24 July,2019

متى ينفذ «هولاند » وعده للبنان وللبطريرك الماروني «بمبادرات فرنسية »!

 

بقلم جورج بشير

 

JOHN-BOEHNER في آخر زيارة لي للعاصمة الأميركية واشنطن، قمت كالعادة بجولة على بعض الأصدقاء الأميركيين المتحدرين من أصل لبناني الأعضاء في مجلس النواب والشيوخ الأميركيين، وبعض الزملاء المراسلين المخضرمين في الحقل السياسي والديبلوماسي في العاصمة الأميركية وبعضهم من اللبنانيين، حيث التقينا في نادي الصحافة الوطني المعروف في قلب العاصمة الأميركية. كتبت يومئذٍ وبعد عودتي الى لبنان مقالاً تناولت فيه الوضع العراقي من خلال <بورتريه> موسعة عن أوضاع المنطقة، لاسيما الاوضاع السورية والتدخل التركي في الحرب السورية وخاصة فتح الحدود والموانئ البرية والجوية والبحرية من تركيا في اتجاه العراق وسوريا وعنونت مقالتي الأسبوعية يومئذٍ في <الأفكار>: <هل يقسّم العراق الى ثلاث دويلات: كردية، وسنّية، وشيعية؟ وبعد الحرب في سوريا، هل تقسّم هذه الاخيرة الى دولتين سنية وعلوية>؟!

أذكر يومئذٍ ان بعض الإعلاميين الزملاء الذين يعتبرون أنفسهم كما يعتقدون <محلّلين سياسيين منظّرين في بعض برامج <التوك شو> التي ملّ منها المشاهدون من كثرة الثرثرة والنظريات المعلبة والمبرمجة، هؤلاء وصفوا <المعلومات القائلة ان طبخة تقسيم العراق التي يحكى عنها ما هي سوى <فزيعة> هدفها ذرّ الرماد في العيون ومحاولة تخويف العراقيين والسوريين والعرب، وحتى اللبنانيين من جراء تطيير بالونات التقسيم في سماء الشرق الاوسط>.

لكن سبحان الله، بعد سنة ونصف السنة، جاء من يثبت معلومات تقسيم العراق من واشنطن بالذات مرة ثانية، ومن داخل مبنى <الكابيتول> الذي يضم مجلسي النواب والشيوخ، هذا المجلس بالذات الذي استقبل قبل شهرين ونيف <بنيامين نتنياهو> رئيس وزراء اسرائيل نكاية برئيس الولايات المتحدة <باراك أوباما> بالوقوف تحية له عشر مرات تصفيقاً، وكأن <بنيامين نتنياهو> الذي طرده <جيمس بيكر> وزير خارجية أميركا في عهد <جورج بوش> الأب من مقر وزارة الخارجية احتجاجاً على تصرفاته المهينة للإدارة الأميركية وللرئيس الأميركي <جورج بوش> الأب.

لكن الأعضاء الحاليين لمجلس النواب والشيوخ الأميركيين فعلوا العكس هذه المرة عندما وقفوا الى جانب <نتنياهو> ضد رئيس بلادهم <باراك أوباما> في ظل الصراع الحاد القائم بين إدارة <أوباما> وإدارة <نتنياهو> حيال مشروع الاتفاق النووي المزمع توقيعه بين واشنطن وطهران قريباً، وفي ظل المعركة التي يقودها <نتنياهو> لتحويل دولة اسرائيل الى دولة ليهود العالم، ومحاولة إزالة كل الشواهد القائمة في المنطقة على <أهمية العيش المشترك بين أتباع الديانات السماوية (الإسلام والمسيحية واليهودية) لتبرير توجهه نحو إقامة دولة اسرائيل الكبرى التي تضم يهود العالم من دون سواهم.

ما أشبه اليوم بالبارحة

لقد مضى نواب وشيوخ أميركيون عاملون في واشنطن لمصلحة <اللوبي> الصهيوني، بعد توقيع رسالتهم الشهيرة الى السيد علي خامنئي الحاكم الفعلي لإيران والقائلة:  ان أي اتفاق نووي يوقعه الرئيس الأميركي <أوباما> مع الرئيس الإيراني حول الموضوع النووي هو اتفاق لا قيمة له (؟!) لأنه معقود بين <أوباما> جايمس-بايكروخامنئي وليس اتفاقاً مع الدولة الأميركية لأن الكونغرس لن يصادق عليه وسيرده الى الرئيس…

طبعاً، لا حاجة لتفسير أسباب هذا الموقف المريب لأعضاء الكونغرس من الحزبين الجمهوري والديموقراطي، سوى انه نتيجة لتبعية هؤلاء <للوبي> الصهيوني ولخوفهم من هذا <اللوبي> في الانتخابات المقبلة.

