19 June,2018

لوسيان بو رجيلي ممثل لبنان في مهرجان ”ميامي الدولي للأفلام“ ومرشح لجائزة ”جوردن رسلر“ لأفضل سيناريو : أردت وضع شريط أسود حداداً على المشاهـد التي حذفتها الرقابـة فهُدّدت بمنـع عـرض فيلـم ”غــداء العيــد“!

بقلم عبير انطون

صورة-لوسيان-بو-رجيلي 

<غداء العيد> فيلم لوسيان بو رجيلي الذي عرفه اللبنانيون وجها من الوجوه المتقدمة في الحراك المدني في عز انطلاقته قبل ان ينحسر لأكثر من سبب، يفوز بجائزة لجنة التحكيم في الدورة الـ14 لمهرجان <دبي السينمائي الدولي> وينطلق في بيروت في الاول من شهر آذار/ مارس الحالي. يتناول الفيلم قصة عائلة تجتمع حول غداء العيد، تضحك وتتساير، تعيش الاجواء المريحة الى ان يحصل ما يكهرب الجو لا بل ما يقلب النهار رأسا على عقب، ولتطفو على السطح المشاعر والحالات والتناقضات والاحكام، وهي ليست فقط خاصة بهذه العائلة وعلاقات افرادها بعضهم ببعض انما تتعداها الى ما هو وطني عام مشترك وشائك. فما الذي حدث؟ ما الذي يجعل الفيلم مميزا ليحصد الجوائز، ولماذا حكي عن منع الفيلم وما الذي حذف منه؟

 <الافكار> فتحت باب الاسئلة مع لوسيان بورجيلي وبدأنا بالسؤال:

ــ كيف ولدت فكرة الفيلم؟

– منذ سنتين وانا افكر بفيلم يجري في نهار واحد في قلب عائلة واحدة. استغرق الأمر ما بين كتابة السيناريو وتنقيحه واختيار <الكاستينغ> ستة اشهر وتم التصوير في شهر ونصف الشهر تقريباً.

ــ اخترت ممثليك من غير المحترفين، ما السبب وكيف <اصطدهم> ليكونوا حقيقيين جداً ويقنعونا في الصورة التي ظهروا بها؟

– لطالما فكرت اننا في لبنان قد نملك موهبة وتبقى مغمورة ولا من يكتشفها. فالمدارس لا تولي أهمية لهذا المجال، وبعضها في قسم قليل يدرّس المسرح، وبشكل متقطع أحيانا. في مدرستي افتقدت الى مثل هذا الصف والمادة الفنية الوحيدة التي كنت اتلقاها هي الرسم. بعض المواهب غير قادرة على اكتشاف ذاتها، كما ان تشجيع الأهل في هذا المجال غير قائم اذ يفضلون لاولادهم مهنا اكثر انتاجية مادياً فيقبع صاحب الموهبة منتظرا الفرصة التي قد تأتي أو لا. ممثلو الفيلم يدخلون في نطاق هذه الفئة.

ــ لكن الوضع تغير اليوم وبات الفن والتمثيل يطعمان خبزاً بحسب ما نرى. أليس صحيحاً؟

– لا زالت الأمور صعبة ويحتاج هذا المجال الى الكثير من الدعم. في جميع بلدان العالم تدعم الجهات المعنية الفن لقيمته ومردوده الثقافي على المجتمع. في أوروبا، المسرحيات هي من انتاج رسمي في غالبيتها بغير المسرحيات التجارية وبينها تلك التجريبية الرائدة الا في لبنان فالدعم غائب.

وبعد برهة يضيف لوسيان:

– التمثيل بالنسبة لي من أهم الفنون ففيه خلق للشخصية وإبداع في تشخيصها. فالممثل هو الاداة، اللوحة، الموضوع والألوان وللأسف لا يتم ايلاؤه الأهمية اللازمة.

ــ كيف اجريت الـ<كاستينغ> لاختيار الممثلين ومن بينهم متقدمون في العمر كالوالدين الأم والأب؟

– اعلنت عن قيامي بعملية اختيار للممثلين فتلقيت 2500 طلب. رحت التقيهم واختار واستبعد حتى وصلت للممثلين الأربعة عشر الذين ترونهم على الشاشة وبالعفوية التي تحدثت عنها. هذه قد تبدو للمشاهد سهلة الا انها تطلبت الكثير من الجهد والعمل. هذه العفوية لم تأت من عبث وعملنا عليها لأشهر من التدريب والاعادات.

<بالغلط>…

ــ وانت كيف دخلت عالم السينما والتمثيل؟

– <بالغلط> نوعاً ما. لم يشجعني احد او يقدم لي فرصة. لطالما أحببت الكتابة والموسيقى اما التمثيل فلم اختبره حتى اكتشفه. في احد الصفوف قام <سئيل> الصف يومئذٍ بالتهكم على شعري المبعثر فاذا به ينعتني بأن شكلي <متل الممثلين>. علقت <السخرية> برأسي واخذتها بناحية ايجابية. وبعد سنوات سمعت احدهم يتكلم عن محترف للتمثيل ذاكراً اسم المسرحي منير ابو دبس أمامي. ذهبت اليه بمفردي وهكذا بدأت، من المحترف، بعد ذلك حصلت على شهادة في الفنون الجميلة كما حزت منحة <Fullbright> للدراسة في لوس انجلوس فحصلت على شهادة الدراسات العليا في السينما، هذا علما ان اختصاصي الجامعي كان في مكان آخر اذ انني درست الاعمال في المعهد العالي للاعمال <ESA>.

