21 November,2018

مبادرة رئيس ”المستقبل“ وضعت الاستحقاق الرئاسي أسير انتظارين: قــرار معلــن مــن الحريــري بدعم عــون مغطــى سعوديــاً وتحــرّك منتظــر مــن نصــر الله لـتـبـديــد ”هـواجــس“ بــــري!  

بري-و-الراعي-----1
يؤكد متابعون لمسار الملف الرئاسي، أن التحرك <الاستطلاعي> الذي قام به رئيس تيار <المستقبل> الرئيس سعد الحريري خلال الأيام الماضية والذي بدأه في لبنان وانتقل به الى موسكو وغيرها من عواصم الدول المعنية بالملف اللبناني، ما كان ليحصل لو لم يقرر الرئيس الحريري تحريك الملف الرئاسي المجمّد منذ أشهر من خلال طرح خيار تأييد انتخاب رئيس تكتل التغيير والاصلاح العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية لمعرفة مواقف القيادات السياسية منه، وبالتالي فرزها بين مؤيد ومعارض ومتحفظ. وإذا كانت اللقاءات التي عقدها في بيروت خلال الأيام الماضية قد حققت له هذا الهدف بنسبة كبيرة، إلا أن الحصيلة تبقى ناقصة إذا لم ينجلِ موقف حزب الله بوضوح من المبادرة الحريرية، لاسيما وأن رئيس تيار <المستقبل> خطا خطوة كبيرة في اتجاه حليف ومرشح المقاومة العماد عون تتجاوز خطوته في اتجاه حليفها الآخر رئيس تيار <المردة> النائب سليمان فرنجية، الذي سبق للرئيس الحريري أن بادر الى طرحه مرشحاً رئاسياً في وجه المرشح الأقوى العماد عون.

من هنا، فإن المتابعين للملف الرئاسي يرون أن المواقف التي برزت خلال <مشاورات> الرئيس الحريري لن تكون في معظمها نهائية وحاسمة قبل أن يقول حزب الله كلمته في الطرح الذي حمله الرئيس الحريري من عين التينة الى بنشعي، ومن الرابية الى الصيفي وبكفيا ومعراب وغيرها من المحطات التي ضجّ بها <بيت الوسط> على مدى أسبوع كامل. صحيح أن حصيلة مشاورات الرئيس الحريري لم تفاجئه بشكل جذري، لأنه كان يعرف سلفاً حدود تجاوب القيادات معه، إلا أن الصحيح ايضاً أن <الثبات> الذي أظهره في مواقفه يؤسس لمزيد من التطورات التي يأمل كثيرون أن تكون ايجابية، فيما يجزم آخرون أنها لن تحمل جديداً في الاستحقاق الرئاسي لأن الظروف الاقليمية والدولية لم تنضج بعد لإنهاء الشغور في قصر بعبدا المستمر بعد عامين وخمسة أشهر تقريباً…

موقف بري العقبة الأبرز

وفي رأي المتابعين للملف الرئاسي أن الموقف الذي اتخذه الرئيس نبيه بري من مبادرة الحريري لاسيما ربطه إنجاز الانتخاب الرئاسي بالاتفاق على <سلة> متكاملة فيها الكثير من المواضيع الخلافية، شكل العقبة الأبرز في سعي الحريري للوصول الى تسوية تحمل العماد عون الى قصر بعبدا، خصوصاً إذا ما <تضامن> رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط مع صديقه الرئيس بري واستمرا في دعم النائب فرنجية من خلال <حلف ثلاثي> جديد كثر الحديث عن إمكانية ولادته رسمياً بين الزعماء الثلاثة بري وجنبلاط وفرنجية، وإن كانت المعطيات الواقعية لا تجزم بإمكانية ولادة مثل هذا <الحلف الثلاثي> لاعتبارات متعددة. لذلك اعتبر الرئيس الحريري أن مبادرته تحتاج الى مزيد من <التحصين> في الداخل و<احتضان> من الخارج في ظل استمرار الغموض حول الموقف السعودي من فكرة دعم العماد عون لرئاسة الجمهورية، وهو غموض لمسه وزير الصحة وائل أبو فاعور الذي أوفده النائب جنبلاط الى الرياض ليأتي بـ<الخبر اليقين> عن الموقف السعودي، فإذ به يعود <محتاراً> مما سمعه من المسؤولين السعوديين الذين التقاهم. وتضاف الى هذه <الحيرة> جملة مؤشرات حول <تريث> المجتمع الدولي في ابلاغ الرئيس الحريري عن الموقف من مبادرته، لاسيما وأن الدعوات المتتالية التي صدرت عن مجلس الأمن الدولي والدول المؤثرة فيه كانت تشدد دوماً على ضرورة الاسراع في انتخاب رئيس جديد للبنان، وعندما طرأ تطور جديد في هذا الاتجاه لم تكن ردة الفعل الدولية متناسبة مع المواقف الدولية السابقة المعلنة باستمرار.

