24 September,2018

ليال خولي بنت عكار فردت لوحاتهـا الزيتيـــة فـي الصيــن باســم لـبـــنـان!

 

بقلم عبير انطون

5H1)-DJ'D-'D  

لثلاث سنوات متتالية حافظت الصين على صفتها كأكبر شريك تجاري للبنان، وقد بلغ حجم التبادل التجاري للعام الفائت مثلا مليارين و80 مليون دولار. واذا كانت المصارف اللبنانية تتجه نحو الجمهورية الصينية الواسعة وتزورها الوفود الاقتصادية والتجارية لتعزيز التعاون الثنائي مع اطلاق الصين في العام 2013 مشروع <الحزام الاقتصادي لطريق الحرير>، فان الصين ترى في <لبنان دولة مهمة في المنطقة وتكتسب ميزاتها البارزة في الاقتصاد والمالية والتربية والتعليم والإعلام والمجالات الإنسانية والثقافية الأخرى>.

 المجالات الثقافية تدخل إذاً في صلب التعاون الثنائي، وقد زارت فرقة كركلا اللبنانية الصين مثلا العام الماضي حيث قدمت المسرحية العربية <ألف ليلة وليلة> على المسرح الوطني الكبير لخمسة أيام متتالية وجذبت أكثر من عشرة آلاف مشاهد صيني. كذلك زارتها 19 شخصية لبنانية من أوساط الثقافة والفن والتربية والتعليم لتشارك في فعاليات رحلة ثقافية <على طريق الحرير> فضلا عن ندوات تحت عناوين الفن والإذاعة والإعلام والتراث والطب الصيني التقليدي وغيرها.

 وكما في كل عام شارك رسامون لبنانيون في ورشة مشاهير الرسامين العرب تحت عنوان <الاحساس بروح الصين> <insight of china> وقد اختيرت لهذا العام الرسامة والفنانة اللبنانية ليال خولي بتكليف من وزارة الثقافة اللبنانية للمشاركة في <السيمبوزيوم> الدولي للفنون التطبيقية الذي نظمته وزارة الثقافة الصينية وشارك فيه فنانون مشاهير من الكويت، الأردن، تونس، المغرب، مصر، والسودان، وتميزت الشابة اللبنانية باللوحات الرفيعة المستوى التي رسمتها خلال إقامتها والتي أظهرت تفاعلا حضاريا عميقاً بين الطبيعة اللبنانية والطبيعة الصينية، جعلت وزارة الثقافة الصينية تقدم لها شهادة تقدير، كما تبنتها وزارة الثقافة الصينية فعرضتها على الجمهور الصيني، وستعرضها عالميا في المعارض العالمية لـ<الاونيسكو>.

فمن هي ليال خولي التي حملت الابداع اللبناني الى الصين؟ معها كان لقاء <الافكار> وسألناها بداية:

ــ لنبدأ اولاً بالتعريف عنك، وقد بت وجها معروفاً مؤخراً…

 – درست الهندسة الداخلية في جامعة سيدة اللويزة وتابعت دروسي في الاكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة (البا). تخصصت في الفنون البصرية وتشمل هذه انواعا عدة من الفنون من التصوير الى <الأنيمايشين> والرسم  على السيراميك والفن التشكيلي وغيرها.

ــ هل انت من عائلة فنية، خصوصا ان دراسات تجري اليوم حول الوراثة في جينات الفن او الرياضيات والموسيقى وغيرها؟

– لست من عائلة فنية بمعنى الاحتراف. والدتي تملك موهبة الرسم التي كنت استشفها من خلال الرسم المتقن الذي كانت تترجمه على اوراقي وانا صغيرة. خالي ايضا يمتلك هذه الموهبة وكانت اجمل اوقاتي عندما اجلس بقربه وهو يرسم لي، الا انهما للاسف لم ينميا تلك الموهبة عبر دراسة اكاديمية او غيرها.

ــ الى اي دفة تميلين اكثر في العمل، صوب الهندسة الداخلية ام رسم اللوحات؟

– يمكنني القيام بالعملين مع تفضيل من قبلي للرسم، علما انني اؤمن بما يقال: <specialised or die> ما يبرز اهمية التخصص والالتفات الى ناحية واحدة للاجادة فيها حتى اتقانها. اركز على الرسم واقوم احيانا ببعض المشاريع الهندسية التي تطلب مني. لكن في الرسم خلق وابداع أكبر وهو يختلف عن كل الفنون الأخرى. فالمهندس يمكنه ان يضع فكرته على الورق وينفذها آخر في حين ان الامر غير ممكن في الرسم ذلك انه يستوجب احساس الفنان وعينه ويده، وهذا ما يتطلب جهدا وطاقة، لذلك تجدون ان اي معرض فردي يستلزم من الفنان وقتا طويلا لانجازه.

 

الترشيح..

