27 September,2020

ما هي القاعدة المعتمدة في تكريم ”رجالات الاستقلال“ ولماذا تغييب الشهيدين بشير الجميّل ورشيد كرامي؟

حسناً تفعل الدولة اللبنانية، ممثلة برئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء، عندما تكرّم مجتمعة <رجالات الاستقلال> في اليوم الذي يسبق الاحتفال بعيد الاستقلال، ليس لأن تكريمهم واجب، بل لأن هؤلاء الرجال اقترنت أسماؤهم بالذكرى لأنهم إما سجنوا في قلعة راشيا، وإما انهم خاضوا معركة الاستقلال من خلال التظاهر أو الدعوة الى الاضراب والاعتصام، أو كانوا في حكومة الاستقلال التي اجتمعت في بشامون بعد اعتقال رؤساء الجمهورية والمجلس النيابي والحكومة وعدد من الوزراء.

وحسناً فعلت الدولة اللبنانية حين وحّدت التمثيل في وضع الأكاليل على اضرحة أو تماثيل رجالات الاستقلال فلم يعد هناك ممثل عن رئيس الجمهورية وآخر عن رئيس مجلس النواب وثالث عن رئيس مجلس الوزراء، بل ممثل واحد عن الرؤساء الثلاثة يضع اكليلاً عليه اسم <الجمهورية اللبنانية> الذي يختصر كل السلطات في احتفال مماثل وحبذا لو تنسحب هذه القاعدة (الممثل الواحد) على سائر الاحتفالات الرسمية والديبلوماسية والاجتماعية والصحية والتربوية الخ…

وفيما يبدو بديهياً استذكار الرؤساء بشارة الخوري وكميل شمعون وفؤاد شهاب وعادل عسيران وصبري حمادة ورياض الصلح وصائب سلام وعبد الحميد كرامي، والوزراء مجيد ارسلان وحميد فرنجية وحبيب أبو شهلا وبيار الجميّل وسليم تقلا والمرحوم عدنان الحكيم على أساس ان هؤلاء ساهموا بشكل أو بآخر باستقلال لبنان، فإن اللافت غياب قاعدة واحدة لتوصيف <رجالات الاستقلال> بدليل ان اسم الرئيس الشهيد رينيه معوّض واسم الرئيس الشهيد رفيق الحريري أضيفا الى القائمة (وهما لم يكونا في زمن الاستقلال)، فيما غابت أسماء آخرين استشهدوا وهم في موقع رئاسي مثل الرئيس الشهيد بشير الجميّل والرئيس الشهيد رشيد كرامي، علماً ان ظروف استشهادهما متشابهة، فالأول (بشير الجميّل) قضى بتفجير بيت الكتائب في الأشرفية على من فيه، والثاني (رشيد كرامي) استشهد نتيجة انفجار طائرة الهليكوبتر التي كانت تقله من طرابلس الى بيروت، وظروف استشهادهما مماثلة لظروف استشهاد الرئيس الشهيد رينيه معوّض الذي قضى في انفجار سيارة فيما كان ينتقل من مبنى السرايا (وزارة الداخلية حالياً) الى المقر الرئاسي المؤقت في الرملة البيضاء. والملفت ان تكريم ذكرى الرئيس معوّض يتم يوم الاستقلال (وهو ليس من رجالاته من حيث التاريخ والمناسبة) ولا يتم تكريم ذكرى رئيسين شهيدين هما بشير الجميّل ورشيد كرامي.

كذلك يغيب عن التكريم عدد من الذين وقعوا على العلم اللبناني بعيد اعلان الاستقلال، والذين اجتمعوا في مجلس النواب وأعدوا العلم باللونين الأبيض والأحمر تتوسطه الأرزة الخضراء مع جذورها ذات اللون البني، علماً ان ذوي عدد من هؤلاء

النواب الموقعين علىالعلم كانوا راجعوا مراراً الجهات المعنية من دون أن يأخذوا <لا حق ولا باطل> بل نالوا وعوداً، بدرس الموضوع.. ولا يزال الدرس مستمراً!

ويتضح ان لا قاعدة ثابتة لتوصيف <رجالات الاستقلال>، فإذا كان المقصود في هذا التوصيف الاستقلال الذي ناله لبنان في 22 تشرين الثاني (نوفمبر) 1943، فإن من بين المكرمين من لا دور لهم في الاستقلال وقد تم ادراج أسمائهم بعد ذلك لاعتبارات سياسية أو لإرضاء هذه الجهة أو تلك. أما في حال اعتبر هؤلاء من رجالات الاستقلال الثاني، فإن ثمة شخصيات أخرى قضت استشهاداً في تلك الفترة ينبغي تكريمها أيضاً ووضع أكاليل على أضرحتها وتماثيلها… علماً ان التاريخ يجب أن ينصب هؤلاء وتخلّد ذكراهم مثل غيرهم من صناع <الاستقلال الثاني>.. ولا بد بالتالي من إعادة النظر بالمكرمين ممن تنطبق عليهم صفة <رجالات الاستقلال> وفق مفهوم جديد للاستقلال، خصوصاً ان لبنان مر في تاريخه الحديث بمحطات استقلالية متنوعة، بدءاً من استقلال 1943 وصولاً الى <استقلال> العام 2005 بعد خروج القوات السورية من لبنان، ثم استقلال العام 2006 عندما تحررت أرض الجنوب من رجس الاحتلال الاسرائيلي.

في اي حال، تكريم <رجالات الاستقلال> واجب وطني له مدلولاته، لكن اختيار هؤلاء <الرجالات> يحتاج الى إعادة نظر وتقييم جديد مع اعتماد قاعدة واحدة لا تخرق مهما كانت الاعتبارات الشخصية أو السياسية، كما حصل حتى الآن.

ويذكر معنيون ان اسم الراحل الشهيد بيار الجميّل أضيف الى لائحة المكرمين في عهد الرئيس أمين الجميّل، وتحقيقاً للتوازن أضيف اسم الراحل عدنان الحكيم على أساس ان الجميّل والحكيم كانا يرأسان حزبي الكتائب والنجادة، وقادا التظاهرات الشعبية من الجميزة والبسطة ضد اعتقال الرؤساء والوزراء في قلعة راشيا، مطالبين باطلاق سراحهم واعلان استقلال لبنان.

يذكر ان التكريم يشمل زيارة قلعة راشيا حيث اعتقل أركان الدولة، فضلاً عن وضع اكليل على قاعدة تمثال فخر الدين عند مدخل وزارة الدفاع في اليرزة، وزيارة <بيت الاستقلال> في بشامون، ووضع اكليل على ضريح شهيد الاستقلال سعيد فخر

الدين الذي سقط برصاص الانتداب الفرنسي عندما كان يحرس مجلس النواب المجتمع احتجاجاً على اعتقال أركان الدولة في راشيا.