19 December,2018

”ماكرون“ أرجأ زيارته لبيروت الى ما بعد الانتخابات كي لا تتهم باريس بالتأثير على نتائجها والتدخل فيها!  

عون-فوشيهلم يفاجأ لبنان الرسمي بما أبلغه السفير الفرنسي في بيروت <برونو فوشيه> لرئيس الجمهورية العماد ميشال عون الاسبوع الماضي عن تأجيل زيارة نظيره الرئيس <ايمانويل ماكرون> للعاصمة اللبنانية التي كانت مقررة في النصف الأول من شهر نيسان/ أبريل المقبل، وتحديداً في 11 و12 منه. ذلك أن كل الإشارات التي كانت ترد من باريس كانت <تؤشر> الى أن الزيارة الرئاسية الفرنسية لن تتم في موعدها الذي تقرر خلال زيارة الدولة التي قام بها الرئيس عون لباريس في نهاية شهر ايلول/ سبتمبر الماضي. صحيح أن خبر تأجيل الزيارة <أربك> المسؤولين اللبنانيين الذين كانوا يتمنون أن تتم في موعدها المقرر مبدئياً، إلا أن الصحيح أيضاً أن السفير <فوشيه> طمأن اللبنانيين بأن تأجيل الزيارة لبيروت (بعد زيارة مماثلة كان الرئيس <ماكرون> يعتزم القيام بها أيضاً الى العراق) لن يؤثر على مؤتمر <سيدر> المزمع عقده في باريس لدعم الاقتصاد اللبناني باستثمارات جديدة، لأن هذا المؤتمر سيبقى على موعده في 6 نيسان/ أبريل المقبل على أن يعقد اجتماع كبار الموظفين الذي سوف يمهد لـ<سيدر> في 29 آذار/ مارس الجاري بعد اجتماع الخبراء الاقتصاديين المقرر في النصف الثاني من الشهر الجاري، وبالتالي فإن باريس ماضية في التحضير له وقد قطعت شوطاً كبيراً من خلال الاتصالات التي أجرتها مع الدول المشاركة والتي يبلغ عددها مبدئياً نحو 40 دولة.

إلا أن السؤال الذي شغل الأوساط الرسمية والسياسية اللبنانية على حد سواء تمحور حول الأسباب التي دفعت الرئيس <ماكرون> الى إرجاء الزيارة الى وقت لاحق (يرجح أن يكون في حزيران/ يونيو أو تموز/ يوليو)، والمعطيات التي أملت عليه اتخاذ هذا القرار. وفي هذا السياق قالت مصادر معنية لـ<الأفكار> أن تقارير عدة رُفعت الى قصر <الاليزيه> حول الزيارة الرئاسية الفرنسية للبنان وما يمكن أن تحمله من أبعاد خصوصاً أنها كانت ستتم قبل شهر بالتمام من الانتخابات النيابية اللبنانية المقررة في 6 أيار/ مايو المقبل، وذلك لجهة الإيحاء بأن باريس أرادت الزيارة لتوجيه رسائل الى اللبنانيين عشية اقتراعهم لمجلس نيابي جديد يفترض أن يستمر أربع سنوات، وبالتالي إمكانية القول بأن فرنسا تدعم هذا الفريق السياسي أو ذاك في الانتخابات، وهو أمر غير وارد في الحسابات الفرنسية مطلقاً لأن الإدارة الفرنسية عازمة على البقاء على الحياد الكامل في هذا الاستحقاق النيابي، وليس وارداً بالنسبة الى الرئيس <ماكرون> تكرار الخطأ الذي وقع فيه الرئيس الفرنسي الأسبق <جاك شيراك> في العام 2005 عندما جاهر بدعمه فريق 14 آذار تحت تأثير تداعيات اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه عامئذ، كما أن <ماكرون> ليس مثل الرئيس <نيكولا ساركوزي> الذي قارب انتخابات 2009 على نحو سبّب انتقادات للموقف الفرنسي آنذاك.

