26 September,2018

مؤتمر بروكسل الخاص بالنازحين السوريين أمام موقفين:مطالبة لبنان بعودتهم وسعي المنظمات الدولية لإبقائهم!  

 

الحريري الصليب الاحمرفي الوقت الذي يتواصل فيه التحضير للمؤتمر الخاص بالنازحين السوريين المقرر عقده في بروكسل خلال الشهرين المقبلين، والذي يفترض أن تسفر عنه قرارات عملية بدعم الدول الحاضنة للنازحين وفي مقدمها لبنان، بدا أن القراءة اللبنانية لهذا المؤتمر تختلف عن توجهات الدول الكبرى والمنظمات الدولية، ما يجعل المشاركة اللبنانية فيه محفوفة بالمفاجآت غير السارة للبنان الذي يعمل لإعادة النازحين السوريين تدريجاً الى المناطق الآمنة في بلادهم، فيما يتجه المجتمع الدولي، ومعه المنظمات المعنية بشؤون النازحين اللاجئين الى تأجيل هذه العودة لاعتبارات متعددة، المعلن منها هو الاعتبار الأمني، فيما الخشية مما هو غير معلن مع تأكيد معظم الرسميين اللبنانيين ان لا قرار دولياً بتسهيل عودة النازحين بل بالعكس ثمة رغبة بإبقائهم في لبنان واستثمار معاناتهم في مسار الاتصالات الجارية لإيجاد حل سياسي للأزمة السورية التي لا تزال أسيرة المؤتمرات والمؤتمرات المضادة، والمساومات والمقايضة.

لقد كان رئيس الجمهورية العماد ميشال عون واضحاً مع المسؤولين الدوليين الذين التقاهم خلال الأسبوعين الماضيين بأن لبنان لم يعد قادراً على تحمل أعباء النازحين السوريين معتبراً أن التأخير في عودتهم التدريجية الى سوريا يزيد من التداعيات السلبية التي لن يكون من السهل تدارك نتائجها في المدى المنظور. وأورد الرئيس عون أمام زواره الذين حدّثوه عن ضرورة التريث في عودة النازحين، رواية خلاصتها أن حصاناً شارك في سباق وظل يركض متقدماً الاحصنة الأخرى، لكنه ما ان وصل الى خط نهاية السباق فائزاً بالمرتبة الأولى حتى سقط ميتاً، ليزيد الرئيس بعد ذلك أن <ليس المهم أن يصمد لبنان ويتحمل المزيد من أزمة النازحين بحجة أن العمل لإيجاد حل للأزمة السورية جارٍ على قدم وساق، بل المهم أنه عندما يتحقق الحل يكون لبنان بمجتمعه واقتصاده على قيد الحياة>!

 

لا تجاوب دولياً مع لبنان

ويستدل من الأجواء السائدة في أوساط المنظمات الدولية أنه لا تجاوب فعلياً مع رغبة لبنان بعودة تدريجية للنازحين السوريين، لاسيما وان المعطيات التي يقدمها المسؤولون في هذه المنظمات تتجاهل كلياً وجود مناطق آمنة في سوريا، وأخرى انتهى فيها القتال كلياًً، وأن النظام يعمل على إجراء مصالحات حتى مع الذين قاتلوه من غير التنظيمات الإرهابية، في حين تركز هذه المعطيات على استمرار المخاطر، ومنها ما أشارت إليه اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي جال رئيسها في بيروت <كريستوف مارتن> على عدد من المسؤولين ليتحدث عن أن عودة النازحين السوريين الى بلادهم لا تكون حلاً دائماً <إلا إذا توافر لها عنصرا السلامة والكرامة>. وتقول مصادر رسمية إن ما يسمعه المسؤولون اللبنانيون من مسؤولي المنظمات الدولية يتمحور حول استمرار <التعقيد والتقلب> في الوضع الراهن في سوريا ما يجعل من الصعب تقدير <السلامة والأمان> وهما شرطان أساسيان في نظر المنظمات الدولية تجعل العودة ممكنة، ذلك أنه على رغم اتفاقات وقف إطلاق النار المحلية التي تعلن من حين الى آخر، يستمر القتال وغيره من أشكال العنف في أجزاء مختلفة من سوريا، وتستمر كذلك انتهاكات القانون الدولي الانساني والقواعد المطبقة. ويضيف المسؤولون في المنظمات الإنسانية ان ما يجعلهم <يستأخرون> العودة هو تكرار استهداف الأماكن المدنية بما فيها البنية التحتية الأساسية مثل مرافق المياه وإمدادات الكهرباء التي أدت الى حصول انقطاع في المياه والخدمات الصحية، إضافة الى تأثر الشبكة الصحية بشكل بالغ، ما جعل قدراتها محدودة وغير متناغمة مع حاجات السكان المدنيين التي تتزايد يوماً بعد يوم لاسيما الحاجة الى الرعاية الصحية الوقائية والعلاجية. وقد تقلصت إمكانية الحصول على الرعاية الصحية  – حسب تقارير المنظمات الدولية  – بسبب الدمار والضرر الذي أصاب أكثر من 50 بالمئة من المرافق الصحية وفقدان نحو 60 بالمئة من موظفي الرعاية الصحية بالمقارنة بما كان عليه الوضع في العام 2011 تاريخ بدء الاضطرابات في المناطق السورية.

