15 September,2019

متلازمة بيتر بان: حين يُصرّ الرجل على المكوث في الطفولة!

 

بقلم كوزيت كرم الاندري

رجلٌ رهينُ طفولته، أو طفلٌ في جسد رجل. وصفٌ يختصر الرجال الذين يعانون من متلازمة بيتر بان Peter Pan Syndrome. لا تُعتبر متلازمة بيتر بان هذه اضطرابًا عقليًا معترَفاً به علمياً، إلا أنها حالة شائعة، يتصرف من خلالها الرجل بطفوليّة، بعدم نضج وبعدم مبالاة، فيهرب من تحمّل المسؤولية بكل أشكالها. حملت <الأفكار> أسئلتها، في هذا الموضوع، إلى المتخصص في علم النفس العيادي والمستشار الأُسَري الدكتور نبيل خوري.

ــ دكتور خوري، كيف يمكننا، بدايةً، أن نصنّف ما يُسمى بمتلازمة بيتر بان أو Peter Pan Syndrome؟ هل هي عقدة نفسية، مرض، خلل سلوكي…؟

– متلازمة بيتر بان ليست مصنّفة من ضمن العقد والاضطرابات النفسية في كتاب تشخيصات المشاكل النفسية Diagnostic and Statistical Manual of Mental Disorder DSM-5 أي الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية، بنسخته الخامسة التي تم تعديلها العام 2013. لكن هناك نظريات كثيرة وآراء متضاربة حول هذا الموضوع، وهو أمر طبيعي في علم النفس. بعض المتخصّصين يعتبرونها منظومة عادية جدا، في حين يعتبرها آخرون ظاهرة، وبطبيعة الحال كل ظاهرة هي خروج عن المألوف. إذاً لنكن دقيقين ولنسمّها <حالة>، وهي الصفة التي تشكل نقطة التقاء ما بين مختلف الآراء والنظريات. حالة يعتبر الإنسان فيها نفسه في طفولة دائمة، فيرفض أن يكبر في السن.

ــ <يرفض> أو <يعجز> أن يكبر وينضج؟

– هنا يكمن الفارق ما بين المتلازمة والمرض. من يعاني من متلازمة بيتر بان تمر عنده الحالة <مرور الكرام> إذا صحّ القول، وهو يشعر براحة وطمأنينة واستقرار أكثر بكثير إذا عومل كطفل. لكن إذا كان عاجزاً (بكل ما للكلمة من معنى) عن الخروج من المنطق الطفوليّ والروحية أو الذهنية الطفولية التي تتملّكه، فتلك تصبح حالة مرضية.

ــ هل هناك نماذج من الحالتين في مجتمعنا؟

– نعم، وبكثافة.

ــ وهل يقصد هؤلاء الرجال الأطباء النفسيين أم أنهم ينكرون حالتهم هذه؟

– هم لا يلجأون، عموماً، إلى الطبيب النفسي <لأنن مرتاحين عَوَضعن هيك>!

ــ هل ترون مثل هذه الحالات من حولنا، أعني هل يحضر في بالك الآن رجال يعانون من متلازمة بيتر بان؟

– (يبتسم ويجيب بغموض) طبعاً، وأحدهم سياسي يُعرف بمواهبه وسلوكياته الطفولية… هو عالقٌ في طفولته وعاجز عن الخروج منها.

(أمتنع عن ذكر الاسم الذي لم يتفوّه به الدكتور خوري، إنما استنتجته بنفسي فأكد هو على استنتاجي بطلبٍ مني…)

ــ وما دور الأم في جعل ابنها رجلاً بقلب طفل؟

– دورها أساسي وجوهري، لاسيما حين توفّر له الحماية المبالغ فيها Over protection. يمكن لأولئك الذين تعرضوا للرعاية المفرطة، طوال فترة الطفولة والمراهقة، أن يطوّروا هذه المتلازمة.

ــ دكتور خوري، إستخلصت من قراءاتي حول الموضوع أن متلازمة بيتر بان تطال الرجال أكثر من النساء. كيف تفسرون ذلك في علم النفس؟

– نحن ننطلق من القاعدة التي تقول إن المرأة تخاف من العمر حين يتعلق الأمر بشكلها الخارجي، إلا أنها لا تخاف من النضج الفكري أو المعنوي اللذَين يرافقان التقدم في السن. أما الرجل الذي يخشى التقدم في العمر، فإن شعوره هذا نابع من رغبته في العيش باستمرار لحظات السعادة والمتعة والراحة والطمأنينة التي عاشها في طفولته، وهو بالتالي يهرب من المسؤولية والنضج العاطفي. تدليل الوالدين المفرط للطفل يعيق عملية النضج لديه ويعرقل مسار اكتسابه مهارات خاصة لمواجهة تحديات الحياة.

ــ إنه إذاً الخوف من المسؤوليات بشكل أساسي؟

– إنه هروب من كل ما يترتّب على إنسان ناضج من مسؤوليات وهواجس وهموم. <طالما غيرو عم يعتل همّ عنّو هو مرتاح>!

