18 September,2018

”مبادرة الحريري“ بترشيح فرنجية للرئاسة لم تكتمل فصولاً، وخيار ”السلة الشاملة والمتكاملة“ يتقدّم من جديد!  

عون-فرنجيةتعتبر مراجع سياسية مطلعة على مسار الاتصالات الخاصة بملف الاستحقاق الرئاسي، أن ما سُمِي بـ<مبادرة> الرئيس سعد الحريري ترشيح رئيس تيار <المردة> النائب سليمان فرنجية لرئاسة الجمهورية، قد رُحّلت الى السنة الجديدة من دون أن يعني ذلك أن إمكانية الوصول الى خواتيم سعيدة في شأنها واردة في المدى المنظور، لاسيما وأن محصلة الشهرين على انطلاقة <المبادرة> يوم 17 تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، لم تكن مشجعة إذ لم تحمل مؤشرات لالتزام جدي بها سواء من أفرقاء 14 آذار أو 8 آذار على حدٍ سواء، فضلاً عن أن الرئيس الحريري لم يُعلن رسمياً دعمه لترشيح النائب فرنجية لا قبل المقابلة التلفزيونية التي أُجريت مع زعيم تيار <المردة> ولا بعدها. كذلك فإن <الدعم الدولي والإقليمي> الذي قيل إن <المبادرة> تحظى به، لم يظهر بشكل علني، واقتصر الأمر على تعليقات سياسية أو تحليلات صحافية. ولعلّ ما نُقل عن السفير الأميركي في بيروت <ريتشارد جونز> خلال الأسبوع الذي سبق سفره الى واشنطن بطلب من الخارجية الأميركية، يعكس التقييم الدولي لـ<المبادرة>. فقد سُئل السفير <جونز> عن موقف بلاده من <مبادرة> الرئيس الحريري، لاسيما بعد جولة اللقاءات التي عقدها قُبيل سفره الى واشنطن، فأجاب ان بلاده مع كل تحرّك سياسي من شأنه أن يحرّك الملف الرئاسي المجمّد منذ فترة طويلة، لكنه أضاف بأن لا معطيات دقيقة حول أسس هذه <المبادرة> ولا النقاط التي تشملها باستثناء طرح اسم النائب فرنجية كمرشح رئاسي جدي، وهذا الامر – يضيف السفير <جونز> – لا تكفي لإعطاء توصيف <المبادرة> على اقتراح الرئيس الحريري، لأن الظرف اللبناني الراهن يحتاج الى معطيات واضحة تتجاوز الاستحقاق الرئاسي الى غيره من المسائل المختلف عليها والتي إذا لم يتمّ الاتفاق عليها أو على الأقل على عناوينها الرئيسية، ستكون بمثابة <ألغام> في مسيرة الرئيس العتيد.

 

<مبادرة الحريري> لم تنضج بعد

 

وتُضيف المراجع السياسية نفسها ان ما نُقل عن لسان السفير الأميركي، يكاد يكون لسان حال عدد آخر من السفراء الأجانب الذين كثّفوا لقاءاتهم مع السياسيين اللبنانيين قبل أن يذهبوا في إجازاتهم للميلاد ورأس السنة الجديدة. وقد طرح هؤلاء تساؤلات عدة حول مدى <نضوج> ما وُصف بـ<مبادرة الرئيس الحريري> واستطراداً حظوظها في أن تتحوّل الى واقع ملموس يحاكي الدعوات الدولية للإسراع في انتخاب الرئيس اللبناني العتيد، لاسيما دعوة مجلس الامن الدولي في 30 أيلول/ سبتمبر الماضي. غير أن الالتقاء على المطالبة بانتخاب رئاسي سريع، ليس هو نفسه في ما خص <المبادرة> التي نتجت عن <لقاء باريس> حيث تتفاوت ردود الفعل بين <متحمّس> (مثل السفير الفرنسي <ايمانويل بون> الذي خفّف اندفاعه في الأسبوع الماضي) و<متخوّف> من غياب اي خيار آخر غير المطروح في <المبادرة>، و<صامت> لا يزال في مرحلة استطلاع الرأي واستجماع الأفكار لمعرفة ماهية <المبادرة> التي لا تزال دون عناوين واضحة. ويتحدث سفراء عن أن تأييد الرئيس الحريري للنائب فرنجية رئيساً للجمهورية، فاجأ مختلف الأوساط، وأحدث خللاً مهماً في العلاقة داخل قوى 14 آذار التي يتزعّمها الرئيس الحريري، بدليل أن رئيس القوات اللبنانية لا يزال يعارض هذا الخيار، في حين ينتظر رئيس حزب الكتائب النائب سامي الجميل <جلاء الغموض> الذي يكتنف طرح الحريري. أما موقف <المستقلين> فيبقى متأرجحاً مع ميل صوب تأييد <المبادرة> لاعتبارات مختلفة.