في أي حال، يؤكد المتابعون للملف الرئاسي، أن الرئيس الحريري الذي التزم الصمت الإعلامي خلال تحركه واتصالاته، أبلغ جميع من التقاهم أنه ماضٍ في التحرك من ضمن <الخيارات المفتوحة> رئاسياً وفي طليعتها خيار العماد عون، لأن الخيارات الأخرى التي طرحت سابقاً لم تحقق اي نتيجة بدءاً من فكرة ترشيح الرئيس أمين الجميل قبيل انتهاء ولاية الرئيس السابق ميشال سليمان، الى تبني ترشيح الدكتور سمير جعجع، وصولاً الى دعم ترشيح النائب فرنجية، وكل هذه الخيارات لم تؤدِ الى حل للأزمة الرئاسية مع استمرار ترشيح العماد عون وتعطيل كل الجلسات الانتخابية التي دعا اليها الرئيس بري من خلال عدم توافر النصاب المطلوب للانتخاب. ولعل ما يدفع الحريري الى المضي في مبادرته، قناعته – كما تقول مصادر مطلعة على موقفه – بأن استمرار البحث في الاستحقاق الرئاسي سوف يؤدي في النهاية الى نهاية سعيدة بصرف النظر عمن سيكون في قصر بعبدا، إضافة الى ان حراكه المتجدد يسقط كل <تهمة> يمكن أن توجه اليه بعرقلة انتخاب رئيس جديد للبنان ومنعه قيام مشروع الدولة، علماً أنه سبق للحريري أن أعلن انه لن يوفر جهداً إلا ويقوم به لإنهاء الشغور في سدة الرئاسة الأولى. ولم يخفِ الحريري في لقاءاته خوفه من استمرار الفراغ لأن البلد على حافة الانهيار الاقتصادي، وأن شلل المؤسسات بفعل الشغور لم يعد يحتمل، كما صارح <الحلفاء> وفي مقدمهم النائب فرنجية، بالهواجس التي يعيشها بعد تعثر كل المبادرات التي قام بها رئاسياً، مدركاً بالتالي ان الرسو على خيار دعم العماد عون لن يكون سهلاً في الشارع الذي يدعمه، إلا أن وجود رئيس في قصر بعبدا يعيد الانتظام الى المؤسسات الدستورية التي أصيبت بالانحلال، ما يعني بالتالي انه يمكن تعويض أي خسارة في <الشعبية> بربح اكيد على مستوى الوطن.

جنبلاط-و-فرنجية-----3

انقسام كتلة <المستقبل> لن يدوم

 

وفي هذا السياق، نُقل عن نائب في <المستقبل> قوله إن الحديث عن وجود <اعتراض واسع> في كتلته النيابية، <مبالغ فيه>، لأن الكتلة سوف تتفهم في النهاية الأسباب التي دفعت الرئيس الحريري الى طرح خيار التسوية السياسية مع العماد عون، لاسيما وأن بين أعضاء الكتلة من يدعم هذا التوجه، ومنهم من أعلن صراحة أنه مع <الجنرال> رئيساً للجمهورية مثل الوزير ميشال فرعون والنائب سيرج طورسركيسيان وغيرهما. وفي اعتقاد هذا النائب أن <الشارع> الذي يمثله الحريري سوف <يتفهم> هو أيضاً دوافع موقفه وسوف يدعم خياره خصوصاً بعدما يؤدي انتخاب عون الى ترؤس الرئيس الحريري الحكومة مجدداً من دون أن يعني ذلك عدم وجود تيار داخل <التيار الأزرق> يعارض الحريري ويسعى الى تكوين <لوبي مستقبلي> لحثه على التراجع عن موقفه.

وينفي النائب نفسه أن يكون الرئيس الحريري <محشور> في الزاوية كما يحاول البعض الايحاء به، معتبراً أن مثل هذا الكلام يندرج في إطار <الحرب النفسية> التي تستهدف زعيم <المستقبل> والتي تنفيها الوقائع الحسية لأن الرئيس الحريري أثبت أنه <الرقم الصعب> في المعادلة الرئاسية، وأن من دون موافقته لا انتخابات رئاسية في لبنان، ومن دون أصوات نواب كتلته والحلفاء، لا نصاب ولا جلسات. وانطلاقاً من <موقع القوة> هذا – يضيف النائب <المستقبلي>، أتت مبادرة الرئيس الحريري <الإنقاذية> وإذا فشلت فإنها ستؤدي الى طي الملف الرئاسي فترة زمنية طويلة ما يدفع الى الدعوة للتعاطي معها بجدية وواقعية إذا كانت النيات صادقة في إنهاء الشغور الرئاسي.