لكن ما زاد في الطين بلّة كان الاقتراح الموقّع من ممثلين للحزبين الأميركيين في الكونغرس <بأن مشروعاً يجري درسه والتداول في شأنه داخل كواليس الكونغرس الأميركي يقضي بتقسيم العراق وربّما سوريا بعد ذلك من خلال مشروع شامل يجري إعداده لتقسيم بعض دول المنطقة بدءاً بالعراق ومن ثم سوريا. وبعد تسريب هذه <النيات> الأميركية من داخل الكونغرس، لاحظ المراقبون كيف ان سبحة السيناريوهات التقسيمية بدأت تكرّ ويكشف عنها النقاب الواحدة بعد الأخرى حول تقهقر <داعش> في بعض المناطق العراقية والسورية من جهة، وتقدم <داعش> في مناطق أخرى، وطبعاً في ظل الحرب العالمية التي تشنها دول الإئتلاف بزعامة أميركا وبمؤازرة بعض الدول العربية ضد الإرهاب والمنظمات الإرهابية، وخاصة <داعش>… كما لاحظ مراقبون آخرون كيف أن <جبهة النصرة> الإرهابية تقدمت في أحياء معينة من سوريا، وتحوّلت في نظر بعض السياسيين بين ليلة وضحاها الى منظمة معتدلة هدفها إصلاح سوريا، بعد أن كانت في نظر هؤلاء منظمة إرهابية وجب التصدي لها…

إن بعض رجال السياسة والإعلام اللبناني والعربي وحتى الأجنبي في أواخر الأسبوع الماضي صاروا يروّجون لمواقف ومعلومات مفادها <ان الثلج ذاب في جبال القلمون، وان <جبهة النصرة> هذه تستعد للتقدم باتجاه الحدود اللبنانية الشرقية لتحقيق اختراقات فيها، باتجاه قرى سهل البقاع، وان الجيش اللبناني إذا تصدّى لمثل هذا الهجوم من جانب <النصرة> وغيرها، فإنه يعرّض حياة جنوده الرهائن المختطفين عند <داعش> و<النصرة> للخطر (؟!)، لأن هذا التحرك العسكري من جبال القلمون بشبكات صاروخية متطورة نحو لبنان أمر مخيف (؟!) لأنه يساهم برسم حدود الدويلات الشرق أوسطية العربية الجديدة، من خلال مشروع تقسيم العراق وسوريا>.

 

الخطر الأكبر

 

لكن يبقى أن بيت القصيد في كل ما يحكى ويقال عن مشاريع التقسيم والموضوع الأهم في هذا المجال هو مشروع تقسيم العراق وسوريا الذي حكي عنه وسرّب كلام في شأنه من الكونغرس الأميركي، ومن لجنة الشؤون الخارجية بالتحديد داخل هذا الكونغرس، لأنه المؤثر عملياً في كل هذه القضية، كون مشروع التقسيم هذا قد حكي عنه قبل سنتين في لجنة الشؤون الخارجية في مجلسي النواب والشيوخ، وطوي البحث فيه في حينه بعد الضجة التي أثيرت في شأنه، الى أن عاد هذه المرة لينفض عنه الغبار ويصبح مدار تعليقات جمة في دول منطقة الشرق الأوسط بكاملها، ومنها لبنان طبعاً.

أما اسرائيل، فإنها تعيش كابوس الاتفاق الأميركي – الايراني المزمع توقيعه بين طهران وواشنطن، وتعيش أيضاً هاجس التبديلات التي حصلت في قمة القيادة السعوObama-and-Hassan-Rohaniدية وتحاول ترجمتها ورسم صورة المستقبل الشرق أوسطي في ضوئها…

ما يعني لبنان في كل هذا، وفي كل ما يجري من تطورات في المنطقة بعد التسريب الأميركي من داخل الكونغرس عن مشروع، أو مشاريع التقسيم داخل دول المنطقة هي الحال التي بات لبنان يواجهها من جراء الارتفاع الكبير في أعداد النازحين الذين يتدفقون الى لبنان من سوريا والعراق بشكل مفزع في ظل خلاف داخل مؤسسات الحكم والحكومة في شأن وضع حد لعمليات التهجير المنظمة من داخل سوريا والعراق الى لبنان من جهة، ومن عدم وجود رغبة جدية لدى دوائر الحكم اللبناني ولدى كتل سياسية رئيسية في سد الثغرات التي يتسرب النازحون عبرها الى لبنان من جهة أخرى، وخطر ازدياد هجرة اللبنانيين الى الخارج، في ظل استمرار الأزمة المالية والاقتصادية والاجتماعية واحتدام الصراع السياسي بين الفرقاء المشاركين في الحكم والحكومة، وعدم اتفاقهم على إنهاء حالة الشغور في منصب رئاسة الجمهورية.

لقد وعد الرئيس الفرنسي <فرنسوا هولاند> البطريرك الماروني الكاردينال الراعي في مقابلتهما الأسبوع الماضي في قصر <الاليزيه> بأن تتخذ فرنسا <مبادرات> لإيجاد حلول تحدث معها انفراجات في الوضع اللبناني المتأزم. لكن الجانب الفرنسي الذي يدرس الموضوع خصوصاً ما وعد به الرئيس <هولاند> البطريرك الراعي لم يعرف حتى نهاية الأسبوع الماضي ماهية هذه المبادرات وهل هي فرنسية صرف، أم انها أوروبية بالتنسيق مع الولايات المتحدة؟!

العارفون ببواطن الامور يدركون سلفاً ان أي اتفاق مزمع توقيعه بين طهران وواشنطن لن يمر بالكونغرس أولاً، بل في مجلس الأمن الدولي ليصبح موقف الكونغرس من الرئيس الأميركي ومن الاتفاق بعد ذلك ثانوياً.

لكن يبقى في الصدارة موضوع مشروع تقسيم العراق وسوريا يشغل بال المراقبين، وما إذا كان هذا المشروع الذي تقف خلفه اسرائيل جدياً، أم انه محاولة صهيونية لتخويف إدارة <أوباما> وذر الرماد في عيون بعض العرب بهدف كسب الوقت ومحاولة زرع الطريق المؤدي الى اتفاق أميركي – ايراني بالقنابل الموقوتة لتعطيله.