 

حكومة ما بعد الانتخابات

وتضيف المصادر نفسها أن الرئيس <ماكرون>، الذي وضع <كل ثقله> لتصحيح العلاقات اللبنانية – الفرنسية ودفعها الى الأمام، يريد أن ينتظر الى ما بعد الانتخابات النيابية لمعرفة كيف سيستقر المشهد السياسي اللبناني الجديد وما ستفرزه صناديق الاقتراع في تركيبة مجلس النواب وتوزّع القوى السياسية فيه ليصار الى التعاطي مع هذا الواقع في ضوء المستجدات فيه. إضافة الى أن حكومة جديدة يفترض أن تشكل بعد 21 أيار/ مايو المقبل على أثر بدء ولاية المجلس النيابي الجديد، فيما <ماكرون> وإدارته يرغبان في التعاون مع التركيبة الحكومية الجديدة القادرة على الالتزام بتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه بعد مؤتمر <سيدر> من جهة، وحسب ما تكون قد <رست> عليه طبيعة العلاقات بين البلدين من جهة اخرى، في حين أن الحكومة الحالية <غرقت> في المناخ الانتخابي ولن تكون في شهر نيسان/ ابريل المقبل قادرة على اتخاذ أي إجراء أو الوفاء بأي التزام كونها حكومة راحلة حكماً بعد 20 أيار/ مايو المقبل وليس في مقدورها تحقيق أي إنجاز أو إلزام لبنان بأي تعهدات سياسية أو اقتصادية. من هنا، فإن المصادر المتابعة رجحت حصول الزيارة الرئاسية الفرنسية في أواخر شهر حزيران/ يونيو المقبل أو في النصف الأول من شهر تموز/ يوليو، وهذه التواريخ يفترض أن تكون شُكلت فيها حكومة جديدة ونالت ثقة مجلس النواب بحلته الجديدة.

إلا أن ثمة مصادر مطلعة ذكرت لـ<الأفكار> أن مستشاري الرئيس <ماكرون> <نصحوه> بتأجيل الزيارة الى ما بعد الانتخابات النيابية في انتظار بلورة المشهد ليس في لبنان فحسب، بل أيضاً في الجوار اللبناني لاسيما في سوريا التي لا تزال تشهد تقاتلاً على أكثر من محور، وبالتالي فإن لبنان يتأثر بما يجري حوله من النواحــــــــــــــــــــــــي كافة. وفي رأي المصادر المطلعة نفسها أن أي تحرك فرنسي تجاه لبنان لا يمكن فصله عن المستجدات في الجوار اللبناني خصوصاً في سوريا والعراق، علماً أن جولة <ماكرون> ستشمل بغداد وبيروت في آن واحد، على أمل أن يختلف الوضع في حزيران/ يونيو أو تموز/ يوليو المقبلين عما هو عليه حالياً. وما يعزز هذا الانطباع استناداً الى المصادر نفسها، كون باريس تسعى منذ تسلّم الرئيس <ماكرون> الى محاولة عزل لبنان عن محيطه وعن ارتدادات التنافس الاقليمي على أرضه لمساعدته على جبه التحديات التي يواجهها وتثبيت الاستقرار الأمني والاقتصادي فيه. ولا تزال باريس مع إدارة <ماكرون> مقتنعة بأن لبنان يواجه مخاطر تهدد استقراره جراء التوترات بين ايران والسعوديـــــــــــــــــــة، وبالتالي فإن الاستقرار مفيد ليس للبنان فحسب بل للمنطقة بأجمعها والتي تعيش وضعاً هشاً، لذلك تحركت باريس بعد أزمة <استقالة> الرئيس سعد الحريري في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي لوضع حد للملابسات التي رافقت <الاستقالة>، كما حرّكت مؤتمر مجموعة الدعم الدولية للبنان في 8 كانون الأول/ ديسمبر الماضي بهدف تذكير الجميع بسياسة النأي بالنفس التي يعود الى السلطات اللبنانيــــــــــــــــــــــة واللاعبين على الساحة الداخلية والقوى الاقليمية، الامتثال لها وتأكيدها حفاظـــــــــــــــــــــــاً على الاستقرار الداخلي. كذلك كانت لفرنسا منذ بداية الصراع في سوريا وتوافد النازحين الى لبنان مخاوف على الوضع الاقتصادي عموماً، لاسيما بعدما شهد الإنماء تدنياً ملحوظاً على مستويات حرجة لم يعد معها بإمكان العجلة الاقتصادية تأمين مجالات عمل للشباب اللبناني فارتفعت نسبة البطالة.

