21 November,2018

مبـادرة ”بوتيــن“ لإعـادة النازحيـن السورييـن الى بلادهــم تواجــه بـ”بــــرودة“ أميركيـــة و”تشكيـــك أوروبــــي“!

 

عدم تشكيل الحكومة الجديدة بعد مرور شهرين ونصف الشهر على اعتبار حكومة الرئيس سعد الحريري مستقيلة مع بدء ولاية المجلس النيابي الجديد، ليس السبب الذي حال دون تشكيل اللجنة اللبنانية التي ستتولى التنسيق مع الجانب الروسي لتنفيذ مبادرة موسكو في إعادة النازحين السوريين الى المناطق السورية الآمنة والتي باتت نسبتها أكثر من 85 بالمئة من الأراضي السورية. فقد ذكرت مصادر رسمية لـ<الافكار> أن بيروت لا تزال تنتظر الصيغة النهائية التي ستعتمدها موسكو في تشكيل اللجان المشتركة التي سترعى عملية إعادة النازحين السوريين وفق المعطيات التي قدمها الموفد الخاص للرئيس الروسي <فلاديمير بوتين> السيد <الكسندر لافرنتييف> الذي زار بيروت قبل أسابيع ناقلاً الاقتراح الروسي الى المسؤولين اللبنانيين الذين رحبوا به ووعدوا بتقديم كل التسهيلات اللازمة لإنجاحه، وكانت المشاركة اللبنانية في اللقاء مع الموفد الرئاسي الروسي سياسية وأمنية في آن للتدليل على جدية لبنان في التعاطي مع هذا الملف، لاسيما وأن رئيس الجمهورية العماد ميشال عون اعتبر المبادرة الروسية التي رحب بها، استجابة للتحرّك الذي قاده في الداخل والخارج لإعادة النازحين السوريين الى بلادهم تدريجاً للحد من التداعيات التي سببتها موجات النزوح الى الأراضي اللبنانية منذ بدء الحرب السورية في العام 2011.

وفيما لم تعرف الأسباب الحقيقية للتريث الروسي في تسمية أعضاء اللجنة الروسية التي ستتولى التنسيق مع لبنان باستثناء تسمية السفير في بيروت <الكسندر زاسبكين> رئيساً لها، تحدثت مصادر مطلعة بأن موسكو لم تستكمل بعد كل الاتصالات الضرورية لتأمين نجاح مبادرتها على رغم إنجاز الشق الرقمي منها أي تحديد عدد النازحين السوريين الذين ستتم إعادتهم تباعاً الى بلادهم من الدول التي نزحوا اليها وفي مقدمها لبنان. ولعل أبرز ما تنتظره موسكو لإعطاء الضوء الأخضر للمباشرة العملية في إعادة النازحين، هو الموقف الأميركي الذي لم يكن واضحاً بما فيه الكفاية خلال <قمة هلسنكي> التي جمعت الرئيسين <دونالد ترامب> و<فلاديمير بوتين>، الى درجة أن التقارير الديبلوماسية التي وردت في حينه لم تبرز الموقف الاميركي حيال المبادرة الروسية، سواء كان سلبياً أم ايجابياً، الأمر الذي ترك علامات استفهام حول حقيقة ردة فعل واشنطن على مبادرة موسكو التي بدا رئيسها مستعداً لتقديم الشروحات اللازمة والمعززة بالأرقام والتفاصيل، إلا أن الرئيس <ترامب> لم يسأل يومذاك عنها بل اكتفى بالإصغاء الى حديث <بوتين>.

 

واشنطن لم تفوّض موسكو!

 

وكشفت مصادر ديبلوماسية لـ<الأفكار> عن تقرير تداولته حلقة ضيقة من المسؤولين اللبنانيين والديبلوماسيين أشار الى أن واشنطن لم <تفوّض> موسكو ترتيب عملية إعادة النازحين وإن لم تعترض عليها، خصوصاً أن القيادة العسكرية الاميركية كانت تلقت قبل <قمة هلسنكي> معطيات من القيادة العسكرية الروسية عن رغبة موسكو بالمباشرة بإعادة النازحين السوريين الى بلادهم وإطلاق عملية إعادة بناء سوريا مع ضرورة توفير الظروف الاجتماعية والحياتية ولو بحدها الأدنى لتكون عودة النازحين مقبولة إنسانيا واجتماعياً، وألمحت القيادة الروسية الى أهمية التنسيق مع الولايات المتحدة الأميركية للمساعدة في إعادة إعمار المناطق الخاضعة للسيطرة الروسية بالتزامن مع استعادة المساحة المتبقية من الأراضي السورية الخارجة عن سيطرة النظام، إلا أن الرد الاميركي – يضيف التقرير – على الطرح الروسي، كان <بارداً> إذ لم يكشف الجانب الاميركي عن موقف واضح حيال المقترحات الروسية. إلا أن الرئيس <بوتين> <تجاوز> عدم وضوح الموقف الأميركي وفضّل مفاتحة الرئيس <ترامب> خلال القمة في <هلسنكي>، فأتى الجواب الاميركي <تفهّما> للرغبة الروسية من دون الدخول في التفاصيل، لاسيما وان للإدارة الأميركية أولويات تختلف عن تلك التي لدى القيادة الروسية.

