها وكذلك سوريا والأردن ، ولكن لبنان زمن الرئيس شارل حلو استرخص المسألة وبسبب ضعفه لم يعترض على العمل الفدائي الفلسطيني، ولم يعمد الى تعزيز الجيش لأن هذا الأمر يعتبر تعزيزاً لقيام الدولة وهذا ليس أوانه في رأي أهل الحكم، فرفض لبنان تقوية وتعزيز الجيش وقد ساعدهم الوضع الداخلي لأن كل أمير لطائفة يريد ان يبقى أقوى من الجيش وهكذا حصل.

انتصار 1973 غير المسبوق

وأضاف يقول:

– بعد اجتياح 1967 حصل أمر مهم عام 1973 وهو انتصار العرب غير المسبوق في حرب تشرين، بمعنى أن جيش الأسطورة الذي لا يقهر وهو الجيش الاسرائيلي قُهر وتم الانتصار عليه وانهارت اسرائيل، حتى ان رئيسة الوزراء <غولدا مائير> تحدثت مع وزير خارجية أميركا يومئذٍ <هنري كسينجر> وطلبت الذهاب إليه في واشنطن، لكنه حذرها من ذلك وأكد لها انه سيأتي إليها، وبالفعل قام الأميركيون بثغرة <الدفرسوار> في مصر، وكانت أحداث لبنان أول ردة فعل على هزيمة اسرائيل عام 1973 والبدء بعملية التفتيت تحت شعار <قبرصة> لبنان. وبدأت منذ ذلك الوقت المؤامرة من خلال الصدام بين الجيش والفلسطينيين ونشأت الحرب الأهلية، وبالتالي حصل عام 1978 عمل جدي يسمح للفلسطينيين بتعزيز وجودهم عن طريق البحر بما يعطي الحجة الاسرائيلية لتكبير الخطر، والقول ان العمل الفدائي هو إرهاب عالمي وما شابه، تمهيداً للقيام بالاجتياح عام 1978. لكن في الوقت نفسه قامت مصر فيما بعد بخرق الصف العربي عبر معاهدة <كامب دايفيد> والتي يحمل الجميع مسؤوليتها للرئيس المصري الراحل أنور السادات، لكن في الحقيقة لا أحد بريء منها على الإطلاق بعدما استهلكت مصر وسوريا طاقة هائلة أثناء الحرب في مقابل تضييق مالي هائل من كل العرب، وبالتالي دفعوا مصر الى أن تجوع وذهب السادات واستسلم بفعل قصر النظر العربي. وتحت شعار <لا حرب بدون مصر ولا سلام بدون سوريا>، أخذت اسرائيل حياد مصر ورفضت السلم مع سوريا وظلت هذه المعادلة قائمة الى ان جاء اجتياح 1982 يوم استدرك الاسرائيليون عملية الليطاني عام 1978 وحلمهم بالمياه اللبنانية بعدما سرقوا منا مياه <الحولة> باسم فلسطين عندما لم يستطع اللبنانيون أن يثبتوا في مؤتمر <فرساي> عام 1919 ان هذه الأرض ملكهم، وجربوا من جديد تفتيت لبنان، لكن هذه الوصفة لم تنجح.

ــ ما سر ذلك؟

– سبق للغرب ان عمد عام 1842 الى إنشاء قائمقاميتين في جبل لبنان، لكن منذ ذلك العام حتى العام 1860 شهدنا حروباً لم تنقطع، و<قبرصة> لبنان منذ العام 1973 حتى العام 1990 شهدت حروباً لم تنقطع ولم يكن هناك تقسيم عكس قبرص التي قسمت الى جزئين تركي ويوناني، لأن هناك شعباً واحداً في لبنان ولغة واحدة وتطلعات وآمال واحدة، وبالتالي من يختلف عنا عرقياً فقط الأرمن، وهم أكثر الفئات تشبثاً بالوحدة اللبنانية لأنهم يعرفون ما معنى فقدان الأوطان.

