13 November,2019

مجلس القضاء وضع يده على خلاف عويدات ــ عون وسط تجاذبات أضرّت بهيبة القضاة ودورهم!

 

في الوقت الذي ترتفع الأصوات عالية في لبنان لتحقيق استقلالية السلطة القضائية، يتعرض القضاء لانتكاسة قوية عكست الصراع الدائر داخل السلطة الثالثة في البلاد التي يفترض أن تعطي المثل الصالح للمؤسسات الدستورية والهيئات الشعبية وسائر مكونات المجتمع اللبناني. لقد حدثت <هزة> غير مسبوقة داخل السلطة القضائية حين أصدر المدعي العام التمييزي القاضي غسان عويدات المعين حديثاً في منصبه بموجب التعيينات الأخيرة، قراراً طلب بموجبه من الأجهزة الأمنية المعنية من قوى أمن داخلي ومن أمن عام عدم مخابرة النائبة العامة الاستئنافية في جبل لبنان القاضية غادة عون في القضايا المطروحة أمامها، ومخابرة المحامي العام الاستئنافي المناوب في جبل لبنان، أو مخابرته شخصياً في القضايا المهمة. وسبق هذا التدبير أن وجه القاضي عويدات تنبيهاً الى القاضية عون سنداً الى المادة 16 من قانون أصول المحاكمات الجزائية وأبلغه الى كل من وزير العدل القاضي البرت سرحان والتفتيش القضائي، ومفاده انه على كل من النائب العام الاستئنافي والنائب العام المالي ومفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية والمدير العام لقوى الأمن الداخلي والمدير العام للأمن العام أن يبلغوا النائب العام الاستئنافي عن الجرائم الخطرة التي علموا بها وأن يتقيدوا بتوجيهاته في شأنها (…) وله أن يوجه تنبيهاً الى أحد قضاة النيابة العامة أو أن يقترح على هيئة التفتيش القضائي احالته على المجلس التأديبي.

والسؤال: لماذا حصل الاشكال بين القاضيين عويدات وعون و<نشر> غسيل الخلاف على صفحات الصحف ووسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي ما هزّ صورة القضاء وأعطى انطباعاً مؤذياً للجسم القضائي ككل؟ تقول المعلومات ان القصة بدأت عندما أصدر القاضي عويدات بعيد تسلمه مهامه كنائب عام تمييزي، تعميماً الى النيابات العامة الاستئنافية في جبل لبنان والنائب العام المالي والنائب العام لدى المحكمة العسكرية، تعمميماً قال فيه <تصحيح المسار القضائي لجهة التداخل والتضارب في الصلاحيات المستمر منذ أعوام، واتخاذ الاجراءات اللازمة التي تحقق اشرافه على أعمال النيابات العامة، بما فيها النيابة العامة المالية والعسكرية>. إلا ان القاضية عون، وفق المصادر القضائية المعنية، لم تنسق مع القاضي عويدات في القرارات المهمة التي اتخذتها متجاوزة التعميم الصادر من عويدات الذي شكا أيضاً من ان القاضية عون لا ترد على اتصالاته. ومن بين القرارات التي لم تستشر القاضية عون فيها المدعي العام التمييزي، قرار الادعاء على الرئيس نجيب ميقاتي وآخرين تحت طائلة الاثراء غير المشروع على خلفية حصول أولاد الرئيس ميقاتي وشقيقه وأولاده قروضاً اسكانية مدعومة من مصرف لبنان متجاوزين النص الذي حصر هذه القروض بذوي الدخل المحدود والطبقة المتوسطة، وأحالت عون الملف الى قاضي التحقيق الأول بالتكليف القاضي جورج رزق الذي تسلم الملف من دون أن يتخذ أي اجراء في صدده. وتضيف المعلومات ان القاضي عويدات سمع بالقرار عبر وسائل الإعلام ولم تطلعه عليه القاضية عون على رغم انه يرأس كل النيابات العامة بما في ذلك جبل لبنان. أما القرار الثاني الذي أزعج عويدات، فهو توقيف ثلاثة قصّر في جبيل بناء على طلب القاضية عون، بتهمة التظاهر، علماً ان القاضي عويدات كان عمم بأن حق التظاهر مصان في الدستور سنداً الى مبدأ حرية التعبير!