 

و<الجنرال> مستمر في ترشيحه

 

وتنقل المراجع السياسية نفسها عن السفراء اعتقادهم بأن الكرة الحقيقية هي في ملعب قوى 8 آذار عموماً، وحزب الله خصوصاً الذي من دون موافقته لا إمكانية لانتخاب رئيس جديد، وهو – أي الحزب – لم يُعلن دعمه لترشيح فرنجية ولا يزال يعتبر العماد ميشال عون مرشح قوى 8 آذار وحزب الله تحديداً. وفي هذا السياق، ينقل عدد من الديبلوماسيين ممن التقوا العماد عون في الأسبوعين الماضيين في زيارات ظلت بعيدة عن الأضواء بسبب الحداد على الشقيق الأصغر للعماد عون، انهم سمعوا من <الجنرال> أنه مستمر في ترشيحه وفق المبادئ والأسس التي أعلنها في مقابلته التلفزيونية عشية ذكرى 13 تشرين الأول/ اكتوبر الماضي، وأنه أبلغ ذلك للنائب فرنجية عندما زاره في الرابية بُعيد الإعلان عن <مبادرة> الرئيس الحريري، وانه ليس في وارد تبديل رأيه مهما اشتدت الضغوطات عليه من الداخل أو الخارج. وعندما يُسأل العماد عون عن موقف حزب الله من مسألة استمرار ترشحه بعد بروز اسم النائب فرنجية مرشحاً مدعوماً من الحريري، يجيب ان هذا السؤال يوجّه الى الحزب، وانه لم يسمع من أمينه العام السيد حسن نصر الله ما يناقض كلامه المُعلن بدعم زعيم التيار الوطني الحر الى أن يقرر هو تنحيه عن الترشيح، الأمر الذي لن يحصل وفق زوار الرابية الذين ينقلون عن عون تساؤلات عن الاسباب التي دفعت بالرئيس الحريري الى ترشيح النائب فرنجية بعدما كان قال له (أي لعون) عبر موفدين مقربين: <جماعتنا مش ماشيين برئيس من 8 آذار على علاقة جيدة بحزب الله وسوريا>، ويقول عون أيضاً إن عبارة <جماعتنا> يقصد بها الرئيس الحريري القيادة السعودية.

 

حزب الله: لن نكسر عون

وفيما تتحدث المراجع السياسية نفسها عن أن حزب الله ليس في وارد التخلي عن دعم العماد عون تحت أي ظرف، لاسيما وأن <التسوية السياسية الشاملة> التي كان تحدث عنها السيد حسن نصر الله لم تتضح معالمها من خلال ما أُعلن عن <مبادرة> الرئيس الحريري، فإن نائباً بارزاً في كتلة الوفاء للمقاومة قال لـ<الأفكار> إن الحزب الذي يضع علاقته مع العماد عون <فوق كل اعتبار>، ليس وارداً لديه المساهمة في <كسره> من خلال التخلي عن ترشيحه، خصوصاً أن هذا الترشيح سابق لـ<مبادرة> الرئيس الحريري الذي كان يُفترض به أن <يحترم> إرادة قوى 8 آذار في تبني مرشحها المُعلن عوضاً عن ترشيح غيره من القوى نفسها، بصرف النظر عن شخص النائب فرنجية ومواقفه الوطنية والقومية ووقوفه الى جانب المقاومة وخيار الممانعة.