اتفاق الأحزمة الأمنية

ــ وهل كان اجتياح 1982 يصب في هذا الاتجاه أيضاً؟

– بعدما حسنت اسرائيل شروطها وضمنت تحييد مصر وتشرذم العالم العربي وولد مجلس التعاون الخليجي وتحولت جامعة الدول العربية الى ديكور، كان الاجتياح عام 1982 لإنشاء الأحزمة الأمنية و17 أيار هو في جوهره نظام الأحزمة الأمنية بحيث ان هناك حزاماً يدعى الشريط الحدودي بعمق 25 – 30 كلم على كامل الحدود ويحكمه اللواء المحلي المؤلف من سعد حداد وبعده أنطوان لحد، وبعده كان اللواء الإقليمي حتى نهر الأولي وهو يضم الفلسطينيين، وبالتالي فاللواء الذي يحكمه يمنع عليه نقل جندي بدون موافقة اسرائيل، وبالتالي سيطرة اسرائيلية عملية، ومن الاولي حتى طريق الشام بما في ذلك الشويفات هو أطول حزام أمني وهو يضم الدروز وصولاً الى البقاع الغربي وراشيا ويصل الى نقطة المفرق بين الحدود العراقية – الأردنية، ومن بعده هناك الجيب الماروني، فيما لا تمانع اسرائيل ان ترث سوريا البقاع والشمال، فضلاً عن ان الدوريات الأمنية المسموح لإسرائيل القيام بها تصل الى دير العشائر على بعد 25 كلم من دمشق، وبالتالي كان الاتفاق كارثة حقيقية.

وأضاف:

– وقد كان لدى اسرائيل عمق أمني يصل الى 45 كلم طولاً، وإذا أردنا أن نقيم لسوريا عمقاً أمنياً بالعرض، فأين يصبح لبنان؟! لا يعود وجود للبنان، ولذلك اعترضنا على هذا الاتفاق، إنما كان هناك وهم بأن الحوار ليس بين اللبنانيين وبين اسرائيل، بل بين الاميركيين واسرائيل، خاصة مع رحلات <فيليب حبيب> المتكررة الى المنطقة، ولذلك قلنا ان الحوار يكون بين المتكافئين ونحن بلد محتل ولا توجد نتيجة للحوار بين أهل البلد المحتل وبين المحتل نفسه.. واعترضنا رغم ان أكثرية المجلس صوّتت لصالحه.

معارضة 17 أيار ومقالة طلال سلمان

ــ عارض اتفاق 17 أيار نجاح واكيم وزاهر الخطيب وأنتم ورشيد الصلح وألبير منصور امتنعتم، فيما تحفّظ عبد المجيد الرافعي، فما الفارق هنا؟!

– الامتناع هو لأننا نملك الإمكانية لإسقاط الاتفاق بالرفض، وبالتالي فالامتناع هو رفض جملة وتفصيلاً حتى الذين غابوا يعتبرون أيضاً من الممتنعين. فالجلسات كانت سرية في المجلس ومنع النشر. وأنا قمت بمطالعة في اللجان واعترضت على الاتفاق وأحفظ هنا لصاحب جريدة <السفير> طلال سلمان انه نشر مداخلتي وتجرأ على فعل ذلك آنذاك. ودعيت الى الوحدة الوطنية وليس الى الصراع، لأننا أمام الاحتلال لا نملك إلا سلاح الوحدة، وبعدها اكتشفنا ان اتفاق القاهرة واتفاق 17 أيار يطمسان مفعول قرار اتفاقية الهدنة بيننا وبين اسرائيل والذي يفترض على الأمم المتحدة تحت باب الفصل السابع تحقيق الأمن والاستقرار على جانبي الحدود تمهيداً للوصول الى تسوية شاملة في المنطقة، لذلك ولكي لا تتذرع اسرائيل بخرق اتفاقية الهدنة من خلال اتفاق القاهرة قمت بإلغاء هذا الاتفاق كحال اتفاق 17 أيار الذي طمس القرارات 425 و426 لعام 1978 الذي يطلب انسحاب اسرائيل من الجنوب بلا قيد أو شرط، وطمس القرارين 508 و509 عام 1982 الذي يحسم هذه المسألة وكان لا بد من إلغاء اتفاقية القاهرة واتفاق 17 أيار.

ــ جاءتك تهديدات عند إلغاء اتفاق القاهرة؟

– أكيد، والفلسطينيون حكموا عليّ بالإعدام آنذاك.

