17 November,2018

مايا نصر ابنة الـ19 عاماً متفوقة في أهم جامعات العالم للتكنولوجيا وعلوم الفضاء!  

بقلم عبير انطون

photo-1-maya-nasr----2

تكره عملك؟.. <ناسا بحاجة لك> على المريخ!

تحت هذا العنوان، نشر موقع <سكاي نيوز> العربية في السادس عشر من الجاري خبراً تناقلته مختلف وسائل الاعلام جاء فيه: <بدأت إدارة الطيران والفضاء الأميركية حملة <مثيرة> حملت عنوان <ناسا بحاجة لك>، في محاولة لحث المغامرين بالتقدّم لوظيفة جديدة يبعد مقرها عن الأرض زهاء 400 مليون كلم. وموقع الوظيفة ليس إلا المريخ أما موعد البدء بالمهمة المستحيلة فلم تحدده بعد <ناسا>، التي قالت على موقعها الإلكتروني إنها تسعى لإرسال البشر إلى هذا الكوكب يوماً ما.

فإلى اي مدى هذا الخبر صحيح وجدي؟ وهل من كواكب مأهولة او يمكن تأهيلها للحياة البشرية غير كوكب الارض؟ ما الذي يجعل حلم الفضاء هدفا يسعى الكثيرون الى تحقيقه، الا ان قليلين جدا من يبلغونه كما تفعل الآن مايا نصر الطالبة اللبنانية المتفوقة في <التخصص في صناعة الصواريخ والمركبات الفضائية>؟

هذه الاسئلة حملناها الى مايا التي تزور لبنان لفترة وجيزة تعود بعدها الى عالمها واستكشافاته..

التفوق.. حليفي

بتعريف عن نفسها بدأت مايا حديثها الينا: <أنا من بلدة كفرفاقود في قضاء الشوف ولدي اخ واحد يكبرني. ولدت في العام 1997، منذ صغري وأنا أحلم بالفضاء وعلوم الصواريخ بتشجيع من اهلي. في البداية تكون هذه الطموحات في اطار الاحلام لا أكثر، ويعتقد من يسمعك بانها حلم صيف ويمر. شخصياً لم اتراجع يوماً عن تحقيق هذا الطموح. بدأت دراستي في مدرسة <دميت> الرسمية واكملتها في <شوف ناشيونال كوليدج> في منطقة بعقلين. ليس في العائلة من سبقني الى عالم العلوم الفضائية، فوالدي رضوان درس الفلسفة واهتماماته تنصب في مجالاتها. في السنة الاخيرة من شهادة <البريفيه> تقدمت لبرنامج < CCC Competitive College Club>، وهو برنامج من الـ<AMIDEAST> (مؤسسة تدعم الطلاب اللبنانيين المتفوقين للتقدم الى الجامعات الأميركية)، وقد ساعدني البرنامج للتقدم إلى الجامعات في أميركا، فضلا عن الامتحانات المطلوبة والمنح، وحصلت على منحة باسم <The Diana Kamal Scholarship Fund DKSSF>، وهذه المنحة ساعدتني لدفع كل مصاريف امتحانات <SAT> التمهيدية، وتأمين تكلفة الطلبات للجامعات المختلفة. تقدمت الى جامعة <ماساتشوستس الاميركية للتكنولوجيا» (MIT) وهي من الجامعات الاولى في العلوم والتكنولوجيا على صعيد العالم كله، وبعد ان اجتزت امتحاناتها الصعبة جدا بتفوق حصلت على مقعدي فيها، وهو مقعد من غير السهل ان يحصل عليه الطالب اللبناني او العربي عموماً، الا ان علاماتي المتفوقة اهلتني لذلك، وكنت الوحيدة من لبنان التي تم قبولها خاصة وانني لا احمل الجنسية الاميركية. كذلك فقد دخلت هذه الجامعة بعمر الستة عشر عاما ما يعتبر فريدا نوعاً ما، اذ كنت دخلت المدرسة في لبنان في عمر مبكر ايضاً وكنت الاصغر دائماً في صفي.

وتزيد مايا عن رحلتها العلمية:

– علاماتي العالية، ولاسيما في مادة الرياضيات وفي امتحاني الـ< S.AT 1> والـ<S.AT 22> (امتحانا دخول للجامعة في الرياضيات واللغة الانكليزية) جعلت الجامعة تخصني بمنحة لدراسة «هندسة علم الفضاء» في جامعة غالبية طلابها من الاميركيين، مع بعض الطلاب من جنسيات أخرى، من بينهم العرب الذين يحملون الجنسية الاميركية، في حين يختارون من غير حاملي الجنسية الاميركية عدداً محدوداً جداً من حول العالم. لا يمكنني ان أنكر المفاجأة التي شكلها قبولي في هذه الجامعة العريقة وقد غيرت حياتي برمتها. لأنه لو لم أحصل عليها كنت انوي التخصص في مجال الهندسة الميكانيكية الى جانب التخصص في الفيزياء في الجامعة الاميركية في بيروت.