الراعي يرفض <سلة الشروط>

وفي الوقت الذي يأمل فيه الرئيس الحريري أن تحقق اتصالاته في الخارج <وضوحاً> في المواقف الدولية، ولاسيما الموقف السعودي الذي يعوّل عليه كثيراً، فإنه في الوقت نفسه يأمل أن تؤدي عودة التواصل بين الرئيس بري والعماد عون الى إزالة عقبة اساسية أمام مبادرته، خصوصاً أنه لفت العماد عون خلال زيارته له في الرابية الى ضرورة <تليين> موقف رئيس مجلس النواب منه وأن هذه المهمة لا يستطيع الحريري أن يقوم هو بها، بل هي من مسؤولية <الجنرال> شخصياً، لأن المسألة مرتبطة بالعلاقة الشخصية بين عين التينة والرابية وليست مرتبطة بـ<تأثير> الحريري فيها. وسيشكل غياب الحريري في الخارج فرصة لمعاودة الحوار بين بري وعون إذا ما نجحت الجهود المبذولة في هذا الاتجاه، لاسيما في ما خص موضوع <السلة> التي يتمسك بها الرئيس بري والتي يتحفظ عليها العماد عون الذي تلقى يوم الاحد دعماً مباشراً لموقفه من البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي الذي وإن كان لم يتخذ موقفاً واضحاً من مبادرة الحريري لأن رئيس <المستقبل> لم يزره ولم يطلعه عليها، أعلن صراحة ان المواضيع التي يريدون وضعها في <السلة لا يمكن أن تُطرح وتحل وتنتظم إلا بوجود رئيس الجمهورية>. وزاد البطريرك بحدة: <كيف يقبل أي مرشح للرئاسة الاولى ذي كرامة وإدراك لمسؤولياته أن يُعرّى من مسؤولياته الدستورية بفرض سلة شروط عليه غير دستورية وأن يحكم كأداة صماء؟، إلا إذا ما كان الامر للمماطلة بانتظار الوحي وكلمة السر من الخارج>، ورأت مصادر سياسية في موقف البطريرك رفضاً لمطلب <السلة> التي ينادي بها الرئيس بري، وتعزيزاً – غير مقصود ربما – لموقف العماد عون الذي لم يظهر تجاوباً مع رغبة رئيس مجلس النواب في التفاهم حول كل المواضيع من خلال <السلة> قبل انتخاب الرئيس العتيد.

 

ارتياح في الرابية

وفيما تبدو بنشعي <منزعجة> من مبادرة الحريري و<عاتبة> عليه لأنه لم يتشاور معها فيها قبل بدء تحركه على عكس اتفاق يقول <المرديون> إنه كان تم التوصل اليه بين الرئيس الحريري والنائب فرنجية بعد اعلان دعم ترشيحه، وفيما يلتقي رئيس حزب الكتائب <العريس> الشيخ سامي الجميل مع بعض <المستقلين> على الحذر من تداعيات مبادرة الحريري على التوازن السياسي في البلاد، يبدو المشهد في الرابية مختلفاً إذ يتحدث زوار العماد عون ان اللقاء مع الرئيس الحريري كان <ايجابياً جداً>، وأن مبادرته سوف تكتمل معالمها خلال الايام الآتية ما يجعل مسألة انتخاب العماد عون رئيساً للجمهورية <مسألة أيام>، مع الإقرار بأن ثمة <مواضيع دقيقة> تحتاج الى بلورة أكثر، فضلاً عن الغطاء الإقليمي والدولي الذي يسعى الرئيس الحريري الى توفيره لمبادرته. ولا يظهر من في الرابية <قلقاً متزايداً> من طبيعة الموقف السعودي، إذ يبدو <الجنرال> مطمئناً الى أن الرياض لن تقف في وجه تفاهم لبناني واسع بين المكونات المسيحية والاسلامية اللبنانية، إذا ما توافرت لهذا التفاهم <الضمانات المطلوبة> سواء بالنسبة الى مستقبل <اتفاق الطائف> ودور الطائقة السنية في الحياة الوطنية والسياسية في لبنان والشراكة الكاملة في تقرير مستقبل بلاد الأرز وعدم <طغيان> فئة على أخرى ولو كانت تتمتع بإمكانات غير متوافرة للجميع، اضافة الى ما يمكن أن يكون عليه التعاطي مع حزب الله كقوة سياسية من جهة، وكقوة عسكرية من جهة ثانية. ويسمع زوار الرابية الكثير من <التطمينات> بأن التوازن سيكون هدف العماد عون وهو في قصر بعبدا، لأنه يؤمن ان رئيس الجمهورية هو رمز وحدة البلاد وحامي الدستور و<الحارس الأمين> على حقوق كل الطوائف ومكتسباتها، ولن يكون في وارد التمييز بين اللبنانيين، لاسيما وانه عانى لسنوات طويلة من هذا التمييز الذي وصل الى حد <التهميش>!

