17 November,2018

مؤسس ”بيت الفنان“ في حمانا الدكتور روبير عيد: أردنــــاه فـضـــاءً فـنـيــــا ومـبـعـثــــاً للأفـكـــار والأعـمــــال!

 

بقلم عبير انطون

CD

ايماناً ثابتاً منه بالثقافة كجزء لا يتجزأ من الذاكرة الجماعية اراد الدكتور روبير عيد المتخصص في الاقتصاد والمال والمصارف ان يكون مشروعه <بيت الفنان> في حمانا مساحة لقاء بين الناس ومبعثاً للأفكار الخلاقة القادرة على بناء مجتمع ينمو على الانفتاح والتسامح، آملا ان ينشر هذا البيت الفريد من نوعه عدوى ايجابية لبيوت فنية كثيرة، تخرج منها ابحاث وافكار تؤدي الى تيارات ايجابية في كل لبنان، وحمانا بالتحديد. ولا عجب من اختيار هذه الضيعة الهانئة طبيعةً، والهادرة كشلالها ثقافة وعلما، والتي تبقى مقصدا لكل متمتع بريشة الخالق العظيمة، وحبر الفلاسفة والكتاب والشعراء ومنهم طبعاً <الفونس دو لا مارتين> الشاعر الفرنسي الذي استضافته حمانا أثناء زيارته للشرق في رحلة (1832-1833) فعُرف القصر الذي استضيف فيه باسمه منذ أواسط القرن التاسع عشر.

مع دكتور روبير عيد الرئيس التنفيذي لأحد المصارف العربية الكبرى اليوم كان لقاء <الافكار>، استتبعناه بحوار مع المديرة التنفيذية لمجموعة <كهربا> المولجة بالإدارة الفنية، ومعهما كان سبر في اساسات <البيت الفني> والبرمجة التي سيكون عليها.

 

بين حمانا وبكفيا..

 

– والدتي من حمانا ووالدي من بكفيا، ولهذه البلدة العزيزة خزان من الذكريات لدي يقول روبير عيد. لقد سبق ان نشرت في العام 2015 كتابا عن حمانا بعنوان <حمانا في حوار الأجيال> وهو عبارة عن تاريخ الناس في الضيع اللبنانية من خلال هذه البلدة، وذلك نقلا عن شهادات وذكريات رواها المتقدمون في السن ومن هم اصغر سنا في ما تم تناقله عن لسان اجدادهم، ومن خلالها جميعها عبور الى قصة لبنان وكل ما يتفرع عنها. انه نوع من العودة الى الجذور، للارض والبلد. فبهذه الذكريات اردت ربط خيوط الماضي على خلفية شهادات الناس والاحياء والوثائق التاريخية، ما شكل سبيلاً الى الخلوص الى اربع دراسات اولها فلسفية والثانية انتروبولوجية فيما الثالثة اجتماعية والرابعة السُنية.

وأضاف:

– الكتاب الذي طبع في <المكتبة الشرقية> لم يكن هدفه تجاريا تسويقيا، يجيب عيد ردا عن سؤالنا، الا انه وصل الى المغتربات ومنها البرازيل حيث تمت ترجمته الى البورتوغيزي وقد ابدت العديد من دول الانتشار اهتمامها به.

 ونسأله:

ــ لماذا حمانا وليست بكفيا وانت منها؟

– لقد تركت لبنان مع بداية الحرب وقبلها كنا نقصد حمانا وهي ضيعة والدتي لقضاء عطلة الصيف في كل سنة، ما شكل جزءاً كبيراً من ذاكرتي. كان يمكن لـ<بيت الفنان> ان يكون في بكفيا الا اننا لم نقض 2صيفيتنافيها الا لسنة واحدة، كما ان ظروف <بيت الفنان> في حمانا لها حكاية.

والحكاية يسردها لنا:

– انا املك بيتاً في حمانا وخلفه <بورة> كلها عليق.. منذ اربع سنوات، وفي احد الصباحات استيقظنا على هدير جرارات وآلات للحفر، ولما استعلمنا عن السبب جاء الجواب بان احد الاطباء اراد بناء مركز للعيادات الطبية. من جانبي اردت ان يبقى طابع الحي كما هو منذ سنين، وكانت مفاوضات كي يتوقف عن البناء. قطعة الارض هذه كان امامها بيت قديم يعود الى مئة عام تقريبا فاشتريتهما ورحت اتساءل عما افعل بهما. الحديقة، علماً انها خاصة، مفتوحة للعموم، وفيها شاغور يذكر بشاغور حمانا مع نصب تذكاري يعود لجدي الشيخ فهد فرحات وكان شخصية مؤثرة في المنطقة، اما البيت وبعد اخذ ورد وتردد مني في ان اضيف اليه طابقاً او اكلله بقرميد الخ، فقد ارتأيت ان يكون بيتاً للفن وأصبح كذلك بعد تغيير الكثير من معالمه.

