21 September,2018

ماذا جــرى في مطــار ريــاق بيــن رئيس وزراء بريطـانيــا «دايفيـد كاميــرون » وقائــد الجيش العمـاد قهــوجي؟

بقلم وليد عوض

GemayelAbdullah لو وقف الناس أمام تمثال الزعيم الخالد رياض الصلح، واسترجعوا الذكريات، لأدركوا أن الرجل الشامخ فوق قاعدة التمثال قد أعطاهم أعظم هدية تاريخية بمشاركة الرئيس بشارة الخوري، وهو الاستقلال، بعد اعتقال لأبطال الاستقلال في قلعة راشيا بقرار انتدابي فرنسي، واستكمل هذا الاستقلال حلقاته بالوفد اللبناني الى باريس عام 1946 للمطالبة بجلاء آخر جندي من الانتداب الفرنسي، وكان رياض الصلح عضواً في الوفد، بعدما أعطيت رئاسته للزعيم الشمالي حميد فرنجية وزير الخارجية آنئذٍ، حتى يظهر الصوت المسيحي ضد الانتداب بعدما حسبوه على الأم الحنون فرنسا.

ولكن الطبقة السياسية الحاكمة تنكّرت لصاحب التمثال ولم تحافظ على نعمة الاستقلال. لقد جرى استقلالنا عن الانتداب الفرنسي ولكننا لم نملك استقلالية القرار، ولاسيما في تعاملنا مع اختيار رؤساء الجمهورية، ما عدا حالة واحدة استثنائية وهي انتخاب البرلمان اللبناني لوزير الاقتصاد سليمان فرنجية عام 1970 رئيساً للجمهورية، بأكثرية صوتٍ واحد ضد المرشح الشهابي حاكم مصرف لبنان الياس سركيس، وإن كانت زيارة سليمان فرنجية لموسكو في رحلة محض اقتصادية قد جذبت إليه انتباه أسياد موسكو، وجاء انفصال صوت الزعيم كمال جنبلاط عن المجموعة الشهابية لصالح سليمان فرنجية ليرجح الكفة.

أصول اللعبة الدستورية تقتضي أن يجتمع مجلس النواب لسد الشغور الرئاسي منذ أكثر من سنة، ويمارس استقلالية القرار، فينتخب إما ميشال عون وإما سمير جعجع، وإما جان عبيد وإما قائد الجيش العماد جان قهوجي، بعدما يكون قد جرى تعديل الدستور ليسمح بترشحه للرئاسة. ولكن هذه الأصول لم تلقَ حظها من الاحترام، ولم تجعل النائب يردد <أنا حر… أنا مستقل… وعلى هذا الأساس أنتخب المرشح للرئاسة>. ولكن هذا المشهد ما يزال غائباً، ولا جلسة لانتخاب الرئيس، بل مداولات تشير الى أن الكلمة في انتخاب الرئيس هي للخارج، والخارج الإقليمي بالتحديد، أي السعودية وإيران، وما دام الفراق بينهما قائماً، فالشغور الرئاسي في لبنان مستمر الى أجل غير مسمى، وليتعظ اللبنانيين بهذه الحقيقة قبل أن يظلوا في مهب المتاهات!

كانت انتخابات الرئاسة اللبنانية في زمان الماضي الجميل فعل تفاهم بين الولايات المتحدة ومصر. وبهذا التفاهم بين الرئيس الأميركي <دوايت ايزنهاور> والرئيس جمال عبد الناصر جاء المبعوث الأميركي <روبرت مورفي> الى بيروت صيف 1958 ومعه اسم قائد الجيش اللواء فؤاد شهاب.

حسب… الأصول!

ولم يكن انتخاب رئيس جديد للجمهورية متيسراً عام 2008، لولا مؤتمر <الدوحة> الذي توافق فيه المجتمعون من أركان السياسة اللبنانية على اسم قائد الجيش العماد ميشال سليمان، وثمة من يرى أن اختيار العماد سليمان لم يكن حلاً إنقاذياً، بل كان حلاً لتقطيع المرحلة.