ــ هل يعود السبب بأن اتفاق 17 أيار لم يصبح ساري المفعول الى ان الرئيس أمين الجميل لم يوقّع المرسوم، وهل تهيب ذلك أم ماذا؟

– أنا قمت بمداخلة وطلبت عدم إبرام الاتفاق حتى القيام بمفاوضات مع سوريا، وبقيت الموافقة على الإبرام سيفاً مصلتاً، لكن لا بد من إلغاء هذا الاتفاق مع اتفاق القاهرة، كي لا نطمس القرارات الدولية والقول ان هذه القرارات كاملة الأوصاف ولا بد من تنفيذها، وهذه هي قوة لبنان. واليوم يتم التذرع بمزارع شبعا ويقولون الحدود غير مرسومة بيننا وبين سوريا، وبالطريق يتم الإغفال عن مرتفعات كفرشوبا حيث لا خلاف على لبنانيتها، في حين ان الحدود اللبنانية – السورية لم ترسم بكاملها باستثناء مكان واحد هو مزارع شبعا، وذلك منذ العام 1946 عبر لجنتين قضائيتين لبنانية وسورية، وسجل القرار على الخريطة وهو يقول ان المزارع لبنانية.

ــ هل يتكرر المشهد اليوم كما حصل سابقاً خاصة لناحية المؤامرة بتفتيت كل المنطقة؟

– هذا تضييع للوقت الآن، والمخطط هو تدمير المناطق غير القابلة للتقسيم.. وإذا أخذنا لبنان كمثال نجد ان هناك شعباً واحداً، وكل عائلة موزعة بالانتماء الطائفي والمذهبي على كل الطوائف والمذاهب بدءاً من عائلتي التي تصل بجذورها الى الإمام الحسين بن علي والسيدة فاطمة الزهراء والرسول الكريم والجزء الأكبر من المسلمين سنّة وشيعة حتى ان بيت القباني في بيروت هم من آل الحسيني، وكذلك بيت المحمصاني فضلاً عن عدد آخر كبير وعائلة الحسيني في طرابلس وأيضاً هناك جزء من الموارنة والكاثوليك وهم أقرباء لنا غيروا مذهبهم نتيجة موجات الاضطهاد المتتالية.

لبنان والحريات

ــ هل يعني ذلك ان لبنان عصي على التقسيم حتى في المستقبل؟

– لبنان قائم على الحريات العامة وهي مبرر وجوده، وبالتالي لا يوجد مثيل له في كل المنطقة العربية والإسلامية.

ــ هل يمكن أن يكون المثال والنموذج لأزمات المنطقة بعد الأحداث الدموية الجارية؟

– طبعاً… فمن مميزات لبنان أنه صنع إنساناً منفتحاً في ظل الحريات العامة، ويتعاطى مع الآخرين بكل انفتاح وكوّن نخبة في الداخل ونخبة في الخارج لا مثيل لها في كل المنطقة العربية والإسلامية. والثروة الثالثة في لبنان هي التسامح الديني حتى ان ثلث الشعب اللبناني حسب دراسة جريدة <النهار> هو من زيجات مختلطة بين كل الطوائف ومنذ فجر التاريخ وليس فقط اليوم، وهذا النوع من التسامح الديني غير موجود في أي منطقة في العالم، والثروة الرابعة هي الحياة الانتخابية التي أصبح اللبناني متمرساً بها مع وجود نقابات مدنية شتى وإجراء الانتخابات بمواعيدها تجدد نفسها.

لا شرعية للمجلس

ــ ومجلس النواب ممدد له؟

– هذا في الهرم السياسي، وقصّ هذا الهرم بفعل فاعل، فهناك حياة انتخابية عند القاعدة الشعبية منذ فجر التاريخ تتمثل بالانتخابات الاختيارية وكذلك البلديات، ويفترض ان يكون مجلس النواب مكملاً لهذا الهرم بالإضافة الى رئيس الجمهورية، لكن للأسف قصّ هذا الهرم وفصل عن البلديات من خلال مادة موجودة في قانون الانتخاب وهي التي تمنع على رئيس البلدية أو نائبه أوالمختار أن يترشحوا للانتخابات النيابية إلا بعد مرور سنتين عن تركهم مناصبهم، وذلك خلافاً لكل تجارب العالم، خاصة وان هؤلاء هم أكثر الكوادر التصاقاً بالقاعدة الشعبية، ومجلس النواب ينتخب من فوق بالنظام الأكثري ويمنع على القاعدة الشعبية ان توصل نائباً الى المجلس بالنظام النسبي وهنا يكمن الفارق بين النظامين، بحيث ان القرار في النظام الأكثري هو لمن يمول وغالباً يكون خارجياً لأن لا أحد في الداخل لديه القدرة على التمويل، والنظام النسبي معناه التمسك بالقرار الداخلي.