خلاف على التعاميم أو أكثر؟

وتبعاً لهذه الاشكاليات، <انفرط> عقد التفاهم بين القاضية عويدات وعون وبلغ التصعيد حداً غير مسبوق مع صدور تعميم عويدات عدم مراجعة القاضية عون التي اعتبرت ان الهدف من تعاميم عويدات شل قدرتها على العمل ومتابعة الحملة ضد الفساد التي قادتها وأدت الى توقيف عدد من القضاة عن العمل وإحالة قضاة آخرين على التفتيش القضائي. إلا انه سرعان ما تسيست القضية، مثل كل القضايا في لبنان، على اساس ان القاضي عويدات يحظى بدعم رئيس الحكومة سعد الحريري، فيما تتمتع القاضي عون بثقة رئيس الجمهورية. وسرعان ما أخذت المسألة بعداً سياسياً إذ تمسكت القاضية عون بحقها في ممارسة عملها باستقلالية تامة طالما انها تطبق القانون ولا تتجاوزه لافتة ان ثمة من يريد <فرملتها> ومنعها من متابعة كشف ملفات الفساد في ادارات الدولة والجسم القضائي لاسيما وانها لاحقت قضاة عدة بينهم مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي بيتر جرمانوس الذي أخذت مسألة ملاحقته بعداً كبيراً، علماً ان الملاحقة شملت أيضاً قاضياً في جبل لبنان يدعى ن.م. ما تسبب بتوتير العلاقة بين القاضية عون وعدد من القضاة الذين اعتبروا ان عون أساءت إليهم وشهّرت بهم.

إلا ان ملف عويدات ــ عون منفصل عن ملاحقة القضاة الآخرين، وهو ملف يحمل في طياته الكثير من التفاصيل المرتبطة بالعلاقة المتوترة بين القاضيين وينسحب على العلاقة المتوترة أيضاً بين الرئيسين عون والحريري. وما زاد الطين بلّة هو لجوء القاضية عون الى الإعلام لشرح ما تتخذه من اجراءات في إطار حملة مكافحة الفساد، الأمر الذي أزعج القاضي عويدات واعتبر زميلته في جبل لبنان تخرج الى الإعلام في كل مرة للتشهير بزملاء وتتهمهم بالتقصير في أداء عملهم. ولعل ما دفع القاضية عون الى الاكثار من الظهور عبر وسائل الإعلام، شعورها بأن ثمة من يعمل على تطويقها في ما خص حركتها القضائية ضد الفساد، إضافة الى انه من حقها الدفاع عن نفسها والحؤول دون مصادرة صلاحياتها. ودارت معركة كرّ وفرّ بين القاضيين وقعت ضحيتها الأجهزة الأمنية التي باتت تتلقى مراسلات متناقضة من كل منهما، إضافة الى ارباك في صفوف القضاة الذين يعملون بإشراف القاضية عون في جبل لبنان. وفيما اعتبر القاضي عويدات ان ما قامت به عون يتجاوز الأصول والقوانين والتسلسل القضائي، اعتبرت عون انه من حق القاضي عويدات الاطلاع على الجرائم المهمة قبل اتخاذ أي قرار في شأنها، لكن ملف الدعوى على الرئيس ميقاتي وشقيقه وأولادهما ليس من الجرائم المهمة لكونه لا يمس الأمن

القومي.

 

وزير العدل جيّر صلاحياته…!

 

واللافت في هذه القضية ــ الفضيحة ان وزير العدل القاضي البرت سرحان الذي يعتبر رئيس كل النيابات العامة التي تعمل بإشرافه آثر عدم التدخل لوضع حد لما يحصل بين القاضيين عويدات وعون، واحال الملف الى مجلس القضاء الأعلى ليتولى هو معالجته وتفسير الصلاحيات، فتم استدعاء القاضية عون الى اجتماع مع رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي سهيل عبود التزمت بعده عون بعدم الادلاء بأي تصريح في انتظار البت في الملف الذي كان تجدر معالجته قبيل حصول الخلافات وليس بعد تفاقمها على النحو الذي حصل فيه…

وهكذا بين مطالبة القاضي عويدات باحترام التسلسل ومراجعته، وبين تمسك القاضية عون بصلاحياتها وقرارها بفتح كل ملفات الفساد والمطالبة برفع الحصانات، تبدو السلطة القضائية في حالة اهتزاز غير مسبوقة، في وقت يخشى من أن تميّع هذه القضية بعد تسييسها، فتذهب ملفات الفساد ضحيتها وتستمر المخالفات وسط <تعثر> في عمل الجسم القضائي الذي لم يشهد ــ حسب رواية قضاة ــ حوادث مماثلة تتطلب معالجة سريعة إذ يكفي ما يعاني منه الجسم القضائي من أخطاء وتجاوزات ومعلومات عن رشاوى وهدايا عينية ونقدية تقدم لقضاة من قبل أصحاب دعاوى ينظر بها هؤلاء القضاة!

أما بالنسبة الى الادعاء على الرئيس ميقاتي فثمة من يقول انه ادعاء دعائي لأن الرئيس ميقاتي نائب يتمتع بالحصانة النيابية التي لا يمكن نزعها عنه إلا في حالات الجرم المشهود ووفق آلية معقدة، فضلاً عن ان المعطيات تشير بأن تهمة الاثراء غير المشروع لا تنطبق على الدعوى المقامة ضد آل ميقاتي!