14 November,2018

مارون الخولي رئيس الاتحاد العام للنقابات العمالية: حقوق المرأة في العمل منتهكة بشكل كامل والدليل هو المرأة الحامل رنا حبشي

 

بقلم طوني بشارة

 
رن--------1ا-حبشي-وزوجها-جاك-ديميرجيان-وابنتيها-رومي-وكيرا

تشير إحصاءات النقابيين بصرف الآلاف من العمال سنوياً، نحو 15 ألف عامل في السنوات الاخيرة بهمة بعض اصحاب العمل الذين اظهروا براعة فائقة وتفنّناً في التحايل على القانون وانتهاك حقوق العامل لجهة عدم التصريح عنه للضمان الاجتماعي تحت عنوان عامل مياوم وفقاً للمادة <58> التي تعفيه من متوجبات المواد <50> و<39> وتقديمات أخرى نص عليها قانون العمل، مستغلاً في ذلك حجم البطالة الهائل الذي يتزايد في كل سنة، وهشاشة وتواطؤ اجهزة الرقابة في وزارة العمل والضمان الاجتماعي مع المؤسسات وأربابها.

 

غير مصرح عنهم للضمان

ويؤكد النقابيون أن 50 بالمئة من المؤسسات العاملة غير مصرّح عنها للضمان الاجتماعي، فيما لا يتجاوز عدد العمال المسجلين في الضمان المصرح عنهم حوالى 50 بالمئة، ولغاية اليوم لم يصدر المرسوم التطبيقي لقرار مجلس الوزراء الصادر في 27/2/1996 والذي نصّ على الموافقة على إفادة فئات جديدة من العمال اللبنانيين من تقديمات الصندوق، واللافت أيضاً انّ 70 بالمئة من المؤسسات لا تدفع لأجرائها المنح المدرسية وبدل النقل، وتبلغ نسبة العمال الاجانب في شركات التنظيفات مثلاً 100 بالمئة فيما تتخطّى نسبتهم في قطاع المحروقات الـ55 بالمئة من السوريين و18 بالمئة من المصريين الذين دخلوا البلد خلسة مقابل 7 بالمئة للعمال السودانيين، فيما لا تتجاوز نسبة اللبنانيين الـ4 بالمئة من حجم العمال الكلّي، وما يشجّع اصحاب العمل على كل هذه الانتهاكات الصارخة هو الشلل الكامل لدور وفاعلية <مجلس العمل التحكيمي> الذي يحتوي في إحدى غرفه التابعة لمحافظة جبل لبنان حيث الثقل الصناعي ما لا يقل عن 30 ألف دعوى غير ناجزة، يتضمن 90 بالمئة منها مشاكل الصرف التعسفي، علماً انه يجب ان تبتّ خلال ثلاثة شهور كحد أقصى وفقاً لقانون العمل.

 

الشركات والعقود اليومية

 

وقد بات شائعاً أن <العقد شرعة المتعاقدين>، لذا نرى ان 90 بالمئة من الشركات اللبنانية تستبدل مبدأ الحفاظ على ديمومة العمل بمبدأ آخر، هو العقود اليومية، مستغلّة في ذلك حاجة المواطن الملحّة الى العمل، نتيجة حجم البطالة الهائلة في البلد، فتتعاقد معه وفق شروط تفرضها على العامل. <قانوناً لا ضير في ذلك> على اعتبار ان هذا العقد اليومي يدخل في دائرة المحظور القانوني عندما يمعن صاحب العمل بالتحايل على القانون وتجديد العقد دورياً، فيبطل مبدأ <العقد شرعة المتعاقدين>. كما ان اصحاب العمل اليوم يفرضون عقوداً على العامل لا تتجاوز مدتها السنة استناداً الى المادة 58 من قانون العمل اللبناني وهم يبغون من ذلك التخلّص من اعباء الفقرة (أ، ب) من المادة 50 المتعلقة بتعويض الصرف وشهور الانذار، والفقرة (و) من المادة 39 المتعلقة بالاجازات السنوية بالاضافة الى بقيّة الحقوق التي تتضمن ملحقات الراتب بما تشمل من منح مدرسية وبدل النقل وساعات اضافية واجارات على انواعها الخ…. وكل هذا <يوفرونه على انفسهم> تحت عنوان <عامل يومي>، مما يعني أن الشركات باتت تتاجر بتعب العمال فيما لا يحق لأحد ان يتاجر بلقمة عيش العامل، وهي بذلك تقوم بانتهاك صارخ لأدنى حقوق الإنسان، وهذا من المحرّمات في اعرافنا وتقاليدنا الاجتماعية والدينية.