ــ اليوم نعيش أزمة رئاسية والمجلس معطل. فهل الحل يكون كما اقترحت بانتخابات نيابية، وكيف تتم آلية التنفيذ؟

– البداية تكون بإقرار قانون انتخاب قائم على النسبية وإجراء الانتخابات، فنحن الآن فقدنا الشرعية، فلا رئيس للجمهورية ومجلس النواب أصبح غير شرعي منذ لحظة مواجهته مع الرئيس ميشال سليمان عند انتهاء مدة ولاية المجلس، فأصدر مرسوماً مع حكومته وقام وزير الداخلية مروان شربل بدعوة الهيئات الانتخابية للانتخاب، لكن المجلس قرر في آخر ساعة الدعوة لاجتماع ومدّد لنفسه خلافاً لمرسوم الحكومة ورئيس الجمهورية، ما يعني اغتصاب السلطة علناً، وبالتالي أصبح المجلس غير شرعي ولا يترتب عليه أي شيء وكأنه لم يكن، وكان يجب على رئيس الجمهورية أن يمنع المجلس من الاجتماع وهذا حق له حسب المادة 59 لمدة شهر تجري خلاله الانتخابات النيابية، لكنه لم يفعل ذلك ولم يرد القانون، بل صدّقه ونشره ومن ثم راح واشتكى في المجلس الدستوري غير الصالح للنظر لأنه تابع لمن مددوا لأنفسهم.

ــ كيف تتم إذاً إعادة تكوين السلطة، وهل يتم ذلك عبر مجلس تأسيسي؟

– لا.. اتفاق الطائف موجود، ونحن كمركز مدني وأنا عضو فيه دعينا لمؤتمر يوم 22 تشرين الأول/ اكتوبر الماضي بالتعاون مع مؤسسة <فريدريش إيبرت>، وحضرت 54 جهة سياسية ومدنية في فندق <فينيسيا> وجرى النقاش على مدار 3 أيام وصدر قرار  وهو التمسك باتفاق الطائف وتنفيذ بنوده لأنه لا بديل عنه. وبالأمس دعت الرابطة المارونية كل الجهات السياسية لتطبيق اتفاق الطائف. فنحن أصبحنا غير شرعيين بعدما أصبحت رئاسة الجمهورية فارغة والحكومة منبثقة من مجلس غير شرعي، ويمكن اعتبارها حكومة واقعية واعتبار المجلس واقعياً أيضاً، بمعنى انه يستطيع إصدار قانون واحد هو قانون الانتخاب، ويبقى هذا العمل غير شرعي حتى تجري الانتخابات النيابية بموجبه، وآنذاك تولد الشرعية من جديد ويتم انتخاب رئيس للجمهورية وتتألف حكومة وتكتمل الشرعية، فالطريق المؤدية لانتخاب الرئيس ليست انتخابه بواسطة هذا المجلس لأنه يبقى غير شرعي.

SAM_4765ــ ألم تطرح انتخاب رئيس مؤقت لمرحلة انتقالية، فكيف ذلك؟

– وصلنا اليوم الى مرحلة الكباش بحيث إذا جاء رئيس من فريق 14 آذار سيلغي جماعة 8 آذار، وإذا جاء من 8 آذار سيلغي الفريق الآخر، علماً ان اعلام الفريقين ودعايتهما بواسطة التسلط وخلافه توحي بأن الشعب اللبناني منقسم عمودياً بين 8 و14 آذار حتى ان الاعلام كله مأخوذ بهذه الفكرة، في حين ان الاحصاءات الحديثة التي أجريت عبر الوكالة الدولية للمعلومات تؤكد أن أكثر من 70 بالمئة من اللبنانيين لا علاقة لهم لا بـ8 آذار ولا بـ14 آذار، وكل الأحزاب الوطنية خارج إطار هذه الأحزاب الطائفية والمذهبية، وبالتالي اقترحنا انتخاب رئيس للجمهورية بصورة انتقالية بحيث يعمد مع الحكومة التي يؤلفها الى إقرار قانون الانتخاب، قانون نظام مجلس الوزراء، قانون السلطة القضائية المستقلة، قانون الدفاع وقانون خطة التنمية الشاملة، وبالتالي يتم إقرار هذه القوانين خلال سنة من رئاسته، لكن الموارنة لم يوافقوا على مدة السنة على اعتبار ان مركز الرئيس مقدس، لكن إذا انتخب رئيس على طريقة انتخاب الرئيس سليمان، فهل يملك أي صلاحية؟ فإذا لم تقر هذه القوانين الخمسة لا تظهر جلياً صلاحيات الرئيس. فمثلاً إذا أراد تأليف الحكومة لا بد ان تكون الآلية ضمن نظام مجلس الوزراء والقانون لم ينجز بعد، والمهل المفروضة على الرئيس في إقرار القوانين تكون من خلال عدم إقرار نظام مجلس الوزراء كأننا أعفينا رئيس الوزراء والوزراء من المهل، وهذا غير صحيح، وإذا لم ننجز قانون الدفاع، كيف نعرف عمل مجلس الدفاع الأعلى وصلاحياته والذي يترأسه رئيس الجمهورية؟ وإذا لم تنجز السلطة القضائية المستقلة، كيف نؤمن التوازن والفصل والتعاون بين السلطات؟ وإذا لم نقر خطة التنمية الشاملة كيف نشعر اللبنانيين انهم في وطن واحد وليس على  طريقة الحصص والمحاصصة؟