ويضيف النائب نفسه ان قوى 14 آذار، ولاسيما تيار <المستقبل>، أخذت على قوى 8 آذار وحزب الله تحديداً ترشيح العماد عون من دون التشاور معها في الاسم، على رغم أن هذا الترشيح لم يحصل إلا بعد <المفاوضات> التي أجراها عون مع الحريري في روما وباريس والتي كان الحزب على علم بتفاصيلها، في حين أن الرئيس الحريري <تفرّد> بترشيح النائب فرنجية وبحث معه في كل المواضيع الخلافية ومواقفه منها، من دون أن يتشاور مع قوى 8 آذار منفردة أو مجتمعة، وإن ما قيل عن موافقة الرئيس نبيه بري على هذا الترشيح لا يعدو كونه <ترحيباً> من رئيس مجلس النواب بكل مبادرة حوارية بين أفرقاء على تناقض في المواقف، من دون أن يعني ذلك أن الرئيس بري يمكن أن يسير بهذه <المبادرة> أو غيرها، من دون <التنسيق الكامل> مع حزب الله وأمينه العام تحديداً، وهو أمر لم يحصل لأن تفاصيل <المبادرة> ظلت غامضة. ويشير النائب نفسه الى أن رئاسة الجمهورية في لبنان ليست ملفاً سياسياً عادياً يمكن التعاطي معه بأسلوب <المقايضة> بل هو خيار يمتد على ست سنوات، وبالتالي يُفترض أن يتمّ الاتفاق عليه على أسس واضحة وثابتة، واستناداً الى <ضمانات> حقيقية لا مجال للمسايرة فيها او التنازل عنها، واستطراداً الرئاسة ليست <جائزة ترضية> تُعطى لمن خسر <الجائزة الكبرى> في اليانصيب، خصوصاً أن الوضع الاقليمي والتطورات المتسارعة تفرض <الاطمئنان> الى الرئيس العتيد وقدرته على الوفاء بالتزاماته على نحو واضح لا لبس فيه. ودعا النائب نفسه المراهنين على أن حزب الله سيطلب من العماد عون <ذات يوم> التنازل لصالح هذا المرشح أو ذاك، الى الاقلاع عن هذا الرهان، لأن هذه المسألة متروكة فقط للعماد عون نفسه، <ولن نمارس عليه أي ضغط أو مونة، وان هذا هو موقف <السيد>… ونقطة على السطر>!

 

فرنجية ينتظر مواقف أكثر وضوحاً

في غضون ذلك، يشعر زوار بنشعي هذه الأيام، أن النائب سليمان فرنجية ماضٍ هو الآخر في <احترام> ما اتُفق عليه مع الرئيس الحريري، على رغم أن زعيم تيار <المستقبل> لم يقل كلمته <الواضحة> في دعم ترشيح فرنجية، وان كانت اوساطه تتحدث عن إطلالة تلفزيونية قريبة له يقول فيها <كل شيء>. وعليه، فإن النائب فرنجية <فرمل> نسبياً حركته واتصالاته بسبب الاعياد أولاً، وفي انتظار الموقف المرتقب من الحريري، ثانياً، وبالتالي فإن <الطبخة الرئاسية> التي كانت على نارٍ تغلي، باتت في <الثلاجة> الى حين نضوجها. ويتحدث زوار بنعشي عن ان <المبادرة> ستستعيد عافيتها في الشهر المقبل بعد حصول <تزخيم> غير مسبوق لها، لاسيما وأن استمرار الشغور الرئاسي في قصر بعبدا ترك انعكاسات سلبية على الحياة السياسية والوطنية في البلاد، إضافة الى الشلل الذي ضرب الإدارات والمؤسسات.

وفي هذا السياق، يسمع زوار بنشعي هذه الأيام كلاماً حول <ثبات> النائب فرنجية على مواقفه وعلاقته مع المقاومة وسوريا، والحريري، سواء انتُخب رئيساً أم لم يُنتخب لأن هذه العلاقة ليست في مقابل الحصول على مكاسب أو مواقع… ويضيف الزوار ان فرنجية الذي وقف الى جانب العماد عون منذ سنة ونصف السنة، كما فعل في العام 2008، على رغم قناعته باستحالة وصول <الجنرال> الى قصر بعبدا، كان يتوقع أن يكون موقف الرابية منه أكثر <إنصافاً> وأن يُعامل على نحو يُعزز العلاقة بين الزعيمين، وهو فوجئ بأن العماد عون تعامل معه كـ<خصم> سياسي وليس كحليف، ولم ينظر الى ترشيحه من زاوية تحسين الشروط والظروف، بل من زاوية <المنافسة>، ما أثر سلباً على العلاقات الشخصية من جهة على مستوى القمة، وعلى العلاقات على مستوى القاعدة التي كانت تناغمت في السابق بعد انضمام فرنجية الى تكتل الإصلاح والتغيير، وإذ بها تجد نفسها اليوم على تباعد قسري نتيجة الخلاف على الترشيح الرئاسي. وإذ يسمع زوار بنشعي كلاماً من نوع <عدم تنازل البيك> عن قناعاته وثوابته، وعن عدم تقديمه أي وعود لا توافق عليها قوى 8 آذار، فإنهم يلاحظون أيضاً أن <البيك> الذي قال كلاماً واضحاً في حديث عبر برنامج <كلام الناس>، ينتظر <وضوحاً> مماثلاً في موقف قيادة حزب الله، لا تسريبات في وسائل الإعلام أو عبر النواب والصحافيين والمعلقين على أن يُبنى بعد ذلك على الشيء مقتضاه، علماً أن لا تراجع لدى فرنجية عن دعم الرئيس سعد الحريري الذي يمكن أن يلعب دوراً كبيراً في مواجهة التطرف التكفيري على الساحة السنية وتعزيز سياسة الاعتدال، وعليه، فهو ماضٍ في دعم وصوله الى السرايا الكبير مجدداً بعد انتخابه رئيساً للجمهورية. أما الحكومة الثانية لـ<العهد الفرنجاوي> فتختار رئيسها الأكثرية النيابية التي يُفترض أن تكون قد تكوّنت من الانتخابات النيابية العامة التي يُفترض أيضاً أن تجري بعد أشهرٍ قليلة من انتخاب الرئيس.

