7 July,2020

”متحف روائع البحر“ يعرّف الزوار بأهمية الحياة البحرية وتنوعها في الشواطىء اللبنانية!

 

بقلم وردية بطرس

جناج-الأصداف-في-المتحف--e

بيت تراثي قديم يعود الى القرن الثامن عشر تحوّل الى معرض مائي مميز يدعى <متحف روائع البحر> الذي افتتح في العام 1996 في بلدة جديدة المتن في جبل لبنان حيث يكتشف الزائر فيه سحر الحياة البحرية وبعض أسرار الأصداف النادرة… وخلال الزيارة للمتحف يتسنى للزائر التجول في احدى قاعاته لمشاهدة حيوانات بحرية مثل المرجان، والاسفنج، ونجمة البحر، والأصداف، والسلحفاة اللبنانية الخضراء النادرة، وأسماك أخرى محنطة معروضة في واجهة ضخمة وغيرها من الكائنات البحرية ذات الألوان الرائعة والأشكال المختلفة والمميزة والأسرار النادرة. والهدف الأساسي من انشاء هذا المتحف هو تعريف الزائر على ثروات البحر وكائناته والحياة المائية البحرية واظهار أهمية البيئة البحرية.

 

محتويات المتحف

 

يضم المتحف 25 حوضاً للأسماك اضافة الى مجموعات عديدة من الأصداف النادرة لاسيما المنقرضة منها التي وُجدت في المياه القريبة من الشواطىء اللبنانية والتي اشتراها المتحف في المزاد العلني، كما يضم المتحف أنواعاً من الاسفنج والمرجان البحري، وعدداً من الرخويات البحرية والأسماك المحنطة، وعدداً كبيراً من المتحجرات البحرية والمعدات البحرية القديمة، وان معظم محتويات المتحف مأخوذة من المياه اللبنانية، كما ان المتحف البحري يهدف الى تعريف الزوار بأهمية الحياة البحرية وتنوعها في الشواطىء اللبنانية وذلك لحمايتها، كما يضم المتحف صالة عرض مائية يتعرف من خلالها الزوار ولاسيما تلاميذ المدارس على محتويات المتحف البحري، كما أنه يحتوي على أنواع عدة من المرجان من البحر الاحمر والمحيط الهادىء، اضافة الى بعض المتحجرات ومجموعة من العدّة البحرية القديمة… انه متحف رائع حيث يستمتع الزائر خلال جولته بمشاهدة أحواض زجاجية تحوي أصدافاً حملت من المحيطات الخمسة، ويشعر الزائر وكأنه يجول في غواصة تجوب الأعماق… هنا أسماك تتمايل في أحواض عديدة، وهناك أصداف تتلألأ خلف واجهات متناسقة تلفت الصغار والكبار. وبالنسبة للصدف فتجدر الاشارة هنا الى ان أصداف <الموريكس> لم تنقرض كما هو شائع لدى الناس، اذ انه في الفترة الأخيرة عادت هذه الأصداف للظهور بكثرة من جديد على الشواطىء اللبنانية، وهي الصدفة التي استخدمها الفينيقيون في العصور الغابرة لاستخراج صبغة اللون الأرجواني الذي اشتهر بصباغة الحرير مما جعله سلعة تجارية مهمة، كما كانت ترمز هذه الصدفة للسلطة والثراء لاسيما في عهد الأباطرة الرومان وملوك العالم القديم، ولقد اكتُشف اللون الأرجواني في العام 1400 قبل الميلاد على ساحل شاطىء صور، ثم ما لبث ان انتشر في جميع أنحاء الساحل الفينيقي، ولكن يعود فضل نجاحه الدولي الى صور، وتعزو أسطورة اكتشاف الأرجوان للاله <ملكارت – هرقل>، اذ بينما كان يسير على الشاطىء الفينيقي مع <تيروس> الحورية، اكتشف كلبه صدفة <الموريكس> التي لما حاول التهامها انصبغ خطمه بلون لامع لم يكن معروفاً حينذاك… معجبة بهذا اللون الغريب طلبت الحورية من الاله ان يصنع لها رداء من اللون نفسه، ومن أجل ارضاء حبيبته أمر <ملكارت> بجمع الصدفات البحرية واعداد صبغة من هذا اللون القرمزي، وقد صنع سترة مصبوغة ساحرة أفرحت قلب الحورية.