إشكالية شرعية سليمان

ــ بالأمس قال الرئيس السابق إميل لحود ان الرئيس ميشال سليمان غير شرعي. فكيف ذلك؟

– لا.. أنا رفضت اتفاق الدوحة جملة وتفصيلاً ورفضت انتخاب رئيس جمهورية وفق الطريقة التي انتخب فيها الرئيس ميشال سليمان، وقلت حسب اقتراح القانون انه يمكن ان نعلق المادة التي تحول دون انتخاب ميشال سليمان كونه قائداً للجيش لهذه الدورة على أن تعود سارية المفعول بعد ذلك، على أن نقرها في أقل من نصف ساعة وننشر القانون على باب المجلس وننتخبه بدون علامات استفهام والا ننتخبه خلافاً للدستور وقامت القيامة ضدي. وقد تبين فيما بعد انهم انتخبوه خلافاً للدستور عندما أراد تطبيق الدستور فقالوا له انه غير دستوري.

ــ هل قائد الجيش لا يعيّن إلا إذا كان رئيس الجمهورية موجوداً ليعطي رأيه به؟

– لا… لا دخل له، فالنص الدستوري يقول ان مجلس الوزراء مجتمعاً يحل مكان رئيس الجمهورية.. وفي بلاد العالم عندما تفرّغ سدة الرئاسة يتولى الرئاسة إما رئيس مجلس الشيوخ أو رئيس مجلس النواب، وفي لبنان نظراً للتنوع الطائفي والمذهبي اعتمد مجلس الوزراء مجتمعاً.

ــ وهل كلمة <مجتمعاً> تعني اتخاذ القرارات بالإجماع عند ممارسة صلاحيات الرئيس؟

– ليس بالإجماع… كلمة <مجتمعاً> تعني نظامه أي ان هناك قضايا حددها الدستور يلزمها موافقة ثلثي الأعضاء والقرارات العادية بالنصف زائداً واحداً على ان يكون النصاب بالثلثين.

ــ وماذا عن تلويح الرئيس نبيه بري بحل المجلس؟

– المجلس محلول أصلاً وغير شرعي.

الطائف والمحاضر

ــ سؤال سبق ووجهناه لكم وهو محاضر مجلس النواب في الطائف. هل لا بد من الاحتفاظ بها أكثر، وما الغاية من عدم نشرها؟

