18 August,2019

مؤشرات معايير انقلابية في السياسات المالية العالمية!

بقلم خالد عوض

ربما تصح تسمية شهر تموز (يوليو) ٢٠١٩ المنصرم بشهر الإنقلابات المالية والإقتصادية. والإنقلاب هنا ليس مقصودا به هبوط أو نزول بورصة أو حدوث أزمة مالية هنا وخضة إقتصادية هناك، بل يشير إلى التغيير الكبير الحاصل في دور المصارف المركزية في العالم وفي دور الحكومات في تهيئة إقتصادات دولها للمستقبل.

 

بولندا وإغراء الأدمغة!

البداية من الدولة القريبة جدا إلى قلب الرئيس الأميركي <دونالد ترامب> هذه الأيام، بولندا. منذ أيام قررت الحكومة البولندية إلغاء ضريبة الدخل لحوالى ٢ مليون شخص. أي شاب بولندي تحت سن السادسة والعشرين ويتقاضى راتبا سنويا أقل من ٢٣ ألف دولار سيعفى من ضريبة الدخل التي تصل إلى ١٨ بالمئة. السبب؟ وقف نزوح الشباب إلى أوروبا. فمنذ أن انضمت بولندا إلى الإتحاد الأوروبي عام ٢٠٠٤ وأصبح بإمكان البولنديين العمل في أي دولة أوروبية، ترك أكثر من مليون وسبعمئة ألف بولندي معظمهم من الشباب بلدهم بحثا عن فرص عمل أفضل. هذا الرقم يوازي تقريبا عدد سكان العاصمة <وارسو>. رئيس الحكومة البولندي <ماتيوش مورافسكي> يعتبر هذه الخطوة أكثر من ضرورية لأن على الحكومة أن تتحمل مسؤولية وقف هجرة الشباب والمحافظة على أدمغة البلد بأي طريقة وعدم التردد أمام إجراءات غير تقليدية، قد تكون مكلفة على المدى القصير ولكنها مربحة إستراتيجيا ووطنيا على المدى الطويل وحتى المتوسط. الحكومة البولندية حولت إلغاء الضريبة إلى فرصة استثمارية وليس إلى خسارة لخزينة الدولة. وبغض النظر عن النتيجة المباشرة لهكذا قرار، يحسب لحكومة بولندا أنها فكرت خارج الخطوط الإقتصادية والمالية التقليدية.

 

 تركيا: الحرب على الفوائد

 يوم ٢٥ تموز (يوليو) المنصرم قام البنك المركزي التركي بتخفيض الفائدة على الليرة التركية بأربعة وربع بالمئة دفعة واحدة من ٢٤ بالمئة إلى ١٩،٧٥ بالمئة. الكل، بمن فيهم المؤسسات المالية الدولية، ظن أن خطوة من هذا النوع يمكن أن تقضي على سعر صرف الليرة التركية التي تعاني منذ أن تعقدت العلاقة التركية – الأميركية وخسرت أكثر من نصف قيمتها في أقل من سنة. هذا التخفيض يعتبر الأكبر منذ عام ٢٠٠٢ والأول منذ أكثر من أربع سنوات. بالمعنى المالي التقليدي يعتبر تخفيض الفائدة في ظل تشنج علاقات تركيا مع أوروبا والولايات المتحدة خطوة عكس السير، ولكن الرئيس التركي <رجب طيب اردوغان> كان مصرا عليها وأطاح بحاكم البنك المركزي التركي <مراد شتينكايا> المعارض لهذا التوجه وعين مكانه النائب السابق <مراد أويصال> المؤمن بضرورة خفض الفائدة لتحريك الإقتصاد. وكانت الفائدة على الليرة التركية إرتفعت عام ٢٠١٨ من مستوى ٨ بالمئة إلى ٢٤ بالمئة لوقف هجرة الرساميل والودائع من البنوك التركية والحد من تدهور سعر صرف الليرة، مما أثر كثيرا على النمو الإقتصادي الذي إنخفض إلى أقل من الصفر هذا العام. النتيجة الأولية المفاجئة جدا لتخفيض الفائدة كان تحسن سعر صرف الليرة التركية بعكس كل التوقعات، فمن غير الطبيعي أن يتحسن سعر صرف أي عملة عندما تنخفض الفوائد عليها ولكن يبدو أن مستوى الفائدة كان منفوخا أكثر من الضروري، وقد خفف <اردوغان> وحاكمه الجديد من حجم هذه الفقاعة المصرفية من دون أن يؤثر ذلك على سعر الصرف. لا شك أن تركيا سائرة في مغامرة مالية جريئة مخالفة للأطر التقليدية. صحيح أن العبرة في النتيجة ولكن المسار التركي جدير بالمراقبة والإعتبار منه.

 

الولايات المتحدة وحرب العملات!

يعتبر مجرد تفكير رئيس الإحتياطي الفيدرالي الأميركي <جيروم باول> بتخفيض الفائدة على الدولار في وقت يشهد فيه الإقتصاد الأميركي نموا قويا خطوة في الإتجاه المعاكس. البطالة في أدنى مستوى لها منذ نصف قرن والأسواق المالية تعبر كل شهر رقما قياسيا والشركات الأميركية الكبيرة تنعم بفترة ذهبية. هل صحيح أن <باول> يقصد التحوط باكرا لأزمة مقبلة بدلا من انتظار بشائرها أم أنه ينحني لإرادة الرئيس الأميركي <دونالد ترامب> الذي يريد تخفيض الفائدة لضمان إستمرار النمو إلى أن يعاد إنتخابه؟ ربما ينظر <باول> إلى الأمرين ولكن الدافع الأول هو مواجهة حرب العملات التي تواجه بها أوروبا والصين سياسة <ترامب> التجارية. فرئيس البنك المركزي الأوروبي <ماريو دراغي> قال أنه بصدد إعادة شراء السندات بدءا من أيلول (سبتمبر) المقبل أي أن أوروبا ستبدأ من جديد بالتحفيز الكمي مما يعني أن سعر صرف اليورو سينخفض. ومقابل رسوم <ترامب> الجمركية ضد بضائعها، تجهد الصين في تخفيض سعر عملتها حتى تبقي تنافسية منتجاتها. هذا يعني أن هناك نوعاً من حرب على الدولار لجعله قويا وبالتالي لمنع الصادرات الأميركية من غزو الأسواق الأوروبية والصينية وجعل البضائع الأوروبية والصينية منافسة في الأسواق الأميركية رغم كل الحمائية التي ينتهجها <ترامب>. تعتبر خطوة الإحتياطي الفيدرالي الأميركي بتخفيض الفائدة خلال فترة إنتعاش إقتصادية كبيرة الاولى من نوعها تاريخيا من حيث التوقيت والجرأة.

من الواضح أن السياسات المالية التقليدية بدأت تخرج من دائرة الحلول وأن الذهاب خارجها أصبح ضرورة. يبقى أن تتعظ الحكومات العربية أن ليس كل ما يقوله البنك الدولي أو صندوق النقد هو الطريق الأصح، وأن بيدها أن تحل مشاكل اقتصاداتها بقليل من… الجرأة.