14 November,2018

لو يتعلم السوريون من حرب لبنان لوفروا الكثير من الدماء والخراب!  

بقلم خالد عوض

putin-top

خطاب الرئيس الأميركي <باراك اوباما> في الجمعية العامة للأمم المتحدة يصلح لأن يكون خارطة طريق إنسانية لكثرة تركيزه على القيم والمبادئ التي يجب أن تحكم الأداء السياسي والاقتصادي للدول. الانفتاح والديمقراطية وقبول الآخر ومحاربة الطبقية والحد من الفقر والدمج الاجتماعي، كلها أفكار اعتبرها <اوباما> المقياس الصالح للتقدم الإنساني والحضاري. نظرياً، كلام الرئيس الأميركي هو قمة في الإنسانية السياسية، ولكن جردة حساب بسيطة من المنظار العربي تجرد الخطاب من الكثير من صدقيته.

ماذا حل بالعراق واليمن وسوريا وليبيا خلال ولاية <اوباما>؟ ما هو عدد المستوطنات الاسرائيلية الجديدة في الضفة الغربية والقدس خلال الثماني سنوات المنصرمة؟ أين أصبحت الثروة العربية؟ وكم مليار غرفت الشركات الأميركية من صفقات السلاح في الشرق الأوسط؟ الجواب بسيط: لقد صدرت الولايات المتحدة خلال عهد الرئيس الأميركي المنتهية ولايته بعد شهر ونصف الشهر أكثر من ١٣٠ مليار دولار من الاسلحة إلى منطقتنا، وهذا رقم قياسي أعلى بأكثر من ٤٠ بالمئة من أي فترة سابقة مماثلة.

كلام <اوباما> جميل ولكن جردة حساب الواقع العربي تعكس منتهى القباحة. الولايات المتحدة ليست مسؤولة مباشرة عما يحصل عندنا. ولكن سياسة الانكفاء الأميركي في عهد <اوباما> ساهمت في تدهور الأوضاع إلى ما آلت إليه. باختصار، لو أصدر الرئيس الأميركي أمراً بسيطاً ولكن حازماً بمنع صادرات السلاح إلى الشرق الأوسط لكنا صدّقنا كل كلمة قالها أمام المنبر الأممي.

ولكن العبارة الأكثر أهمية بالنسبة لنا في الشرق الأوسط، وفي دول جوار سوريا خاصة، وفي لبنان بالتحديد، في خطاب <اوباما> هو كلامه أنه لن يكون هناك حسم عسكري في سوريا. ترجمة ذلك سهلة: لن تفلح عشرات الطائرات الروسية ولا عشرات آلاف المقاتلين التابعين لإيران ومن بينهم حزب الله ولا النظام السوري في الحسم. بمعنى آخر هذا يعني أن الولايات المتحدة لن تسمح بذلك.

الذين يموتون في سوريا اليوم من هذا الجانب أو الآخر يعتقدون أن الحسم ممكن وأن تكبيد الخصم خسارة كبيرة هو في المنال. ولكن الرئيس الأميركي وإدارته ومخابراته، خاصة مخابراته، وضعت خطوطاً حمراء من الصعب لأي فريق أن يتجاوزها. تماماً مثل خطوط التماس وما كان يسمى بالخط الأخضر في الاسواق اللبنانية منذ أربعين سنة. كلام <اوباما> أنه لن يحصل حسم عسكري في سوريا يعكس قراراً أميركياً اوبامابذلك وليس فقط توقعات. هو رسالة إلى الروس الذين جاؤوا بأسطولهم الجوي منذ سنة على أمل بعض الحسم ولكنهم فوجئوا بمعارضة شرسة تملك اسلحة نوعية لم تكن لتحصل عليها من دون غطاء أميركي. المكسب الكبير الذي حققه <بوتين> في سوريا هو أنه جلس على رأس طاولة المفاوضات بدلاً من إيران أو النظام السوري، وربما تُضاف إلى هذا المكسب زيادة في شعبيته الداخلية حيث ربح حزبه الانتخابات التشريعية.

 إن مجرد اسم هدنة <لافروف> – <كيري>، يوحي بأن الولايات المتحدة لاعب رئيسي في الحرب السورية. فمن الطبيعي أن يكون وزير الخارجية الروسي طرفاً، خاصة وأن طائرات دولته ومستشاريها العسكريين يحاربون على الأراضي السورية. ولكن ما علاقة <جون كيري> وزير الخارجية الأميركية في اقرار الهدنة خاصة أن دولته ليست طرفاً عسكرياً على الأرض؟ حتى لو فسرنا ذلك بأنها هدنة <بالمونة> الأميركية على أطراف النزاع الاقليميين فهذا يعني أن الولايات المتحدة ضالعة في العمليات العسكرية في سوريا. وعندما يقول <اوباما> أن الحسم لن يحصل، لا بد من فهم ذلك على أن الحسم ممنوع.

الخيار أمام طرفي النزاع في سوريا يصبح سهلاً إذا عرفا قراءة الكلام الأميركي. أي شخص يموت من هذا الطرف أو ذاك هو من اجل تثبيت خطوط التماس الدولية ليس إلا. المثل وراءكم في لبنان. لم تتحرك خطوط التماس مليمتراً واحداً على مدى سنوات. موتوا إذا أردتم ولكن لا تتوقعوا الحسم. توقعوا أن يستغل دمكم في مفاوضات حول مستقبل سوريا لن تكون أفضل من <اتفاق الطائف> اللبناني، أي حكم سياسي طائفي مثل <الموزاييك> يضاف إليه العنصر العرقي الذي لم يكن موجوداً في الحرب اللبنانية.

أو باستطاعتكم أن تتوقفوا عن الحرب، وأن تفرضوا من دون دماء الحل المنطقي الذي يحمل مفهوم التنازل الإيجابي من اجل وطن حقيقي. باستطاعة حزب الله أن يقود هذا الاتجاه ويقول لأهله أن <المهمة> في سوريا أصبحت مستحيلة وأن دماء ابنائه أغلى من أن تكون سلعة على طاولة مفاوضات اللاعبين الكبار. الاعتراف بأن البوصلة ضاعت في سوريا ليس هزيمة بل هو النضوج الحقيقي، وهذا ما يجب توقعه من قيادة حزب الله اذا أرادت أن تصدق مع جمهورها. فإرسالهم للموت من اجل تحسين شروط التسوية لم يعد مقبولاً بأي منطق، لا المقاومة ولا الممانعة ولا المذهب. بشار الاسد هو خط تماس لا أكثر ولا اقل، مثله مثل كنيسة مار مخايل في الشياح خلال الحرب اللبنانية التي ما زالت موجودة اليوم كرمز مسيحي في الضاحية ولكنها تعبر أكثر عن أحد خطوط تماس الحرب اللبنانية.

الوضع السوري في هذه المرحلة يفرض على كل من يحارب هناك أن يعود إلى أحداث لبنان ليكتشف أن تسوية <اتفاق الطائف> كان يمكن الوصول إليها عام ١٩٨٢ أو عام ١٩٨٤ على أبعد تقدير، ولكنا وفرنا خمس سنوات على الاقل من القتلى والجرحى والخراب والدمار والانهيار المالي والاقتصادي.

التسوية في سوريا أيعنت. لا داعي لإسقائها بمزيد من الدماء. استمعوا جيداً إلى كلام <اوباما> وانظروا إلى مبيعات شركات السلاح الروسية والصينية وخاصة الأميركية ثم…. قرروا.