وتضيف المصادر أن الجانب الأميركي لم يظهر رغبة في المساهمة في تمويل عملية إعادة اللاجئين وفق المقترح الروسي لأسباب عدة، لعل أبرزها رغبة أميركية في الاتفاق مع موسكو على طبيعة الحل السياسي الذي سيعتمد لإنهاء الحرب السورية، التي لا تعتبر واشنطن أن سببها الوحيد هو تمدد التنظيمات الإرهابية فقط، بل ثمة أسباب أخرى مرتبطة بدور النظام السوري في التعاطي مع الواقعين السياسي والشعبي داخل سوريـــا. إضافـة الى ان واشنطــــن لا تريــــد أن <تسلّم> الورقة السورية الى روسيـــــا وتكون بمنزلة <الرديف>، بل هي تتطلع الى <شراكة كاملة> في أي حل للأزمة السورية في المستقبل كي لا تتفرد موسكو بالواقع السوري وتكون واشنطن متفرجة على تمدد النفوذ الروسي في سوريا مع ما يعني ذلك من <استقواء> حلفاء موسكو المحليين والإقليميين على حد سواء.

<برودة> أميركية و<تشكيك> أوروبي!

 

وتضيف المصادر الديبلوماسية المطلعة أن <البرودة> الأميركية حيال المبادرة الروسية انسحبت أيضاً على مواقف عدد من الدول الأوروبية التي لم تذهب بعيداً في دعم التحرّك الروسي حيال عملية إعادة النازحين إذ لم يسجل أي موقف رسمي أوروبي علني بدعم المبادرة الروسية صراحة، وإن كانت أصوات برزت تؤيد ضرورة عودة النازحين في أجواء <آمنة ومستقرة> تضمن زوال اسباب القتال <في كل الأراضي السورية>. وتتحدث المصادر نفسها ان الطاقم الديبلوماسي الاوروبي في بيروت لم يعكس ترحيباً واسعاً بالمبادرة الروسية، لا بل إن سفراء أوروبيين سألوا مسؤولين لبنانيين عن طبيعة <الضمانات> التي أعطيت لهم

من الموفد الرئاسي الروسي لتأمين نجاح عملية إعادة النازحين، فضلاً عن أسئلة تناولت الموقف الاميركي حيالها والذي التقى أكثر من سفير على وصفه بـ<الغامض>، وهو يعني باللغة الديبلوماسية أن لا موافقة صريحة عليه. وبلغت قلة حماسة الديبلوماسيين  الأوروبيين حداً لافتاً حين سأل أحد السفراء الأوروبيين المعتمدين في بيروت مسؤولاً لبنانياً كبيراً التقاه غداة زيارة الموفد الرئاسي الروسي، عما إذا كانت القيادة الروسية قد <أقنعت> الرئيس السوري بشار الأسد بتسهيل عودة المقاتلين السوريين أو رجال المعارضة السورية الى الداخل السوري، وعما إذا كانت واشنطن <شريكة> في الضمانات التي قال الروس انهم حصلوا عليها، ليستطرد الديبلوماسي نفسه بعد ذلك بالقول إن بلاده <تشكك> في أن تكون واشنطن وافقت على بنود المبادرة الروسية او هي يمكن أن تكون <شريكة فيها>. وفوجئ السفير الأوروبي بجواب المسؤول اللبناني الكبير عندما قال له إن لديه – أي لدى المسؤول الكبير – التزامات من الرئيس السوري نفسه بتسهيل عــــــودة النازحـــــين وإصدار عفـــــو عــــــام عـــــن الذيــــــن قاتلوا الجيش السوري النظامي يمهد لمصالحة وطنية شاملة، وهذا الامر – اضاف المسؤول الكبير – أبلغه الرئيس الأسد للجانب الروسي وان موفد الرئيس <بوتين> حصل على <الضمانات> اللازمة من الجانب السوري!

في أي حال، فإن كل المعلومات تتحدث عن <برودة> أميركية حيال الطرح الروسي و<تشكيك> أوروبي بفعاليته وقد انعكس ذلك من خلال غياب أي موقف أوروبي داعم لمبادرة موسكو، الأمر الذي دفع بالديبلوماسية الروسية الى التحرّك في اتجاه الدول الأوروبية لوضعها في صورة المبادرة، لاسيما في الشق المرتبط بـ<الضمانات> مع التشديد على أن الشق التمويلي لمسيرة العودة لم تتضح موارده بعد، علماً أنها مسألة أساسية في تنفيذ مثل هكذا عمليات سوف تشمل – حسب الأرقام الروسية – أكثر من مليون و700 ألف سوري عبّروا عن رغبتهم في العودة الى وطنهم من 9 بلدان في العالم، ومعظمهم من لبنان وتركيا وألمانيا.

ووفق المعلومات المتوافرة، فإن العدد الدقيق للراغبين في العودة هو مليون و712,234 سورياً من 9 بلدان بينهم 889031 شخصاً من لبنان، و297342 من تركيا، و174897 من المانيا، و149268 من الأردن، و101233 من العراق، و99834 من مصر، و412 من الدانمارك، و149 من البرازيل، و68 من النمسا.

الأمن العام معبر الزامي!

في غضون ذلك، يستمر لبنان في تسهيل <العودة الآمنة> للنازحين السوريين الموجودين على أراضيه والراغبين في العودة، وذلك من خلال القوافل التي ينظمها الأمن العام اللبناني، أو من خلال العودة الإفرادية بحيث شهد معبرا جديدة يابوس والدبوسية في يوم واحد، عودة 142 نازحاً سورياً الى بلادهم، وكان 288 شخصاً قد سبقوهم خلال يومين. وفي هذا السياق، أكد المدير العام للأمن العام اللواء عباس ابراهيم استعداد الأمن العام للتعاون مع من يؤيد إعادة النازحين لأن الأمن العام هو المعبر الإلزامي للعودة، لافتاً الى أن مهمة التواصل مع دمشق محددة بالعمل على إعادة النازحين الى سوريا، ومؤكداً بأن المعابر غير الشرعية باتت تحت مراقبة الجيش ودورياته وكذلك المعابر الشرعية التي يتولى الأمن العام الإشراف عليها.