ويسجل مسؤولو المنظمات الانسانية، ولاسيما الصليب الاحمر الدولي، تراجع انتاج الزراعة في سوريا الى النصف تقريباً بسبب صعوبة الوصول الى الأراضي الزراعية وتدمير الأسواق، كما تضررت البنى التحتية لسبل كسب العيش بشكل بالغ من جراء الآثار المباشرة وغير المباشرة للنزاع، فضلاً عن أن مناطق كثيرة من البلد باتت ملوثة بالأسلحة.

وفي رأي هؤلاء المسؤولين أن عودة النازحين في ظل الظروف الراهنة <معقدة تعقيداً شديداً>، ولا يمكن أن تتم إلا إذا توافرت <شروط> عدة أبرزها  – وفقاً لملاحظات المنظمات الدولية الإنسانية  – احترام مبدأ عدم الإعادة القسرية في كل الأوقات، وإتمام العودة في إطار <السلامة والكرامة>، واستناد هذه العودة الى قرار واضح بعد تقييم كل حالة على حدة، إضافة الى وجوب أخذ رأي النازحين لدى اتخاذ أي قرار يعينهم مباشرة، إضافة الى ضرورة النظر الى العودة <على أنها حل دائم طويل الأجل>!

والعودة مؤجلة حتى إشعار آخر

 

وفي رأي مسؤولين لبنانيين أن الشروط التي تضعها المنظمات الدولية لإطلاق مسار عودة النازحين السوريين الى بلادهم، تجعل من هذه العودة مؤجلة حتى شعار آخر بحيث تصبح غير ممكنة في المدى المنظور، مع إقرار الصليب الأحمر الدولي بأن 80 بالمئة من النازحين السوريين عبّروا عن رغبتهم بالعودة الى بلادهم. ونقل مسؤولون لبنانيون عن مسؤول رفيع المستوى في إحدى المنظمات الإنسانية قوله إنه على رغم الحديث عن <مناطق آمنة> واتفاقات لوقف إطلاق النار، فإن الأعمال العدائية لم تتوقف ولا تزال سوريا تكتوي بنار العنف بما في ذلك المناطق التي اصطُلح على تسميتها <مناطق تخفيف التوتر> حيث تعرضت عشرات المستشفيات لأضرار ما تسبب في حرمان مئات الآلاف من الأشخاص من أبسط خدمات الرعاية الصحية، في وقت يستمر <الكفاح> في شمال شرق سوريا لتوفير المياه والغذاء ولوازم النظافة الشخصية الأساسية الى النازحين الجدد. وعليه فإن الحديث عن عودة قريبة للنازحين، يبدو في نظر مسؤولي المنظمات الدولية من الأهداف التي لن تتحقق في مدى قريب، وعلى لبنان بالتالي أن يتكيف مع هذا الواقع ويتصرف على أساس أن الحل السياسي بعيد هو الآخر…

وتتحدث مصادر رسمية عن <بدائل> يجري العمل على إيجادها إذا ما استمر القرار الدولي بتأخير عودة النازحين السوريين، خصوصاً أن الأرقام التي توردها المنظمات الدولية المعنية ومنها المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، لا تنطبق مع الواقع العددي للنازحين وفق الاجهزة الأمنية اللبنانية، والتي كان آخرها إشارة المفوضية الى أن عدد السوريين المسجلين لديها حتى بداية شهر كانون الاول/ ديسمبر الماضي بلغ 998 ألفاً (الأرقام تشمل من لا يملكون إقامات قانونية)، في حين يشير الرئيس عون بأن الارقام المسجلة لدى الأجهزة اللبنانية تجعل عدد السوريين مليوناً و850 ألف سوري. وتتحدث المفوضية عن 170 ألف نازح سوري يعيشون في لبنان تحت الخيم التي يبلغ عددها 2500 خيمة، وهؤلاء تزداد معاناتهم خلال فصل الشتاء، لاسيما مع استمرار موجة النزوح عبر المعابر غير الشرعية والتي نتجت عنها الأسبوع الماضي مآسٍ إنسانية على أثر وفاة عدد من النازحين كانوا يعبرون سراً الى الأراضي اللبنانية في جرود الصويري في البقاع بفعل موجة الصقيع والبرد التي ضربت لبنان الأسبوع الماضي.

وتؤكد المفوضية الدولية أن النازحين السوريين باتوا أكثر ضعفاً من أي وقت مضى، لاسيما خلال فصل الشتاء مع تراجع حجم المساعدات من الجهات المانحة، علماً أن المفوضية بدأت منذ شهر تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي تقديم مساعدات نقدية شتوية تتراوح بين 225، و375 دولاراً لكل أسرة للمساعدة في تلبية حاجات إضافية كالوقود والملابس والنفقات الطبية، إضافة الى تقديم ألواح بلاستيكية ومواد إيواء لمساعدة النازحين على تحصين خيمهم ضد الأمطار والثلوج والبرد. لكن هناك مخاوف كثيرة يثيرها المعنيون بملف النزوح السوري تتعلق باشتداد الأزمة على السوريين بسبب تفاقم حجم الفقر (76 بالمئة من أسر النازحين تحت خط الفقر) وتراجع حجم المساعدات من جهة أخرى.