ــ هل تلاحظون، مثلاً، أن متلازمة بيتر بان إلى ارتفاع في زمن المياعة و<الهرأة> في أساليب وأنماط التربية؟

– هذه الحالة كانت دائماً موجودة لكننا كنا ننظر إليها بخفّة، ومن الأمثلة الأكثر شيوعا عن متلازمة بيتر بان مغني البوب الأميركي مايكل جاكسون. فقد بنى الفنان الراحل مزرعة في منطقة قاحلة شبه صحراوية في كاليفورنيا، أطلق عليها اسم نيفرلاند Neverland وفقاً لجزيرة الخيال الموجودة في قصة بيتر بان، وهي شخصية خيالية من تأليف الروائي الإسكتلندي جيمس ماثيو باري. بيتر بان ولد شقي يمكنه الطيران ولا يكبر، يقضي طفولته التي لا تنتهي في مغامرات على أرض جزيرة نيفرلاند. أتى جاكسون بالحيوانات والقطارات والألعاب التي جعلت من مزرعته هذه مكاناً للأحلام شبيهاً بالمنتزه الترفيهي ديزني لاند.

ــ هذا يعني أن مايكل جاكسون كان مدركا لحالته هذه و<مِتصالح معا>، أي أنه لم ينكرها؟

– طبعا كان مدركا لها وهو قالها بصريح العبارة I want to stay a child for the rest of my life (أريد أن أبقى طفلاً طوال حياتي)!

ــ بالإضافة إلى الحماية المفرطة من الوالدين، أو من الوالدة بشكل أساسي، هل من سبب آخر يجعل الرجل يقع ضحية طفولة لامتناهية؟

– في حين أن الأسباب لا تزال غير واضحة تماماً، فإن المؤكد أن المصابين بمتلازمة بيتر بان ينتقلون مباشرة من مرحلة الطفولة إلى مرحلة البلوغ من دون المرور بمرحلة المراهقة. يعود هذا، في الكثير من الأحيان، إلى صدمات عاشوها في طفولتهم، أبرزها الاعتداء الجنسي. من أسبابها أيضاً غياب الأب واضطرار الطفل تحمّل مسؤوليات ثقيلة في سن مبكرة. في هذه الحالة يعود ويعيش الرجل طفولته كمفعول رجعي، وهو ما حصل مع جاكسون الذي لم ينعم بطفولة سليمة. يمكن أيضاً للوضع الاقتصادي الصعب أن يشكّل عاملاً لا يُستهان به في هذا الموضوع، بحيث يقع الرجل في فخ الهرب ويرفض مواجهة الصعوبات الاقتصادية وما يترتّب عنها من عمل شاق وتفانٍ…

ــ هل صحيح أن معظم الرجال الذين يعانون من متلازمة بيتر بان ليسوا سعداء ببقائهم أطفالاً كما يُخيّل إلينا؟ أعني هل صحيح أنهم يعانون الوحدة والاكتئاب؟

– هذا صحيح. ففي معظم الأحيان تخلق هذه الحالة مشاكل علائقية واجتماعية ومهنية، مما يؤدي بالرجل إلى شعور شديد بالوحدة وبالتالي بالاكتئاب.

ــ هل يتزوج الرجل الذي يعاني من متلازمة بيتر بان؟ وهل يمكن للمرأة أن ترضى العيش مع هذا النمط من الرجال؟

– يمكن أن يتزوج صُوَريا، كما يحصل في الكثير من الزيجات التي تضحي فيها المرأة بشق معيّن من العلاقة بهدف الحصول على شق آخر قد يهمّها، سواء كان المال أو الشهرة أو السلطة أو ربما الإنجاب… إلا أن الرجل الذي يعاني من متلازمة بيتر بان لن يستطيع إشباع رغبات ومتطلبات امرأة ناضجة.

ــ ماذا عن السلوك الجنسي لهؤلاء الرجال؟ هل يمكنهم القيام بعلاقات جنسية <طبيعية>؟

– غالباً ما يكون لديهم مشكلة معها. فهم، بطبيعة الحال، يهربون من أي حالة تضعهم في موضع سلطوي، لذا غالباً ما تترافق هذه الحالة مع اضطرابات جنسية، لا بل مع قلّة اهتمام بالجنس.

ــ هل يمكن أن يُشفى من يعاني من متلازمة بيتر بان؟

– إلى حدٍّ ما، من خلال جلسات علاج سلوكي- معرفي- أُسَري. في أي حال، الإستشارة هي خطوة أولى للتعرف على الحالة والتعامل مع جوهرها، مع جذورها. لكن الصعوبة هنا هي في كون الشخص الذي يعاني من هذه الحالة لا يشعر أنه جزء من المشكلة، وكذلك الأمر بالنسبة إلى المحيطين به الذين يبالغون في رعايته. لذا، فإن العلاج النفسي الصحيح، في هذه الحالة، لا يركز على الشخص الذي يعاني من متلازمة بيتر بان فقط، بل على شريكه وعائلته أيضاً.

ــ دكتور خوري، أليس غريباً أن تتحوّل شخصية كرتونية خيالية إلى اسم حالة أو اضطراب نفسي؟ كيف يمكن لما يُفترض أن يحمل كل المعاني الجميلة والإيجابية أن يتحوّل إلى اسم <مرض> أو عقدة أو حالة…؟

– يحصل ذلك لأن معظم الرسوم المتحركة والشخصيات الكرتونية التي ربينا عليها تحمل في طيّاتها، للأسف، دلالاتٍ سيئة وخطرة، قد لا ننتبه لها للوهلة الأولى. ولهذه، بالتالي، تأثيرات سلبية على طريقة تفكير الأطفال وسلوكياتهم. طوم أند جيري <بضلّوا يخبّطوا بعضن>، بينوكيو <بضلّ يكذّب>، بياض الثلج Snow White <عايشة مع سبع رجال>، ساندريلا <ما بترجع عالبيت إلا تنعش بالليل>، باتمين Batman <بسوق 330 كلم بالساعة>، والأمثلة تطول في هذا المجال!!