ــ في لبنان فنانون متعددون وخريجو الجامعات والمعاهد في هذا الصدد كثيرون، كيف تم ترشيحك للصين دون غيرك؟

– من ضمن الجامعات يرشحون اسماء. رشحتني جامعة <البا> عبر اساتذتي من دون ان اعرف أولا والمشروع انطلق من وزارة الثقافة الصينية، فهي التي توجهت بالدعوة. وقد حاز ترشيحي موافقة وزارة الثقافة اللبنانية بعد ان قدمت لهم ملخصا عن سيرتي الذاتية ونموذجا عن اعمالي. لم يخطر على بالي، وأنا ابنة لبنان هذا البلد الصغير من حيث المساحة والكبير في الحضارة، أن أدعى لتمضية شهر من عمري في الصين، Untitled-attachment-00073--------3هذه البلاد العظيمة والكبيرة بتاريخها وحضارتها. وبالتأكيد لم يخطر لي يوماً بأن دعوتي الى الصين قد تهدف الى التفاعل الفني في زمن تجاري وبالتحديد تجارة الفن.

ــ هل من شروط كانت مطلوبة كالجنس او العمر او الدراسة؟

– لا، وقد جاء المشروع من ضمن ورشة عمل لفنانين عرب معروفين من الكويت والمغرب وتونس والسودان والأردن ومصر. كنا رسامتين اثنتين واحدة من مصر وانا من لبنان فيما الباقون كانوا ذكوراً.

ــ هل يمكنك وانت خبيرة في الرسم التمييز بين لوحة رسمها فنان او فنانة؟

 – لا يمكن، ذلك ان الاحساس يأتي في المقام الاول. المهم ان يكون هذا صادقا حتى يصل الى المتلقي، وبرأيي لا عمل جميلاً في الفن وآخر قبيحاً، بل هناك من يمكنه ايصال الرسالة وآخر لا.

 ــ في الصين كنتم مجموعة من المشاركين، من لفتك فنه شخصيا؟

– لكل مشارك تميز في مكان ما ومن وصلتني الرسالة من خلال رسمه هو من اعتبره نجح اكثر من غيره، وقد تعرفت من خلال مختلف هذه الاعمال الى من شعر فعلاً بروح الصين ممزوجا بالروح التي حملها من بلده اكان من مصر او المغرب وغيرها وكأنه رسم بلغته الاصلية وترجمها الى اللغة الصينية عبر لوحته. اكتشفت من خلال هذه التجربة أنني ابنة الصين كما ابنة لبنان، ابنة الجذور المتصلة ببعضها البعض في أعماق الأرض.

ــ هل تسنى لك بعد اقامتك لشهر كامل اكتساب بعض مفردات اللغة الصينية؟

– البعض اليسير منها خاصة كلمات التحية والشكر.

 

الادوات. .. وشدرا

ــ بعض الفنانين يعانون حساسية وامراضا إزاء ادوات الرسم والالوان المستعملة، هل تطور الادوات جعل الامراض تتراجع ام العكس؟

– الامر صحيح جداً ونحن نولي هذا الجانب اهتماماً كبيراً. في الماضي كانوا يستخدمون الملون (البيغمان)الطبيعي، فللون الازرق المائل الى الاخضر (توركواز) كانوا يطحنون الحجر ويستعملون البودرة الصافية من دون اضافات، وبعد ذلك باتت الالوان تخلط مع المواد الكيميائية فتؤذي من يتنشقها. بين الرسامين من لا يمكنهم استخدام مواد معينة. الحمد لله ان بين ايدينا اليوم مواد <الاكلريليك> التي اعتمد عليها شخصيا في رسمي مع <روتوش> بالزيت احياناً، لما له من لمعان وسحر على العمل.

صورة-1-ليال-الخولي--------2ــ بعد نجاح اسمك في الصين، هل زاد الطلب على لوحاتك؟

– لم يتغير الأمر بالنسبة للطلب بقدر ما تغير بالنسبة لي ولتقديري بما اقوم به اذ ان اعجاب الناس زاد ثقتي بالفن وبانه جامع بين شعوب كثيرة.

ــ كيف يمكنك وصف الطبيعة الصينية وقد شبهتها ببلدات الشمال اللبناني، وانت من قضاء عكار تحديداً فاشرت الى التشابه بين الطبيعتين..

– نعم انا من ضيعة شدرا في قضاء عكار وتجدون الكثير من مخزون لوحاتي محفورا في ذاكرتي عن تلك المنطقة التي رسمت الكثير من لوحاتها. فقد تمحور مشروع تخرجي في جامعة <الالبا> حول الضيعة اللبنانية المهجورة وانا متأثرة جداً بهندسة البيوت وهويتها اللبنانية، وكانت لوحاتي في بداياتي تدور في غالبيتها حول البيوت القديمة المتروكة. اثناء الحرب كنا نقصد شدرا حيث منزل جدي وكانت طفولة صادقة حقيقية تختلف بشكل كبير عن طفولة اولادنا اليوم القائمة على التكنولوجيا والتواصل عن بعد عبر الوسائل الاجتماعية. عشنا الطبيعة بكل معانيها وعطاءاتها وكم كنت انظر بشغف الى تلك البيوت المتلاصقة المتراصة وكانها تتحد حتى في جدرانها لتشكل عائلة واحدة، فلا من يقفل بابه لينام اذ تعم الطمأنينة والسلام، ويبقى البيت مفتوحا لاي زائر، كذلك اذكر الزواريب الضيقة التي تفضي بعيدا الى البساتين المثمرة.