 وقبل صور وصيدا استخدم <الموريكس> في <أوغاريت> (مملكة تقع في شمال سوريا)، وانما يعود الفضل أساساً الى صور التي أذاعت سمعة اللون الارجواني، وذلك بفضل دقة العمليات الفنية سواء في استخراج مادة التلوين او طرق صباغة الأقمشة. وبفضل جودة منتوجاتها تمتع النسّاجون الفينيقيون بمكانة اقتصادية مرموقة، وكانت السفن الفينيقية محمّلة بمعظمها بالملابس الملونة والأقمشة. وان أهمية هذا الانتاج دفع بأهالي صور الى جعل <الموريكس> شعاراً لمدينتهم وتزويدها على الأدوات-البحرية-في-المتحف--d القطع النقدية. وفي وقت لاحق اختار الرومان اللون الأرجواني كعلامة للقوة، فعلى سبيل المثال كانت سترة الجنرال المنتصر باللون الأرجواني.

أما أسباب اختفاء هذه الصدفة من على الشواطىء اللبنانية فتعود الى استعمال الفينيقيين أعداداً ضخمة منها لانتاج أمتار قليلة من القماش مصبوغة بأرجوان <الموريكس> حيث يحتاج المرء ثلاثين ألف صدفة <موريكس> لكي يستطيع صباغة ربطة عنق. وثاني أبرز صدفة يحتويها هذا المتحف هي أصداف <بنيدي> التي كان  حرير البحر النادر يستخرج منها وهو يتميز برقة عالية وهي خيوط تفرزها غدد <البنيدي> لكي تلتصق بقاع البحر، وكان القدامى يجمعونها ويبيعونها بالغرامات مثل الذهب كما كانت أرجوان <الموريكس> سلعة مكملة لمنسوجات هذا الحرير البحري حيث كان يُصبغ بها.

ويجب التذكير هنا بالنسبة لمصدر الأسماك الموجودة في المتحف، أن هناك أسماكاً غير موجودة في البحر الأبيض المتوسط، وهناك بعض الأنواع التي يقوم المتحف بشرائها من الأسواق حرصاً من القيمين على عرض أنواع مختلفة للزوار، مثل سمكة <Clownfish> التي يحبها الكثيرون ولاسيما الأطفال، وهذا النوع يعيش في المحيط الهادىء. ويحاول القيمون على المتحف ان يكون الشاطىء اللبناني مصدر معظم الأسماك، وهناك 90 بالمئة منها من لبنان، وهذا ما يثير عجب الزوار حيث يعتقد الكثيرون منهم ان بحرنا ملوث ولا تعيش فيه أسماك، وهذه الفكرة خاطئة، اذ ان مياهنا غنية بأنواع بحرية كثيرة ويجب الحفاظ عليها، من دون ان ننكر التلوث الذي تعاني منه مياهنا، اذ نرى اكياساً من النايلون وغيرها، لكن الضرر الناجم عنها لا يُذكر أمام ما تلقيه المصانع فيها من مواد سامة.

 

الحلم أصبح حقيقة

وهذا المتحف كان الحلم الذي عاشت جانين يزبك (المتخصصة في علوم البحار) لأجله منذ طفولتها وهي تحلم ان تعرض ذات يوم كل الأصداف التي جمعتها، وقد أُتيحت لها الفرصة وتحقق الحلم وأصبح البيت التراثي الجميل متحفاً لكل ما تضمه مياه البحار من كائنات ومخلوقات عجيبة وغريبة.

فرحلة الدهشة في <متحف روائع البحر> بدأت في العام 1982، عندما نظمت جانين يزبك معرضاً تجريبياً لمجموعتها المتواضعة من الصدف والأسماك استقطب عدداً كبيراً من الزوار، وقد قررت بعدها وبمساعدة شقيقها أسعد انشاء معرض دائم تلاميذ-يزورون-المتحف---aلروائع البحر وتحفه، وذلك في قصر جدها الذي يحمل بين جدرانه حكايا الماضي القديم.

وفي 12 كانون الثاني (يناير) 1993 تحوّل الحلم حقيقة، وافتتح المتحف برعاية وزير الزراعة آنذاك شوقي فاخوري. والقصر الذي استضافه عمره 200 سنة، ومساحته نحو 8000 متر مربع، وكان أمراء آل ابي اللمع يملكونه في القرن التاسع عشر، وتحيط به حدائق عديدة، وهو يضم سبع صالات كبرى تتضمن 20 حوضاً مائياً. وبفضل هذا المكان لم يعد الشخص يحتاج الى عدّة غطس لاكتشاف عالم تحت البحار، فلقد جهدت جانين يزبك طوال سنوات لاختيار أفضل الأنواع وأجملها من لبنان وخارجه. وما ان يطأ الزائر عتبة هذا المتحف حتى ينتقل الى عالم آخر يسوده السكون والدهشة، اذ ان المتحف بأجنحته السبعة يتضمن مجموعة مميزة من روائع البحار وضّبت داخل خزائن خشبية وواجهات زجاجية سلّطت عليها الأضواء بطريقة علمية مدروسة من أجل الحفاظ عليها، اضافة الى ارفاق كل جناح وكل خزانة بتقرير مفصّل عن الموجودات باللغتين الفرنسية والانكليزية.