ومع ذلك، فهناك مسعى أوروبي دوار لتحصين النواب اللبنانيين بالقدرة على انتخاب رئيس جمهورية، وإسدال الستار على الشغور الرئاسي. وهذا رئيس وزراء بريطانيا <دايفيد كاميرون> يطل على لبنان يوم الاثنين الماضي ويزور مخيماً للاجئين السوريين في <مرج الزهور> ومعه مترجمة من السفارة البريطانية ويستمع الى شكاوى المنكوبين السوريين بالغربة عن بلادهم، ويالحوارسجل ما يريدونه من طلبات، ويعد بتنفيذها فور أن يعود الى لندن.

ولكن <كاميرون> في المحادثات التي أجراها داخل السراي الحكومي مع الرئيس تمام سلام الذي اكتفى بزيارته بين القادة السياسيين، لم يخفِ حقيقة مجيئه الى لبنان. فبالإضافة الى زيارة اللاجئين السوريين وإعلانه فتح أبواب إنكلترا لعشرين ألفاً منهم، كان هاجسه الملف الرئاسي، ولذلك قال بعد لقاء الرئيس سلام <إن لبنان يحتاج الى تعيين رئيس جديد، وأشاطركم الرأي بأن لبنان في أمس الحاجة الى رئيس ليتمكن من السير قدماً…>.

ولاحظوا أن <كاميرون> قد اختار عبارة <تعيين> رئيس جديد لا انتخاب رئيس جديد، ولا نظن أنها سقطة كلامية!

ومما قاله <كاميرون> أيضاً في المناسبة نفسهــــا: <إن لبنان يحتاج الى الرئيس ليقـــــود البـــلاد ويمثلهــــــا دولياً، ويكون شـــريكاً للممــــلكة المتحــــــدة، وللذين يريدون أن يساعــــدوا لبــــنان، ويعمل معكم ومع القادة على دفع التوافق السياسي قدماً وعلـــى تخطــــي الظـــــروف الصعبــــة التــــي تواجه بلدكم>.

وكان لافتاً لقاء <دايفيد كاميرون> في قاعدة مطار رياق مع قائد الجيش العماد جان قهوجي، أحد المرشحين لرئاسة الجمهورية، وكانت تلك رغبة من رئيس وزراء بريطانيا في استكشاف المزيد من شخصية قائد الجيش.

وكان لافتاً أيضاً منع توزيع صورة قائد الجيش مع رئيس وزراء بريطانيا.

هواجس <هولاند>

 

لم يحمل <دايفيد كاميرون> اسماً مرشحاً للرئاسة، كما فعل <روبرت مورفي> عام 1958، بل حض النواب اللبنانيين على أن يكونوا هم مصدر سلطة اختيار الرئيس. وبعد أيام يأتي الرئيس الفرنسي <فرانسوا هولاند> الى لبنان ليزور مخيمات اللاجئين السوريين، مثلما فعل <كاميرون>، ويلتقي الرئيس تمام سلام الذي سيكون في استقباله على المطار. والهدف من زيارة <هولاند> للبنان من شقين: الأول زيارة أحد مخيمات اللاجئين السوريين، وهو ما سيختاره سفيره الجديد في لبنان <إيمانويل بون>. والثاني سؤال الرئيس سلام: <ماذا أعددتم لانتخاب رئيس جديد وإنهاء الشغور الرئاسي؟>.

فالرئيس <هولاند> هو أيضاً لا يحمل اسماً معيناً لمعركة الرئاسة في لبنان، وإن كان قد سمع بأسماء معينة وسأل عن كفاءات أصحابها، ومعنى ذلك أن الرئيس <هولاند>، مثل <دايفيد كاميرون> يريد أن يحض النواب اللبنانيين على أن يكونوا هم أصحاب القرار في اختيار الرئيس اللبناني العتيد، وهم قادرون على ذلك لو سموا بالرحمن، وتحرروا من القيود الإقليمية التي تلجم خيارهم.