انت او لا أحد..

وحول صعوبة هذه الدراسة تشرح مايا:

 – الدراسة صعبة جداً، فعليك إثبات أنه لا يمكن أن يقوم أحد بعملك كي يتم قبولك، وكوني من الشرق الأوسط في برنامج الفضاء احسب على انني ربما في الوضع الأسوأ، ولكنني أحاول بكل ما لدي، وأساتذتي يدعمونني دعما كاملا، وهم علماء عالميون يتميزون بالتواضع ويعاملوننا كأصدقاء، بل يحاولون تذليل الصعوبات خصوصا في حالتي كي أتمكن من الاستفادة من كل الفرص والمنح، ويكفي أن حصولي على الجائزة الأخيرة من الجامعة كان بترشيحهم لي. وهنا اشير الى ان صعوبة المواد تنطبق على الجميع بمستويات لا تتفاوت كثيراً ذلك ان نخبة العقول المتفوقة موجودة هنا، ما يجعل الحماس والتحدي أكبر ما بين الطلاب الموزعين بشكل متواز تقريباً ما بين الذكور والاناث.

وعما اذا عرفت مضايقات معينة كونها لبنانية في بلاد <العم سام>، تقول مايا ان هذه ليست غائبة تماماً، خاصة وان عدد الطلاب الاجانب محدود ويشمل مئة طالب فقط من كل دول العالم:

<بين أروقة الجامعة لا يمكن الحديث عن اي تمييز بين الطلاب ومن اي نوع كان، لكن خارجها او في المشاريع التي يتم التعاون مع الجامعة في صددها وخاصة في مجال الفضاء والدفاع، فإن مشاريع عدة يستثنى منها عدد من الطلاب الموجودة اسماء دولهم على لائحة ما يسمى بـ<نظم الاتجار الدولي في لوائح الأسلحة> (ايتار) (ITAR) (The International Traffic In Arms Regulations)، وهو يشمل عدداً من الدول وللأسف لبنان من بينها، ومحظور عليها أن تشارك في الملفات السرية للأسلحة والفضاء في الولايات المتحدة الأميركية. فالطلاب الصينيون مثلاً لا يمكنهم المشاركة في مشاريع محددة خوفا من المنافسة وكشف الاسرار، فيما تستثنى دول اخرى لاعتبارات <ارهابية> او عدائية او غيرها.. وفي هذا الصدد كشفت لنا مايا انه تم قبولها في مشروعين مع وكالة <الناسا> هذا الصيف، أولهما هو <Starshade> والثاني <2020 Mars Rover> لصالح وكالة <ناسا> في كاليفورنيا في مختبر <الدفع النفاث Jet Propulsion Lab JPL> وبعد ان حصدت القبول، تم الاعتذار منها من خلال البريد الالكتروني. فهي من لبنان، احدى الدول العربية التي تمنع عنها المشاركة في هذه المشاريع لمن لا يحملون الجنسية الأميركية.

الكلية الملكية.. والتدريبات

 

 عقبة <المنع> بسبب الجنسية لم تثنِ مايا عن متابعة البحث عما يغني مسيرتها العلمية، فتقدمت لبحث في <الكلية الملكية Imperial College> في لندن، بتوصية من أفراد في الهيئة التعليمية في جامعتها… وقُبلت، وكنت الطالبة اللبنانية الوحيدة في جامعة تعتبر من أهم الجامعات في العالم في مجال الهندسة وخصوصاً في مجالي، ويشكل هذا البحث الذي سأقوم به في لندن إضافة كبيرة إلى اختصاصي وسيرتي الذاتية وسأستمر فيه حتى نهاية آب/ أغسطس. تعتبر مايا هذا القبول خطوة مهمة في عالم الصواريخ والمركبات الفضائية، حيث تتمنى تحقيق حلمها بجعل الناس أقرب من معرفة الفضاء ودراسته، ولتؤكد أن المرأة بشكل عام والمرأة اللبنانية بشكل خاص قادرة بإرادتها أن تصل إلى أعلى المراتب وفي مجالات علمية متطورة ومتقدمة.

خضعت مايا في دراستها لتدريبات عدة منها <تدريب Stage> في برنامج <Zero Robotics> الذي أعدته <ناسا> حيث كانت مساعدة ومشرفة على التلامذة في المدارس الاميركية، فضلا عن برنامج للاقمار الصناعية يعرف باسم photo-4-maya---1<Spheres>، وهو عبارة عن أقمار صناعية موجودة في الفضاء حالياً، وتحديداً في «محطة الفضاء الدولية» <International Space Station> المعروفة اختصاراً بـ<ISS>.