ــ ولماذا الفن، وانت من اهل المال والمصارف ودرست الاقتصاد في الجامعة الاميركية في بيروت؟

– لي اهتمامات فنية علماً انه ليس مجالي، وقد اخترت هذا المجال للابتعاد عن البيئة اليومية التي انا منغمس فيها.

وأضاف:

– وحول التواصل مع البلدية لتأسيس <بيت الفنان> فإن ذلك لم يكن صعباً، والعامل المادي وان غاب فان الدعم المعنوي واللوجستي كان كبيراً <لقد ابدوا كل تفهم ومساعدة من دون ان يكون لهم اية مسؤولية مباشرة في ادارته او استثماره>.

 وعما اذا اهتم الفرنسيون بالمشروع عبر <المركز الثقافي الفرنسي> خاصة وان الشاعر <لا مارتين> له حصة <أدبية تاريخية> يذكرها الجميع في المنطقة، حتى ان واديها اطلق على اسمه لانه اعتبره من اجمل بقاع العالم، يبتسم عيد ويقول:

– هناك محل للشاورما في حمانا اسمه <لا مارتين> واقول ذلك على سبيل الدعابة لفرط ما استغل الاسم. لقد تواصلنا مع جهات متعددة لاجل <بيت الفنان> وكان هذا نسبيا اقوى مع <المركز الثقافي الفرنسي> وهم 33طبعاً ابدوا الاهتمام والتجاوب.

وزاد قائلاً:

– الهدف الاول من خلال تأسيس <بيت الفنان> في حمانا هو تشكيل نقطة جذب لشباب المنطقة للتمسك بها وستدور في البيت نشاطات على مدار ايام السنة وسوف يشكل مركزا لابحاث الفنانين واقاماتهم وعروضهم، وهو لن يكون لحمانا فقط بل للمنطقة كلها.

ــ ماذا عن تمويل البيت ونشاطاته، وهل سيتم تقاضي مبلغ من الذين سيعرضون فيه او يقصدونه لعمل ما؟

– ليست المشكلة في الاشتراك او دفع البدل، بل المسألة الجوهرية تبقى في استمرار البيت بخسائر محدودة، فجميعنا يعرف ان المراكز الفنية وبيوتها ليست بأحسن حال. لا ننتظر منه ان يكسب مالاً انما تحمّل الخسارة. هناك تصورات وضعت لميزانية تقريبية وبحث عن مصادر دخل قد تتشكل من الدخول الى المسرحيات او العروضات، انما الجانب الأكبر المعول عليه يبقى من خلال التعاون مع مؤسسات ثقافية في لبنان والعالم، كذلك فان مجموعات الصبايا والشباب من الفنانين الذين قد يختارون البيت لمدة اقامتهم عادة ما يكونون حائزين على دعم كلي او جزئي لمصاريف اقامتهم من الجهة الراعية لهم وهذه ايضا شكل من أشكال الدعم. كذلك يتميز البيت بمطبخ مع اختصاصيين في المجال يقدمون الغداء او العشاء لمن يرغب قبل العروض او بعدها، ومع كل ما ذكرته فقد لا نصل الى معادلة عدم الخسارة.

وعن اختيار <مجموعة كهربا> لادارة المشروع يقول عيد:

– لما تبلورت الفكرة نهائياً رحت ابحث في الجانب الاداري فاتصلت ببعض المعاهد لأجل الأمر ومنها <المعهد الثقافي الفرنسي> والتقيت بـ<مجموعة كهربا> فأبدوا اهتماماً فورياً وتحمسوا للفكرة واستمر النقاش بيننا ولم اتصل بغيرهم.

ــ اختيارهم هل يعكس البعد <الشبابي> للمشروع؟

– يمكن قول ذلك. ارتحت لهم وآمل ان يكونوا على قدر المأمول منهم. انها تجربة فريدة في لبنان اذ لا تجارب مشابهة كثيرة، والنفس الفني الذي نريد ان نعكسه لا يتجه صوب الترفيه بقدر ما يتجه نحو قيم فنية ثقافية وبأن نأتي بما هو مختلف.

 

<كهربا>.. ايجابية..