وتجدر الاشارة الى ان الرسامين والنحاتين واختصاصيي الديكور وهواة جمع الأصداف البحرية لن يكونوا مرغمين على خوض البحار لاكتشاف ما فيها من روائع، اذ ان جانين يزبك جمعتها بعد بحث استمر 20 عاماً، ونسقتها في ما يشبه لوحة قد تضاهي أجمل ما رسمه الفنانون العالميون، كما انه لا تُعرض ثروات ما تحت البحار فقط، بل أيضاً تُعرض نماذج لحفريات متحجرة، استخرجت من بعض الأراضي اللبنانية مثل قريتي نمّورة وحجولا، إذ ان الهدف الأساسي للمتحف هو تثقيفي حيث يطمح المنظمون من خلاله الى تنمية الوعي لدى المواطنين وخصوصاً الطلاب منهم… ويطالع الزائرون الشعار التالي ختاماً لجولتهم: <اذا أعجبك ما شاهدت، حفاظ على نظافة بحرك>.

وعن الحلم الذي أصبح حقيقة تقول جانين يزبك:

– على اثر انهائي دراستي في علوم البحار بدأت بجمع الأصداف من عدد من الشواطىء العالمية، ويضم المتحف اليوم أهم مجموعة أصداف موجودة في البحار. أما الأسماك وانواع حيوانات البحر فقد اصطدتها بنفسي من على الشاطىء اللبناني. ولقد استغرق تنظيم هذا المتحف والاعداد له مدة سنتين، وهو جاء بمبادرة فردية رغم أن مجموعة من الأشخاص ساعدتني، وأردت من خلاله تعريف الطلاب على عالم البحار ووضعه بتصرفهم، ذلك لأن الكتب في أغلب الأحيان لا تنقل الصورة الحية عن هذا العالم الغني، كما انني أردت منه التشجيع والتأكيد على ضرورة الحفاظ على البيئة، ولاسيما شاطئنا اللبناني الذي طاله التلوث وبدأ يفقد الكثير من كنوزه.

 

أجنحة المتحف

جانين-يزبك-تشرح-للزوار-عن-المتحف---b  

وعن أجنحة المتحف فتفندها جانين كالآتي:

– جناح الأصداف: ويضم أكثر من ألف نوع من الأصداف البحرية، وقد زيّن هذا الجناح بجداريتين تحتوي كل منهما شجرة عائلة الأصداف، أما مصدر هذه الأصداف فهو مختلف من أنحاء بحار العالم، وبحر الفليبين، والبحر الأحمر، والبحر الأبيض المتوسط. جناح الأسماك: وفيه 15 حوضاً زجاجياً تغمرها المياه المالحة، وتعرض فيه مجموعة كبيرة من أنواع أسماك الشاطىء اللبناني، فمثلاً يوجد سمك من فئة القملة، وفي حوض آخر خنزير البحر، والحنش، والأخطبوط، والقريدس، والحنكليس، والكركند، وحصان البحر، واللّقس الرملي، والصبيدج او الحبّار، وكل نوع من أنواع السمك يُوفر له جوه البحري الطبيعي. جناح الأسماك والحيوانات البحرية المصبّرة: وهي في غالبيتها من الشاطىء اللبناني، فمثلاً يوجد فك حوت ومنشار سمكة المنشار. جناح الأسماك المتحجرة: ويضم مجموعة كبيرة من الأسماك بأحجام مختلفة متحجرة، اضافة الى الاسفنج والتوتيا والسلاطعين ونجمة البحر.

وتتابع:

– جناح المرجان: ويحوي مجموعة ضخمة من المرجان بأنواعه وأشكاله وأحجامه المختلفة، فيرى الزائر مثلاً المرجان الأبيض والأزرق والخمري. جناح الصباغ الأرجواني وصفد اللؤلؤ: وقد عرضت في هذا الجناح مجموعة متنوعة من أصداف اللؤلؤ، وأصداف <الموريكس> التي استخرج منها الفينيقيون الصباغ الأرجواني، ويضم هذا الجناح نماذج عن وجهة استعمال الصباغ الأرجواني. وهناك صالة لعرض أفلام وثائقية عن عالم البحار حيث لا تزال تحافظ على طابعها القديم وطلائها القديم وسقفها المرسوم باليد منذ القرن الماضي. ويضم المتحف أيضاً غرفة خاصة بحيوانات بحرية تم تشريحها مثل الاسفنج ونجمة البحر والتوتيا كذلك هناك دلفين محنّط مستورد من امستردام. واضافة الى هذه الأجنحة وقبل ان يغادر الزائر المتحف، تستوقفه لوحة تدعو كل من زاره الى المحافظة على بيئته، وقد رفعت بالقرب من قارب صيد قديم وشبكة للصيد.