24 October,2017

مبادرة عون ”أنقذت“ إقرار الموازنة وتعديل الضرائب فهل تساعد على إعادة المياه الى مجاريها الطبيعيـة مـع بـــري؟!  

عون-بريإذا كان الخلاف حول مقاربة قــــانوني سلسلــــة الـــــــرتب والرواتب والضرائب، ومشروع الموازنة كان سبباً إضافياً للمواجهة المستمرة بين رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري، فهل يكون التوافق على إيجاد مخرج لإقرار الموازنة وتعديل القانون الضرائبي، مدخلاً لإعادة المياه الى مجاريها بين <الرئيسين>؟ هذا السؤال شغل الأوساط السياسية اللبنانية بعدما كادت أن تبلغ المواجهة بين رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب مرحلة دقيقة، لاسيما وانها مستمرة على وتيرة متفاوتة منذ 31 تشرين الأول/ أكتوبر 2016 أي في يوم انتخاب العماد عون رئيساً للجمهورية، ولم تنفع المعالجات الموضعية المتكررة في وضع حد للتدهور المتزايد في العلاقة.

كل المؤشرات توحي بأن ثمة من يعمل من أجل تحقيق <هدنة> بين الرئيسين عون وبري يتم بعدها رسم أطر جديدة للعلاقة تزيل الالتباسات القائمة وإن كانت تتنوّع وتتبدّل تبعاً للموضوع المختلف عليه، وأن جهود هـــــؤلاء العاملـــــين بــدأت تقطع شوطاً لا بـــأس بــه وإن كانت لم تكتمل بعد، في انتظار المزيد من المبادرات من عين التينة في اتجاه قصر بعبدا الذي <سلّف> رئيس المجلس النيابي الكثير من المواقف الايجابية حتى الآن ولم يحصل منه في المقابل إلا المزيد من <التنتيع> في كل ما يهم الرئيس عون، لاسيما في مقاربة ملف التعيينات وفي مقدمها المجلس الاقتصادي والاجتماعي، والشؤون المالية الأخرى التي يمارس فيها وزير المال علي حسن خليل <سلطة الوصاية> على المالية العامة وخزينة الدولة وفق معايير استنسابية لا تأتلف في كثير من الأحيان مع توجهات رئيسي الجمهورية والحكومة.

عقليتان مختلفتان!

عاملون على خط تحقيق <الهدنة> يؤكدون أن <الكريزما> بين الرئيسين عون وبري لم تكتمل معالمها بعد، لأن <عقلية> كل من الرجلين مختلفة عن الآخر، ونظرتهما للدولة ومؤسساتها الدستورية والإدارية تتباين كثيراً، وكذلك الأمر بالنسبة الى الإصلاح والتغيير ومكافحة الفساد وتصحيح عمل الإدارات وغيرها من الأمور التي يرغب الرئيس عون في تحقيقها لكنه لا يجد تعاوناً من رئيس السلطة التشريعية على النحو الذي يتمناه. إلا أن هؤلاء العاملين وجدوا في التطورات الأخيرة التي رافقت مقاربة ملف الضرائب وسلسلة الرتب والرواتب والموازنة، مؤشرات تدل على إمكانية المضي في سعيهم لـ<ترطيب> الأجواء بين بعبدا وعين التينة. ذلك أن الرئيس عون الذي أخذ على الرئيس بري عدم التجاوب معه في إقرار مشروع قانون الموازنة قبل إقرار سلسلة الرتب والرواتب والقانون الضرائبي، قدم تسهيلات خلال جلسة مجلس الوزراء أمّنت الوصول الى اتفاق على الآلية التي ستعتمد في صرف الرواتب على أساس السلسلة الجديدة بالتزامن مع إقرار مشروع قانون جديد للضرائب يأخذ في الاعتبار ملاحظات المجلس الدستوري الذي أبطل القانون السابق، على أن تحل مسألة قطع الحساب من خلال التزام خطي يرد في نص قانون الموازنة بتقديم هذا القطع خلال مدة محددة لا تتجاوز السنة أي مدة قانون الموازنة.