الصرف من العمل مشكلة العصر

في السنوات الماضية صرفت شركات لبنانية العديد من العمال بحجة الاوضاع الاقتصادية الصعبة، واتجهت مؤسسات الى إعلان افلاسها وصرف موظفيها دون تعويضات تذكر، هذا الواقع اعتاد عليه اللبناني منذ زمن بعيد، نظراً لغياب المحاسبة الفعالة من قبل مجالس التحكيم، ووزارة العمل، ولأن دولة القانون والمؤسسات ليست سوى نصوص لا تمت بصلة الى الواقع، ولكن هل يعقل ان تصل اللامبالاة الى حد التغاضي عن الجانب الانساني المفترض توافره لدى ادارة الموارد البشرية التي لجأت في الآونة الاخيرة الى تنفيذ عملية صرف سيدات حوامل من العمل بحجة التغيب المتكرر؟

بين الظروف المالية المتعثرة، وغياب فرص الاستثمار، والاقتصاد المنكمش، بات العامل للأسف وأياً كان جنسه، وجهاً لوجه مع ارباب العمل، يلجأ الى الشارع تارة لرفع الصوت، وطوراً يبحث عن فرصة اخرى بشروط مغايرة، وإلا فإن الهجرة خياره الاول والاخير.

هذا الواقع غير القانوني والمجحف بحق العامل لا يعود بالدرجة الاولى الى ارباب العمل، بل الى تجاهل القوانين المرعية، وغياب المحاسبة الفعالة، ليطرح السؤال الابرز من اين يأتي هذا القصور؟ وهل فعلاً غلبت المصلحة المادية لأرباب العمل على الجانب الاخلاقي والانساني المفترض التعامل به مع الموظفين التابعين لهم؟ وهل يحق لهم عدم ادخال الموظفين الى الضمان؟ وما نتيجة هذا التحايل؟ وهل هناك فعلاً غبن بحق العمال لاسيما السيدات الحوامل؟

وما قضية رنا حبشي؟ وهل يحق لرب العمل طردها بالرغم من حملها؟ اسئلة عديدة للإجابة عنها قابلت <الافكار> رنا حبشي كما التقت رئيس اتحاد عام النقابات العمالية في لبنان مارون الخولي.

 

رنا حبشي وقضية الصرف التعسفي

حبشي اعلمتنا بأنها بدأت عملها مع بداية العام لدى شركة هندسة تدعى <sdt>، بمعاش جيد نوعاً ما، ومع بداية عملها استدعاها السيد تابت ليعلمها بأنها حالياً تمر بفترة تجربة لمدة ثلاثة اشهر وسيتم التصريح عنها للضمان بعد مرور الفترة التجريبية.

وتابعت حبشي قائلة:

– انقضت فترة التجربة فاستدعاني مدير الموارد البشرية ليعلمني بأنني قد اجتزت هذه المرحلة بنجاح وأصبحت من عداد الموظفين التابعين لشركة <sdt> وتم التوافق على قيمة المعاش الأساسي وعلى ملحقات الأجر، وسألته عن الضمان فأبلغني بأن الأوراق أصبحت جاهزة والتأخير لن يتجاوز الأسبوعين كحد أقصى وهو أمر طبيعي وعائد للروتين الإداري ولا مشكلة اطلاقاً لدى شركتهم بالتصريح عني للضمان. فرحت بما سمعته لكوني كنت مضمونة في عملي السابق لدى شركة هندسة معروفة والسبب الرئيسي لترك عملي السابق هو الطمع بالمعاش المرتفع نوعاً ما الذي تدفعه شركة <sdt> قياساً مع معاشي لدى الشركة السابقة.

وزادت حبشي قائلة:

– لم ينقضِ شهر على فترة تثبيتي حتى قررت وزوجي جـــــاك ديميرجيــــان انجـــــاب طفــــــل آخــــر علمـــاً ان لدينا فتاة تدعى رومي، وبعد ان تأكدت من كوني حاملاً طلبت مقابلة المسؤول عن قسم الموارد البشرية لأعلمه بالأمر، وفي سياق الحديث سألته عن أوراق الضمان، فأعلمني بأن عملية التصريح تنتهي بحد أقصاه الأسبوع المقبل، وكان لطيفــــاً ومتعاونــــاً معــي وأبلغنــــي بــأن المــــرأة الحامل تعامل معاملة خاصة من قبل الشركات لكونها محصنة قانوناً.