AB المديرة التنفيذية لـ<بيت الفنان> جوليان عرب تحدثت الى <الأفكار> من جانبها عن البيت وأهله:

– أهم انجازات <مجموعة كهربا> انها من الفرق القليلة بالبلد الملتزمة بالثقافة اللامركزية منذ تأسيسها منذ عشر سنوات، اذ انها تجول بعروضها في مختلف انحاء لبنان وقد قدمت اكثر من مئتي عرض لمسرحية واحدة في الربوع المختلفة، وهذا الخيار ليس سهلاً، ففرق مركزها بيروت لا تحمل على نفسها هذا العبء. المجموعة ملتزمة منذ بداياتها بمبدأ ان الثقافة حق للجميع وهي لا يمكن ان تحصر في نطاق جغرافي واحد او بطبقة اجتماعية معينة. لقد قامت المجموعة بانجاز من خلال مهرجان <نحنا والقمر والجيران> المتعدد الاختصاصات، وعكست به التزام الفن بمختلف طبقات الجمهور وعملت مع عدد كبير من الفئات المهمشة والتي لم تزر المسرح يوماً، فكان من الطبيعي وتتويجا لمسارها ان تساهم في <بيت الفنان> خارج العاصمة المركزية، وكان اللقاء بروبير عيد الصدفة المنتظرة.

وتابعت قائلة:

– الصيغة الليّنة للمجموعة تسمح بانضمام اشخاص اليها وخروج آخرين من جنسيات وخلفيات متنوعة، وهم يؤلفون شبكة من الممثلين والكتاب والمخرجين والمصورين ومحركي دمى وراقصين وفاعلين ثقافيين، وهذه الدينامية ضمن المجموعة يرون الفن عابرا للمناطق والبلاد ويتمنون ان تؤسس فكرتهم مع <بيت الفنان> الى اخرى مشابهة في مناطق البلد كله وان يكون هناك تفعيل للفنون والمراكز خارج بيروت.

<مجموعة كهرباء> هي شريك مؤسس ومدير فني في <بيت الفنان>. فعلى عيد كان عاتق البيت وتجهيزاته وتولت <كهربا> الادارة الفنية والتي تقدمها مجاناً فضلاً عن ان كل النشاطات التي ستحصل ستكون من مسؤولية المجموعة، التي ستسعى الى ايجاد التمويل وحشد الدعم من الصناديق الثقافية المختلفة والرعاة الداعمين. وكل نشاط تم بعد التاسع عشر من آب/ أغسطس كان على مسؤوليتهم، وهم مصرون على النجاح، والدليل البارز نجاحهم في حشد الدعم لمهرجان <نحنا والقمر والجيران> في دوراته الاربع السابقة.

اما البرمجة الفنية فتقوم بحسب المنسقة عرب على اساسين: الاول الحوار مع عيد حول جزء من البرنامج، اما الثاني فللمجموعة الحرية المطلقة في ان يضعوه بالطريقة التي يرونها مناسبة لهذا الفضاء الفني. في 19 آب/ أغسطس الجاري كان هناك حفلة حيث طلب من دارين جبور أن تغني اسمهان، وفي 29 منه ينطلق مهرجان الفرقة من مار مخايل ليصل الى حمانا في 2 و3 ايلول/ سبتمبر وستتم من بعدها استضافة فنانين مقيمين في لبنان، على ان يفتح الفضاء في العام 2018 للفنانين القادمين من الخارج. ويمنح الفضاء الفني صالات لا يقدمها بيت فني آخر من حيث صالة مشغل السينوغرافيا والاستوديو المحترف للرقص، والبيت مجهز كذلك لسكن الفنانين فيه حتى ينتهون من مشروعهم، كما سيفتح البيت ابوابه في محطات فنية متنوعة بين الجمهور والفنانين في حمانا فلا يلتقون بهم بعد العروض انما يمكنهم ذلك في مراحل التدريب، كما يمكن للكتاب ان يشاركوا في البيت ويمكن للمؤسسات الثقافية المختلفة التي تقوم بخلوات حول ابحاث او تطوير مشاريع معينة ان تتخذ من البيت اقامة لها مقابل بدلات تحدد بحسب كل مشروع وشروطه.

 يمكن للبيت ان يستقبل حوالى 25 فناناً دفعة واحدة، وهو بعيد جدا عن النفس الاستهلاكي – التجاري بحسب عرب لأن هدفه أن يساعد على خلق الفن والابداع في الظروف القاسية ومن دون كلفة كبيرة.

مساحة البيت وما حوله تمتد على الف متر مربع، مسخرة جميعها للفن ومشاريعه داخلا وخارجا. المسرح الخارجي يستوعب بين 250 الى 500 شخص بحسب الصيغة التي يتم وفقها توزيع المقاعد، اما شتاءً فان الصالة الاساسية مجهزة لاستضافة حفلات وندوات صغيرة تستوعب 80 شخصاً.

الرهان ما بين عيد و<كهربا> متبادل بالنسبة لـ<بيت الفنان>- حمانا، والاهم ان يكسبه الاثنان معاً لنجاح المشروع عله يكون نموذجاً يحتذى.