 

<السلة الشاملة>… من جديد

وسط هذه الصورة التي لا تحمل إيجابيات كثيرة، بل تدلل على بقاء الأطراف السياسيين على مواقفهم من دون تغيير أو تبديل، ثمة مراجع سياسية مطلعة تؤكد بأن الحديث في الاستحقاق الرئاسي سيتراجع خلال الفصل الأول من السنة الجديدة، من دون أن يغيب كلياً، وسيتقدم الحديث عن <الحل الشامل المتكامل> أو ما اصطُلح على تسميته <السلة> المتكاملة التي تتضمن الاتفاق على قانون جديد للانتخابات وشكل الحكومة وتركيبتها وصيغة بيانها الوزاري، فضلاً عن الاتفاق على التعيينات البارزة ولاسيما منها التعيينات الأمنية التي كانت سبباً في تعطيل جلسات مجلس الوزراء طوال الأشهر الماضية. وتقول المراجع السياسية نفسها ان لا بديل عن الاتفاق على <السلة الشاملة> لأنها هي من ستحدد مسار العهد الرئاسي الجديد، وان ما حصل في باريس هو اتفاق على جزء من السلة، وهو انتخاب رئيس الجمهورية من قوى 8 آذار في مقابل رئيس الحكومة من قوى 14 آذار، وفي ما عدا ذلك بقيت <المبادرة> ناقصة ما جعلها تترنّح حيناً وتنشط أحياناً، ثم تدخل في نطاق <الفرملة> ريثما تتبلور حصيلة الاتصالات وتتحدد مواقف الجهات القادرة والفاعلة، علماً أن ثمة مخاوف من أن يكون عامل الوقت ضد <المبادرة> فتتجمّد حتى إشعار آخر، ويبقى النائب فرنجية مرشحاً، وكذلك العماد عون… وتبقى الجمهورية من دون رئيس!

ويرى المتخوفون من التأخير أن الأحداث المتسارعة في المنطقة تبقى الأولوية للبحث الدائر حول الحلول الممكنة للحروب في سوريا والعراق واليمن، خصوصاً أن قرار مجلس الأمن حول الأزمة السورية وضع خريطة طريق للحلّ السلمي الشامل في سوريا، وهذا الحل يتطلب وقتاً قبل أن يعود الاستقرار السياسي والأمني الى الربوع السورية تفرضه معرفة ما ستكون عليه الأدوار الإيرانية والسعودية والروسية و<الحصص> الخاصة بكل دور وجهة… وقبل ذلك من الصعب استرداد الاستحقاق الرئاسي في لبنان، ولعلّ ما تسرّب مؤخراً عن موقف روسي <متقدّم> من الانتخابات الرئاسية يجعل الدخول العسكري الروسي في سوريا، دخولاً غير مباشر على الحياة السياسية العربية عموماً واللبنانية خصوصاً. وفي هذا السياق، نُقل عن السفير الروسي <الكسندر زاسبكين> قوله ان بلاده ترى أن أي حل للأزمة الرئاسية في لبنان يتطلّب <تفاهماً> مع حزب الله و<تواصلاً> مع العماد ميشال عون الذي لا يمكن تجاهل موقفـــــــــــــــــــــــــــــه في هذا الاستحقاق. وعليه، يرى المتابعون أن الأمور عادت الى نقطة البداية وان <مبادرة> الحريري – فرنجية ستبقى مطروحة من حيث المبدأ، لكن تنفيذها يحتاج الى <محرّكات دفع> لا تزال متوقفة!