قسم الموارد البشرية والتهرب من المسؤولية

 

واستطردت حبشي:

– لكن للأسف وبعد إجراء الفحوصات اللازمة لكل امرأة حامل ابلغني الطبيب المعالج بأنني اعاني من نقص حاد في مادة <البوتاسيوم> وحالتي تستدعي الدخول الى المستشفى وتلقي علاج لمدة شهر تجنباً لأي مضاعفات صحية قد اتعرض لها انا وطفلي. دخلت المستشفى ومن ثم اتصلت بقسم الموارد البشرية طالبة الإسراع بتجهيز أوراق الضمان اللازمة لتغطية حساب المستشفى، فتم ابلاغي بأن اوراقي لم تكتمل بعد، وفي الوقت نفسه طلب مني مدير الموارد البشرية الاهتمام بصحتي وصحة الطفل وأبلغني بأن غيابي مبرر ومكاني بالعمل محفوظ حتى انتهاء فترة العلاج، علم زوجي جاك بالامر، وتمكن بفضل معارفه من ادخالي الى المستشفى على حساب وزارة الصحة. مكثت أسبوعين في المستشفى وعدت الى المنزل لمتابعة العلاج (إبر ومصل….. …. وادوية….. ).

ثم أضافت:

– بعد مرور أسبوع تقريباً أعطيت بطاقتي المصرفية لزوجي جاك وطلبت منه سحب مبلغ من المال من راتبي، مساء عندما عاد زوجي الى المنزل سألته عن قيمة المبلغ الذي تم تحويله الى حسابي من قبل الشركة فحاول التهرب من الإجابة ولكن بسبب إصراري ابلغني بأنه لم يتم تحويل أي مبلغ الى حسابي. في اليوم التالي اتصلت بالقسم المالي لدى شركة <تابت>، فأبلغوني بأن قسم الموارد البشرية اعلمهم بأن إجازتي بناء لطلبي هي إجازة غير مدفوعة وليست كما يبدو إجازة مرضية، عاودت الاتصال بقسم الموارد البشرية لمعرفة سبب تحويل إجازتي من إجازة مرضية الى إجازة غير مدفوعة، فبادرني بالقول إن الخطأ وارد وسيتم تصحيحه والتعويض عليّ مع بداية الشهر المقبل، فحقوقي محفوظة حتى ولو اضطررت للتغيب طيلة فترة الحمل.

تابعت حبشي:

– لم اطمئن لحديثه وانتظرت بفارغ الصبر مرور ما يقارب الأسبوع تقريباً من بداية الشهر وارسلت بطاقة المصرف مع زوجي لأتفاجأ بأنه حتى تاريخه لم يتم تحويل أي مبلغ مالي الى حسابي.

المدير المسؤول وعدم مسؤوليته

 

وأكملت حبشي تقول:

– عند ذلك طلب مني زوجي جاك مرافقته الى مكتب الأستاذ مارون خولي لأخذ رأيه بالموضوع، فتفاجأ الأستاذ خولي بما جرى معنا واتصل بالشركة ليتم اعلامه بأنني مفصولة عن العمل، عندئذٍ تم ارسال إنذارات متكررة الى الشركة لدفع رواتبي ولكن دون جدوى، فما كان من الأستاذ خولي إلا أن طلب مني رفع دعوى قانونية، فوجهنا شكوى الى وزارة العمل وشكوى أخرى الى مجلس العمل التحكيمي، وتم تعيين موعد من قبل وزارة العمل بغية الوساطة بيني وبين الأستاذ تابت، وبُلّغ تابت بموعد اللقاء، ولكنه لم يحضر وهذا الامر دليل بأنه غير جدي وغير مسؤول. وأنا حالياً بانتظار ما يقرره <مجلس العمل التحكيمي> بالنسبة لقضيتي، فلدي بذمة شركة <تابت> معاشات شهرية لمدة 11 شهراً، ناهيك عن تكلفة الادوية والاستشفاء، علماً ان زوجي منذ شهر تقريباً نقلني الى ضمانه (وهو موظف لدى شركة اتصالات خاصة).