وحزب الله، وهو يضع خياره على اسم العماد ميشال عون لدخول قصر بعبدا، سواء في كلام رئيس كتلة الوفاء للمقاومة الحاج محمد رعد، أو كلام نائب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، أراد مكوناً لبنانياً هو الذي يسمي المرشح للرئاسة، حتى لو كان هذا المكوّن على ارتباط بإيران وبنظام الرئيس بشار الأسد.

في المقابل، هناك اسم المرشح الرئاسي الدكتور سمير جعجع، وقد تبناه فريق 14 آذار، ولكن المكوّن المسيحي المهم، وهو حزب الكتائب، لم يسمه مرشحاً رئاسياً له. وهكذا قال الشيخ سامي الجميل رئيس حزب الكتائب لعاهل الأردن الملك عبد الله الثاني عندما زاره داخل القصر الملكي في عمان مع نهاية الأسبوع الماضي. والملك عبد الله الثاني هو أيضاً لا يريد أن يطرح اسماً للرئاسة في لبنان، بل يريد من نواب لبنان أن يحكّوا جلدهم الانتخابي بأظفارهم، ليتولوا شؤون أمرهم، وإن كان له استلطاف خاص للرئيس أمين الجميل وحزب الكتائب.

وهكذا وضحت الصورة ولم تعد تحتاج الى مزيد. والرهان فيها الآن على طاولة الحوار التي عقدت اجتماعها الثاني ظهر الأربعاء أمس الأول في الطابق الثالث لمجلس النواب، وكان على رأس أولوياتها معالجة الشغور الرئاسي. وأكتب هذه الكلمات، والعماد ميشال عون يتردد في حضور الجلسة الثانية لطاولة الحوار، لأنه يريد البيضة قبل الدجاجة، أي قانون انتخاب على أساس النسبية، فيما يصر جماعة 14 آذار من أهل الطاولة أن يكون انتخاب رئيس الجمهورية أول الأولويات، ولا يرى في طرح العماد عون لانتخاب الرئيس مباشرة من قبل الشعب حلاً عقلانياً، لأنه يتطلب تعديل الدستور.

salam-cameron 

الرئيس بري سيد اللعبة

 

وبذلك يكون حصاد الزيارتين: زيارة <كاميرون> وزيارة <هولاند> إذا تمت، موضوعاً أمام الرئيس نبيه بري الذي يُقال إنه يحفظ في كم قميصه الأبيض اسم الرئيس المناسب للزمن المناسب.

والتشكيك في حصول زيارة الرئيس الفرنسي <هولاند> والإعلان أن مستشاريه في قصر <الإليزيه> فضلاً عن وزير خارجيته <لوران فابيوس> ينصحونه بتأجيل الزيارة لأنه مختلف في رتبته الدستورية عن رئيس وزراء إنكلترا <دايفيد كاميرون>، فهو رئيس جمهورية لا رئيس وزراء يأخذ بركة تعيينه من خاتم الملكة <اليزابيت> الثانية، وهو بهذه الرتبة يحتاج الى رئيس جمهورية ليأتي ويستقبله، ويتبادل معه وجهات النظر، وهذا غير متوافر. صحيح أن الرئيس تمام سلام بحسب الدستور هو القائم مقام الرئيس  إلا أن ذلك لا يكفي.

ومع ذلك فإن وجود <هولاند> في لبنان أكثر من ضروري، بمجرد أن يعود من اجتماعات دورة الأمم المتحدة في نيويورك ويلتقي هناك الرئيس تمام سلام.

وهكذا، فالعالم يريد منا أن نجعل انتخاب رئيس البلاد صناعة لبنانية، ونحن، أي أكثر نوابنا يريدون أن يكون الرئيس حالة تشاورية مع بعض الدول الإقليمية.

وما فيش فايدة يا صفية!