وفي هذا السياق، تحمّل الرئيس عون مسؤوليته الدستورية حين أبلغ مجلس الوزراء أنه لن يلجأ الى تعليق العمل بالمادة 87 من الدستور التي تفرض تقديم قطع الحساب قبل إقرار الموازنة الجديدة لأن ثمة جهات سياسية تعارض هذه الخطوة، وهو سيعمل على إصدار الموازنة فور إقرارها في مجلس النواب شرط أن تتضمن الإلتزام بتقديم قطع الحساب خلال مدة لا تزيد عن سنة، ملمحاً الى إمكانية استعمال حقه في ما يُعرف بـ<حق الدولة> (Raison d’état) لاتخاذ أي إجراء يناقض القوانين المرعية الإجراء، ولو كانت ذات امتدادات دستورية، وهذا الحق يلجأ إليه رئيس الدولة عندما يرى أن المصلحة الوطنية العليا تفرض تجاوز بعض النصوص حفاظاً على الاستقرار العام، سواء كان هذا الاستقرار مالياً أم أمنياً أو اقتصادياً أو اجتماعياً. وقد لاقت مبادرة الرئيس عون أمام مجلس الوزراء ترحيباً فورياً من الوزير علي حسن خليل الذي بادر رئيس الجمهورية الى القول ان موقفه يُسجل للتاريخ ولولاه لما كان في الإمكان الخروج من مأزق إقرار الموازنة من دون تقديم كشف حساب موسع ومستفيض.

ويقول مصدر وزاري إن موقف الرئيس عون أنقذ البلاد من واقع مالي صعب كانت ستواجهه قريباً إذا ما تمّ صرف الرواتب على أساس السلسلة الجديدة من دون تأمين موارد مالية مناسبة، وهو بذلك حمى الاقتصاد اللبناني والانتظام المالي وأفسح في المجال أمام حلول ترخي مناخات من الاستقرار السياسي أيضاً، بدليل أن الرئيس بري تلقف مبادرة الرئيس عون في مجلس الوزراء وحرص على الاتصال به ليلاً للتعبير له عن تقديره لموقفه، وكان الشاهد على الاتصال أحد المسؤولين الأمنيين البارزين الذين يعملون على خط التهدئة بين بعبدا وعين التينة. وجاء هذا الاتصال الليلي بعد اتصالين سابقين من الرئيس بري في أقل من أسبوع، الأول لتهنئة الرئيس عون على خطابه في الجمعية العامة للأمم المتحدة بُعيد عودته من نيويورك، والثاني للتهنئة أيضاً على مواقفه في باريس وخطابه في <عشاء الدولة> في قصر <الإيليزيه> وما قاله للرئيس الفرنسي <إيمانويل ماكرون>. مع العلم أنه بالتزامن مع الاتصالين الأوليين استمرت <تلطيشات> محطة <ان. بي. ان> التلفزيونية، لكنها توقفت بعد الاتصال الهاتفي الثالث وزيارة المسؤول الأمني الرفيع الى عين التينة!

 