الخولي وحماية المرأة الحامل

كمجلة مسؤولة حاولنا الاتصال بالاستاذ تابت ولكن دون جدوى، فتوجهنا الى رئيس الاتحاد العام للنقابات العمالية الأستاذ مارون الخولي الذي أكد لنا بأن المواثيق الدولية لمنظمة حقوق الانسان كما مواثيق منظمة العمل الدولية ركزت على ضرورة حماية المرأة العاملة الحامل، كما ان المشترع اللبناني، وانطلاقاً من هذه المواثيق اجرى تعديلات عدة لقانون العمل من اجل حماية المرأة الحامل وزيادة فرصة الأمومة التابعة لها. واللافت ان المشترع اللبناني منع وبشكل كامل توجيه أي انذار للمرأة الحامل خاصة بالأشهر الأخيرة ما قبل الولادة، ونص على انه مع ابراز شهادة صحية بأنها حامل يمنع توجيه أي انذار لها، كما ان قانون العمل اللبناني اجرى حماية إضافية للمرأة الحامل لكونها بسبب ظروفها الصحية تعتبر غير قادرة على تحمل مصاعب العمل.

 

الخولي: فترة التجربة هي بدعة لتهرب ارباب العمل من المسؤولية

ــ بالعودة الى قضية رنا، هل يحق لصاحب العمل عدم التصريح عن العمال والموظفين؟

– يجب التصريح عن العامل اللبناني للضمان فور مباشرته بالعمل، وما يسمى بفترة الثلاثة اشهر التجريبية هو بدعة ابتكرها أصحاب المؤسسات للتهرب من الروتين الإداري، والقانون اللبناني لاسيما قانون الضمان قاسٍ جداً من ناحية الغرامات، وبالرغم من ذلك يتهرب ارباب العمل من تسجيل العمال والتصريح عنهم.

وتابع الخولي:

– لذا يجب ان يكون هناك تشديد بتنفيذ القانون وعلى إدارة الضمان ارسال مفتشين تابعين لها بشكل مستمر، وبحالات الشكاوى المشابهة لحالة رنا حبشي يجب ان يبادر الضمان الى الاقتصاص من رب العمل وإلزامه بدفع الغرامة.

واستطرد الخولي قائلاً:

– قضية رنا مؤشر على ان حقوق المرأة في العمل منتهكة بشكل كامل فالرجل يضمن زوجته بينما المرأة العامل لا تستطيع ان تضمن زوجها، وعلى المنظمات النسائية اعتبار ما حصل في قضية صرف المرأة الحامل خطاً أحمر كما عليها ان تناضل بمجال سوق العمل لتحصين المرأة العاملة الحامل.

ــ هل ان تبريرها لغيابها هو قانوني؟ ولماذا تصرف رب العمل على هذا الشكل مع رنا حبشي؟

– ان رنا فور دخولها الى المستشفى بررت غيابها بالاتصال الشفهي، فحالتها حالة خاصة وكان هناك خطر كبير عليها وعلى الجنين كما تثبت التقارير الطبية التي أرسلت في ما بعد الى المؤسسة، ولكن للأسف في لبنان حمل المرأة العاملة يرعب رب العمل وذلك لسببين:

– الغياب المتوقع بسبب حملها وبالتالي حقها بفرصة الامومة.

– الخسائر المالية الناتجة وفقاً لرب العمل عن غياب المرأة العاملة الحامل.

وهنا يجب على المجتمع ان يكون متكافلاً ومتضامناً لكي نتمكن من الاستمرارية، فالمرأة العاملة اذا لم تنجب بسبب خوفها من خسارة وظيفتها فإن ذلك سيؤثر سلباً على نسبة الولادة المتدنية أساسا في بلدنا.

الخولي : ما حصل مع رنا هو صرف تعسفي بامتياز

ــ هل يعتبر ما حصل مع رنا بمنزلة صرف تعسفي؟

– بحكم وظيفتي (30 سنة تقريباً قاضٍ وعضو بـ<مجلس العمل التحكيمي>) اعتبر ان ما تعرضت له رنا حبشي هو بمنزلة صرف تعسفي، والمحكمة تعطيها 12 شهراً كتعويض إضافة الى حقوقها الأخرى ناهيك عن شهر إنذار، علماً ان وزارة العمل التي لا تتمتع بصفة الحكم والتقرير بل بصفة الوساطة حاولت تقريب وجهات النظر بين رنا والأستاذ تابت حيث استدعي رب العمل من اجل الوساطة ولكنه لم يحضر، وهذا دليل آخر على انه محقوق ويحاول التهرب من مسؤولياته وبالفعل اثبت بأنه انتهك حقوق رنا بالعمل.