الحريري-ماكرونالدعم الفرنسي مضمون للمؤتمرات!

وأكدت المصادر نفسها أن تأجيل الزيارة الرئاسية الفرنسية لبيروت حالة منفصلة عن الدعم الفرنسي لعقد مؤتمر دعم الجيش والقوى المسلحة اللبنانية في روما والذي سوف تشارك فيه نحو 35 دولة عربية وأجنبية بهدف الاستجابة للمتطلبات التي وضعتها قيادة الجيش والمديرية العامة لقوى الأمن الداخلي لتعزيز القدرات الدفاعية. وقد تحركت باريس مع الحكومة الايطالية ومجموعة الدعم الدولية للبنان من خلال الاتصال بالعديد من الدول لحشد أكبر عدد ممكن من المشاركين، في وقت تعمل باريس على تشجيع الرياض على إعادة تفعيل هبتها التي تبلغ قيمتها 3 مليارات دولار، خصوصاً أنه تم تصنيع الكثير من المعدات العسكرية التي تغطيها الهبة السعودية. كذلك دعمت فرنسا المؤتمر المزمع عقده في باريس <سيدر> لدعم الاقتصاد اللبناني من خلال الجولات المكوكية التي قام بها السفير <بيار دوكين> على عدد من الدول لحضها على المشاركة بشكل فاعل وقد نجحت في تأمين حضور أكثر من 40 دولة ومنظمة دولية حتى الأسبوع الماضي. وتشير المعلومات الأولية الى أن الهدف من مؤتمر <سيدر> إعطاء دفعة زخم للاقتصاد اللبناني، ووضع خطة شراكة بين القطاعين العام والخاص لتنفيذ المشاريع الإنشائية، وكذلك إقامة شراكة ثلاثية بين القطاع الخاص في لبنان والدول المشاركة والدولة اللبنانية. ومن بين الدول المشاركة في وضع هذه الخطة، فرنسا وألمانيا والولايات المتحدة الأميركية والشركاء الاقليميون والمنظمات الدولية والاتحاد الأوروبي ومنظمات الأمم المتحدة للتنمية والبنك الدولي. وكانت الاشارة الفرنسية واضحة للدولة اللبنانية لجهة تشجيعها على القيام بالإصلاحات الضرورية لمزيد من الشفافية التي تؤدي الى زيادة عدد المستثمرين من القطاع الخاص والى تعزيز صدقية البرنامج الاقتصادي الكلي. ويتزامن انعقاد مؤتمر <سيدر> في 6 نيسان/ أبريل المقبل مع انعقاد مؤتمر اغترابي في اليوم التالي (أي في 7 نيسان/ ابريل) لدعم مقررات <سيدر> تشارك فيه الطاقات المنتجة في بلاد الاغتراب ويعرض خلاله عدد من المشاركين طرق النجاح واستثماراتهم في لبنان وسبل تعزيزها.

ولا يغيب الدعم الفرنسي عن المؤتمر الثالث الذي يحضّر لدعم لبنان ايضاً في بروكسل في منتصف نيسان/ ابريل المقبل لدعم النازحين السوريين والمجتمعات التي تستضيف هؤلاء النازحين، والذي يأتي استكمالاً لمؤتمري لندن (2016) وبروكسيل (2017).

في أي حال، تؤكد المصادر المتابعة أن الرئيس <ماكرون> عازم، قبل زيارة بيروت، أن يكون ساهم في تحقيق <إنجازات> في ما خص مساعدة لبنان كما كان قد وعد الرئيس عون خلال زيارة الدولة لباريس في ايلول/ سبتمبر الماضي، وكذلك ما التزم به تجاه الرئيس سعد الحريري الذي تواصل مع <ماكرون> في الأيام القليلة الماضية في إطار التنسيق المباشر معه قبل بدء المؤتمرات المشار إليها.