هل تنجح <الهدنة>؟

وتعتقد مصادر معنية أن نجاح <الهدنة> بين الرئيسين عون وبري مرتبط بتحقيق أمور عدة، ولو على مراحل، أبرزها إقرار قانون الموازنة العامة خلال الأيام القليلة المقبلة، مع النص المتعلق بالتزام تقديم قطع الحساب خلال مدة لا تزيد عن سنة، و<الإفراج> عن أسماء الأعضاء الشيعة المرشحين لدخول المجلس الاقتصادي والاجتماعي، وتسهيل اصدار التشكيلات والمناقلات القضائية، والشروع في الإعداد لانتخاب أعضاء جدد في المجلس الدستوري والمجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع، وغيرها من المواضيع المرتبطة بالتعيينات الإدارية، إضافة الى مواضيع مالية يجمدها الوزير خليل، وقضية تشكيل مجلس إدارة لشركة <طيران الشرق الأوسط> ولـ<بنك التمويل> و<بنك انترا>. وتضيف المصادر ان إمكانية الوصول الى تفاهم بين بعبدا وعين التينة على كل هذه المواضيع دفعة واحدة  أمر مستحيل، في حين أن <الحكمة> تقضي باعتماد التدرج الطبيعي في التنفيذ وفق الأولويات التي يتم الاتفاق عليها. وفي رأي هذه المصادر أن التوافق ممكن بين الرئيسين عون وبري إذا ما اطمأن كل رئيس على أن الرئيس الآخر لا يريد إلغاءه أو تعطيل دوره أو إحالته على <التقاعد المبكر> في الفعالية وليس في العمر… وهذه القناعات لا يمكن أن تتوافر إلاّ من خلال <جلسات مصارحة> في العمق بين الرجلين تنهي الالتباسات الحاصلة وتضع النقاط على الحروف، لاسيما وأن الرئيس عون يعرف ما يريد وهو صريح ولا يقبل بالحلول <الرمادية> خصوصاً إذا ما كانت تتصل بأمور أساسية في الدولة سبق له أن حدد قناعاته فيها وهو ليس مستعداً للتراجع عنها مهما كانت الظروف. في المقابل فإن شخصية الرئيس بري مختلفة عن شخصية الرئيس عون، وهو يعمل عادة على <تدوير الزوايا> والبحث عن <حلول وسطى> ويفضل <المخارج> التوافقية ويميل الى التسويات على أنواعها، ناهيك عن روحه المرحة حيث يردد <قفشات> ذات مدلول سياسي يوجه من خلالها رسائل الى خصومه السياسيين، ولم يسلم من <رذاذها> الرئيس عون في مرات عدة وإن كانت قد وصلت إليه من <مخبرين> أو <ناقلي حكي> من هنا وهناك!

من يضخ <السموم> في

بعبدا ضد بري؟

وترى الجهات العاملة على تحقيق <الهدنة> أن الرئيس بري يشكو من وجود أشخاص قرب الرئيس عون <يضخّون> السموم دائماً ضده ويزرعون الأفخاخ على طريق بعبدا – عين التينة، وبعض هؤلاء له طموحات سياسية خصوصاً في منطقة الجنوب وهو يعتقد أن الوصول إليها لن يكون إلا من خلال إذكاء الخلاف مع الرئيس عون لقطع الطريق أمام أي توافق محتمل في الانتخابات المقبلة بين التيار الوطني الحر وحركة <أمل>، خلافاً لما حصل في الانتخابات الماضية حيث انتزعت دائرة جزين من العباءة <البريّة> ووضعت تحت <مظلة> برتقالية. ولم ينسَ الرئيس عون وقوف الرئيس بري الى جانب المرشح الرئاسي النائب سليمان فرنجية على رغم أن شريك <الثنائية الشيعية> أي حزب الله كان الى جانب <الجنرال>. وحصلت بعد الانتخابات الرئاسية <مواجهات> متقطعة زادت في اتساع الشرخ في العلاقة بين الرئيسين.

إلا أن <سعاة الخير> يعتقدون أن جلسات مصارحة بين الرئيسين عون وبري كفيلة بإزالة الضباب الذي يلف العلاقة بينهما، وما حصل بالنسبة الى مقاربة قوانين السلسلة والضرائب، وما سيحصل بالنسبة الى مشروع الموازنة، يعتبران خطوة أولى في مسيرة الألف ميل لإعادة الصفاء الى العلاقة بين رئيسي الجمهورية ومجلس النواب، على أمل أن يكون قطع هذه المسيرة مسهّلاً كما يسهل قطع حساب الموازنة!