وإذ يؤكد زوار الرابية ان العماد عون هو <مرشح ميثاقي> يدرك معنى الميثاقية وموجباتها، يرون في المقابل انه لا يحبذ الدخول في لعبة <البازارات>، وهذا الأمر هو من طبيعته وليس مستجداً مع الحديث عن الاستحقاق الرئاسي، كذلك فإن العماد عون، وفقاً لما ينقله الزوار – لا يستسيغ التوافقات ذات الطابع السلطوي، وان ما حصل في الدوحة العام 2008 لن يتكرر في العام 2016، لأن من مصلحة المسلمين قبل المسيحيين عدم <تقزيم> الرئاسة، لأن ما حصل خلال فترة الشغور الرئاسي منذ أيار/ مايو 2014 وحتى اليوم، أظهر أن رئيس الجمهورية هو الضامن للميثاق والدستور والاستقرار، وهو صمام الأمان الذي احتاج اليه المسلمون والمسيحيون على حد سواء.

عون-و-حريري----2 

حزب الله ينتظر موقف الحريري ليتدخل

ووسط هذا المشهد الذي لن يكتمل إلا بعد معرفة موقف حزب الله من المبادرة الحريرية، بدا ان قيادة الحزب التي تواكب عن قرب ما يجري من اتصالات ومشاورات، تكتفي بتكرار موقفها الداعم لانتخاب العماد عون رئيساً للجمهورية، وهي تتريث في أي خطوة إضافية في انتظار اعلان الرئيس الحريري <صراحة وبوضوح> دعمه لـ<الجنرال> وعندذاك سيكون للأمين العام للحزب السيد حسن نصر الله أكثر من مبادرة في اتجاه اكتمال <عدة> الانتخابات الرئاسية، سواء حصلت هذه المبادرات مباشرة أم بالوساطة، علانية أم بصورة سرية. وفي هذا السياق، اكدت مصادر مطلعة في حزب الله لـ<الأفكار> أن <لا أزمة قرار> داخل الحزب، فالقرار بدعم عون متخذ ومعلن أكثر من مرة، لكن لن يشرع الحزب في اي مسيرة تفاوض قبل أن ينهي الرئيس الحريري مشاوراته في الداخل والخارج (خلال الأسبوعين المقبلين)، ويعلن صراحة انه يرشح العماد عون. بعد ذلك سوف تنفتح أبواب التفاوض مع المعنيين، وفي مقدمهم الرئيس بري وتوضع كل <الهواجس> و<المخاوف> على طاولة البحث من خلال شرح الحزب لـ<الفوائد الاستراتيجية> لوصول العماد عون الى قصر بعبدا، و<الضمانات> التي يمكن أن يوفرها الحزب للرئيس بري ولغيره، وذلك بهدف الحؤول دون وصول المعترضين على انتخاب عون الى <خيارات انتحارية>.

وأشارت المصادر نفسها الى أن اعلان الرئيس الحريري <صراحة> عن تأييد انتخاب العماد عون يعني أنه <مطمئن> الى صحة خياراته والى <مستقبله> في آن، ما يجعل لتحرك الحزب إذ ذاك قيمة اضافية لن تظهر معالمها إلا بعد موقف الرئيس الحريري بمعنى أن <الانتظار> هو القاسم المشترك بين الحريري وقيادة الحزب، فزعيم <المستقبل> ينتظر حصيلة مشاوراته الخارجية لتقييمها مع حصيلة اتصالاته الداخلية، وقيادة حزب الله تنتظر موقف الرئيس الحريري لتبني عليه طبيعة تحركها التفاوضي. وثمة من يتحدث عن ان فترة ما بعد الاحتفال بذكرى عاشوراء هي <المرحلة الفاصلة>، فإما تحمل رئيساً هو العماد عون الى قصر بعبدا، وإما تبقي القصر شاغراً حتى إشعار آخر!