 كذلك فإنها، ورغم الحظر، تعمل حالياً بالعديد من المشاريع بالتعاون مع وكالة <ناسا>، ولكنها ضمن برنامج الجامعة، أولها < MIT Kit Cube Satellite Project> وهي مسؤولة في هذا المشروع عن نظام <الدفع النفاث Propulsion System>، وسيطلق إلى القمر في العام 2018 <على منظومة الدفع الفضائي SLS Space Launch System>، والمشروع الثاني هو <MOXIE> أو <Mars 2020 Rover> وهو ابتكار آلة  تحول ثاني أوكسيد الكربون الموجود بشكل كبير على المريخ إلى أوكسجين، وبهذا يستطيع رواد الفضاء التنفس، وهي الوحيدة التي تعمل في هذا المشروع من دفعتها. أما المشروع الثالث فهو بحث حول دوران رواد الفضاء في الجاذبية المنخفضة < Astronauts Rotation in Microgravity>، ويشرف عليها في هذا البحث رائد الفضاء والبروفيسور المعروف في معهد (MIT) <جيفري هوفمان Jeffrey Hoffman>.

رواد الفضاء..

ليس <جيفري هوفمان> وحده من سنحت لمايا الفرصة للتعرف به: سنحت لي الفرصة بمقابلة جميع رواد الفضاء، والتواصل مع معظمهم على <محطة الفضاء الدولية> يومياً، وقابلت الكثيرين من رواد الفضاء القدماء والذين تجاوزت أعمار بعضهم الثمانين، أما حلمي فهو أن أقابل <ستيفن هوكينغ>، وهو بنظري أسطورة حية، وأتمنى أن أقابله خلال وجودي في الكلية الملكية في لندن.

وحول مجال عملها لاحقا، واحتمال عودتها الى لبنان حيث يغيب الاهتمام الفضائي او القدرة على صناعة الصواريخ واطلاقها، تؤكد لنا مايا ان مجال عملها لن يكون في بلدنا بالطبع، وقد يتسنى لها العمل خارجا بعد حصولها على اوراق رسمية تؤهلها للعمل هناك: <سأتابع الدراسة حتى أحصل على درجة <الماجستير> والدكتوراه، وربما الحصول على عمل، وعندئذٍ قد يمكن حل مشكلة الجنسية التي تزداد صعوبة الحصول عليها بسبب الاحداث الدامية التي يشهدها العالم وما عرفته اميركا تحديداً وآخرها مجزرة <اوهايو> منذ فترة وجيزة>.. اما الزواج والعائلة فليسا من المشاريع الملحة ابداً على جدول اعمالها.

وفي طلبنا من مايا التعليق على الخبر الذي اوردناه في بداية هذا المقال عن تأهيل كوكب المريخ للاستيطان فيه تقول العالمة الصغيرة:

– نعم اعرف عن هذا الموضوع وهو جدي وحقيقي، وقد طلبت <الناسا> تقديم <الابليكيشن> او النماذج للذين يريدون الدخول في هذه المهمة منذ العام 2014 حتى يصبح الامل بالسكن في المريخ ممكناً مع حلول العام 2030، علماً ان هذه المرحلة بحسب اعتقادي لا تزال بعيدة، وهي تتطلب الكثير من التدريبات والابحاث والجهود. كذلك فإن شركة <سبيس اكس SpaceX> (مؤسسة أميركية لتكنولوجيا الفضاء) لصاحبها <ايلون ماسك Elon Musk> كانت قد اعلنت من جانبها انها تستطيع تحقيق ذلك بحلول العام 2025، اي قبل <الناسا>. وكانت شركة <مارس وان> الهولندية قد أطلقت أيضاً عام 2012 برنامجاً يستهدف بناء مستعمرة بشرية دائمة على سطح <الكوكب الأحمر> بحلول عام 2025.

 تؤكد مايا ان طلبات كثيرة تم التقدم بها لوكالة <الناسا> من قبل رواد فضاء ومهتمين، غالبيتهم من الذين يخدمون في الجيش او في المطارات الاميركية تحت عنوان <البيت الآخر ANOTHER HOME>، في حال تعرض كوكب الارض لاي خطر كبير. وتزيد: شخصياً لا يمكنني التقدم بمثل هذا الطلب لصغر سني، علماً انني أحلم بأن اكون جزءاً من هذا المشروع.

وعن امكانية وجود حياة على كواكب اخرى، اكدت مايا جزمها للموضوع: <بالتأكيد هناك حياة على كواكب أخرى اذ لا يمكن لهذا الكون بالشكل الموجود فيه إلا ان يكون فيه حياة أخرى، وقد لا تتخذ الأشكال التي نعرفها نحن اهل الارض>.

 واخيراً نشير، لمن يهمه الأمر، بان وكالة <ناسا> استهدفت  في إعلانها مختلف القطاعات حيث ذكرت أنها بحاجة إلى مدرسين ومساحين ومزارعين ومهندسين وتقنيين ليعملوا على المريخ، الذي يبدو أنه سيستضيف مستوطنات بشرية لوقت طويل الأمد، على أن ترسل أول مجموعة متطوعين من غير عودة عام 2021.