وتزيد ليال:

 – أوجه التقارب بين شمال لبنان وشمال الصين هي الأراضي الخضراء والطبيعة الخلابة والبيوت القديمة الجميلة ومنها ما هو مهجور، ولكن أهم مزايا التقارب هي حفاوة الناس وطيبتهم وحبهم لأرضهم وعملهم الجدي.

ــ لبنانيون كثيرون يصادقون على ما تقولينه حول جمال عكار، فقد انتخبت <عكار العتيقة> <عروس لبنان للعام 2016> في المسابقة التي اجرتها <الاوريان لوجور> بالتعاون مع وزارة الثقافة، وفازت بنتيجتها كـ<أجمل قرية سياحية في لبنان للعام 2016>.

– تستحق ذلك، فعكار العتيقة غنية بطبيعتها وغاباتها ومياهها وشلالها، وهي غنية بمعالمها الأثرية المتنوعة، والمهم الالتفات الرسمي اليها.

 

 <مش فارقة معهم>..

ــ هل ترسمين ايضاً على الكومبيوتر مع برامج الرسم العديدة والمتنوعة؟

– لا يعنيني الامـــــر لا مــن قــــــريب ولا من بعيد. نحن درسنا الـ<اوتــــوكاد> للهندســــة الا ان الرســـــم بهــــــذه الطريقــــــة لا روح فيه بالنسبة الي، والخط هو من يتحكم بالفنان ما يحد من ابداعه.

ــ اي لوحات ستعرض لك في <الاونيسكو> عبر الصين؟

– عرضت لي لوحات في معرض لـ<الاونيسكو> من خلال لبنان عندما تخرجت، والآن ومن خلال مشاركتي في ورشة العمل الصينية فاللوحتان اللتان تم اختيارهما عن الطبيعة الصينية كما لوحات مختلف المشاركين من الدول العربية قد تعرض في مختلف انحاء العالم حيث تجول معارض <الاونيسكو>.

ــ اي الفروقات لمستها ما بين الرسم العربي والرسم الصيني؟

– الفرق كبير من حيث التقنية، كما انهم يستخدمون بشكل كبير الحبر والخط الصينيين ولقد أذهلوني ببراعتهم وتقنيتهم وهم في ذلك كأنهم يعيشون في كوكب مستقل خاص بهم، في عالم آخر، ففنهم يشبههم كثيرا. صورة-3-ليال-الخولي-------4صحيح اننا نجد الفن الصيني المعاصر الذي يشبه الاوروبي المعاصر الا انهم بالاجمال يتمسكون بخصوصيتهم.

وتزيد ليال:

– أدهشتني قدرتهم على عدم التأثر باي بلد مهما كبرت عظمته <مش فارقة معهم حدا>، لا يهتمون كثيرا للشؤون السياسية ولديهم عالمهم الخاص حتى في التكنولوجيا اذ لديهم مفاتيح البحث والمواقع الالكترونية الخاصة بهم اي لديهم <غوغل> و<انستاغرام> و<الشات> الخاص بالصين، فهم ينفتحون على كل جديد انما يقولبونه بما يتوافق معهم.

ــ لو تسنى لك اقتناء لوحة واحدة، اي منها تختارين لتزيني بها بيتك؟

– مؤخراً كنت في مدينة <البندقية> الايطالية حيث شاركت بمعرض فني جماعي مع عدد من الفنانين اللبنانيين، وقد زرت متحف المدينة العريق ولفتتني لوحة للفنان <جاكسون بولوك> الرسام الاميركي الذي استخدم التنقيط بالفرشاة والتعبير المجرد في لوحاته، وهو من رفع شعار <أريد أن أعبر عن مشاعري أكثر مما أريد أن أرسم هذه المشاعر>. هي لوحة بسيطة الا ان جمالها يكمن في الالوان المكونة منها وقد رسم الفنان مجرد احساسه عليها.

ــ ما جديدك الآن؟

– احضر لمعرض فردي سيتطلب وقتا مع لوحات ومجسمات ومنحوتات وهو سيكون جاهزا في غضون سنة.

ــ انت ام ايضاً، فهل نقلت الموهبة الى ولديك؟

– أنا ام لصبيين يمتلك الصغير المهارات الفائقة وهو موهوب يبهرني برسمه، اما ابني البكر فميوله هندسي.

ــ هل يمكن تعليم الرسم ليصبح مهارة ام انه موهبة تولد بالفطرة وتنمو؟

– لا يمكن ان يعلّم الرسم من دون ان يكون طالبه شغوفا به. يمكن التدريب على اصوله ومع التدريب يمكن تطويره، لكن من شروط الابداع الموهبة والشغف، والعلم يكملهما.