– في ذهن الناس اننا ذهبنا الى الطائف وبقينا 22 يوماً وكتبنا خلال هذه المدة وكان الطائف. هذا خطأ فادح، فالطائف أنجز في محطاته هنا في لبنان. فمثلاً أول مرة عمدت الطائفة الشيعية الى إعلان رأي بالإجماع ضد الطائفية السياسية وطالبت بقانون انتخاب نسبي وأرادت لبنان وطناً نهائياً، وذلك في العام 1977 في ورقة عمل كاملة البنود مع نظام جمهوري برلماني ديموقراطي بما يشبه نص اتفاق الطائف. ومرة ثانية يوم 23 أيلول/ سبتمبر 1983 أثناء حرب الجبل، اجتمع في دار الفتوى أركان الطوائف الإسلامية كاملة وأعلنوا عن ثوابت المواقف الاسلامية وأضافوا الى فكرة الشيعة بأن لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه. وتكرر الأمر أكثر من مرة.. ونحن كنا مختلفين حول هوية لبنان منذ العام 1920 وما إذا كان لبنان لجزء من أهله أو لكل أهله، وما إذا كان لبنان على جزء من أرضه أو على كامل أرضه، وهل لبنان وطن مرحلي أو نهائي؟ هذه الأمور حسمت في بيروت. وعندما نقول الهوية العربية التي سجلوها عام 1943 بقولهم <ان لبنان ذو وجه لبناني>، ما أبقى الاحتمالات ضائعة فجاء اتفاق الطائف ليقول: <إن لبنان وطن سيد حر مستقل ونهائي لجميع أبنائه وعلى كل من أرضه>، وبالتالي حسمت الدولة الوطنية، و<لبنان عربي الهوية والانتماء وعضو مؤسس في جامعة الدول العربية>، وبالتالي حسمت الهوية العربية، وكذلك قلنا ان نظام الحكم جمهوري ديموقراطي برلماني يقوم على احترام الحريات العامة وفي مقدمتها حرية الرأي والمعتقد، وقائم على العدالة الاجتماعية والمساواة بين المواطنين دون تفضيل أو تمييز، بالإضافة الى مبدأ فصل السلطات وان الشعب هو مصدر السلطات. فهذا إنجاز حصل في لبنان وليس في الطائف، وهكذا كل بنود الطائف، وبالتالي كل بند له محضر وهو منشور في لبنان، فذهبنا الى الطائف ووقعناها كاملة، إلا ان هناك ورقة عربية صيغت بالاتفاق بين الرئيس رفيق الحريري والميليشيات التي أنجزت الاتفاق الثلاثي عام 1985 والذي لم يبصر النور قدموا ورقة سميت ورقة العمل العربية، وأنا رحبت بهذه الورقة ومجرد الترحيب بها يبعدنا عن القول ان ما يعرض أو يقر هو بفضل هذه الطائفة او تلك، بل العرب هم من قدموا هذه الورقة، وبالتالي جعلناها متراساً لنقر غيرها، ولذلك تم إقرار الورقة التي اتفقنا عليها في ما بيننا هنا في لبنان، وهذه هي المرة الأولى التي تحصل فيها صياغة لبنانية غير خارجية، ولذلك فاتفاق الطائف هو صناعة لبنانية بامتياز، خاصة بعدما وافقت اللجنة العربية وكل العالم أيضاً عليه وتحول هذا الاتفاق الى اتفاق لبناني – لبناني، ولبناني – سوري، ولبناني – سوري – عربي، وعربي – دولي. فكل هذه الجهات التزمت باتفاق الطائف وأصبح اتفاقاً دولياً حول لبنان.. والبعض يسأل: ماذا دار من أحاديث في الطائف؟ حفلة سباب وشتائم على قدر ما تشاء…

قصة المحاضر وريمون إده وصونيا عطية      

ــ هل لهذا السبب لا تريد نشر المحاضر؟

– لو لم نقل ان المحاضر سرية لما كان أحد تكلم، ونحن قصدنا من الكلام أن نخرج من فكرة التكاذب أو النفاق الوطني، بل أردنا أن نخبر بعضنا كيف نفكر في اللاوعي عند كل واحد منا، وآنذاك نبش النواب الخمير والفطير، طالما أن الأمر سيبقى سرياً وحصل انتقاد لحكام ودول ومخابرات. ونحن طرحنا قضية السرية بعدما وضعنا الإعلام على بعد 45 كلم من المؤتمر رغم اننا نحتاجه، ولكن هذا النوع من الكلام كان لا يمكن نشره، وقلنا ان المحاضر تنشر في حالتين: الأولى، ان يعود لبنان الى حالته الطبيعية، وأنا مؤتمن على ذلك، والثانية، أن يقرر المؤتمرون النشر وعدم الإبقاء على سرية ما قيل. وهنا أستشهد بما سبق وطلبه مني العميد ريمون إده رحمه الله، وهو في باريس وسألني عن سبب عدم نشر المحاضر، وذلك بواسطة المحامية صونيا عطية، فقلت لها ان نشر المحاضر مشروط بهذين الشرطين، فذهبت ثم عادت وقالت لي إن العميد يسلّم عليّ ويقول لي إن لبنان عاد الى حالته الطبيعية، فضحكت وقلت لها: اسألي العميد في اي طائرة سيعود الى لبنان حتى أستقبله في المطار، وفي الوقت نفسه حتى أرسل المحاضر الى المطبعة ليتم نشرها لأنني آنذاك أتأكد من أن عودته معناها عودة لبنان الى طبيعته!

ــ هل المحاضر مكتوبة أم مسجلة؟

– مسجلة ومكتوبة وعبر التلفزيون أيضاً…