ــ هل انت <ريتا> في الفيلم، بمعنى انها شخصية متمردة وغير مهادنة في اي شيء؟

– ما من شخصية في الفيلم هي <أنا>. الشخصيات جميعها كتبت عن نماذج اعرفهم او اعرف من يعرفهم. كل مشاهد رأى فيّ شخصية مختلفة. منهم من وجد بي <ربيع> وآخرون <سيرج> وكل بحسب رؤيته للفيلم.

ــ قارنتك بشخصية <ريتا> على خلفية نشاطك في حراك المجتمع المدني وانت بشخصيتك متمرد وثائر.

– الفيلم بمجمله له علاقة بحياتي وبحياة كل لبناني. في الفيلم ما من رسالة واحدة بل الرسالة والاخرى المضادة لها، حتى <ريتا> عندما تتمرد وتتكلم فان كلامها ليس من دون ان يجد رداً من شخصية مقابلة تقول لها <لأ مش مظبوط>. ما من حقيقة مطلقة في الفيلم، كما وليس في الحياة. الحقيقة هي بحسب ما ينظر اليها المشاهد. فيلمي يحث على طرح الأسئلة اكثر من الاجابة عنها، كل بحسب عمره وحياته ووضعه واين هو من مسار حياته واختباراته وتجاربه، والاجوبة تختلف من فرد الى آخر.

ــ لماذا أعطيت الفيلم هوية واضحة وجعلتها عائلة لبنانية مسيحية ومؤمنة؟

– حتى تكون واقعية وهي تعيش الايمان تبريراً لـ<غداء العيد>، عيد الفصح. العموميات باتت مملة، تفتقد الى الاحساس بالصدق تجاه ما نراه، ويشعر المشاهد كأنه ينظر اليها من بعيد ولا تعنيه. حتى انه في مشهد من الفيلم تجدونني أسخر من لعبة الاسماء التي نعتمدها في مسلسلاتنا وافلامنا والتي تبقى دائما مبهمة الهوية. لكن الانتماء الديني المحدد للعائلة في الفيلم لا يعني بأي شكل انه لا يتكلم عن الاشخاص من الطوائف والمعتقدات الأخرى، لا بل القصة هي نفسها، وما على المشاهد من المعتقد الآخر سوى ان يقلب الاسماء حتى يرى نفسه وفي جوهر الصورة ذاتها.

ــ الفيلم مرشح لجائزة عالمية في السيناريو السينمائي. ماذا تتوقع له واية ردة فعل تتوقعها أيضا مع عرضه في صالات لبنان في الأول من آذار/ مارس وسط سيل الافلام الكوميدية المعروضة حالياً؟

– أتمنى له النجاح لدى عرضه في ميامي وترشيحه لجائزة <جوردن رسلر> لأفضل سيناريو سينمائي. في لبنان أنا اناقض تماماً مقولة <الجمهور عايز كده>. بالعكس المشاهد يفرح بطبق دسم ولذيذ تقدمينه له، موضوع حقيقي يؤثر ويعلق في ذهنه بعد ان يترك صالة العرض. الجمهور اللبناني يريد ما هو مختلف بطريقة سلسلة. و<غداء العيد> يجمع الكوميديا الى التراجيديا وفيه تنوع كبير في المشاعر والانفعالات وردود الفعل. اتمنى له النجاح عند عرضه ونحن في لبنان نتكل في الترويج على الحديث من شخص الى آخر، وقد فرحت البارحة لما أخبرني احد الاصدقاء انه كان موجودا في مكان معين وتحدث اليه شخص عن فيلمي بشكل ايجابي جدا من دون ان يعرف انه صديقي، هذا يسعدني حقاً!

-لماذا عنون الفيلم باللغة العربية <غداء العيد> على غير ما هو بالانكليزية <Heaven Without People>؟

– العنوان العربي يشد المشاهد اللبناني بينما قد لا يصل للمشاهد الأجنبي او لا يعني له في الترجمة الحرفية له.

0W7A2664

مقص… وشريط أسود!

ــ هل صحيح ان الفيلم كان على عتبة ان يمنع من قبل الرقابة ولماذا؟

– نعم لقد تعرض لمقص الرقيب. لن ادخل في التفاصيل حتى لا يؤثر ذلك على المشاهد وفي مشهد اعتبر شخصياً قمة السخافة أن يمس به. والاغرب من ذلك كله ان الفيلم عرض في دبي من دون اي اجتزاء وكذلك ايضا في المغرب، ما عدا لبنان الذي نتغنى بحريته والذي كان البلد العربي الاول من موقّعي شرعة حقوق الانسان!

ــ اختير <غداء العيد> لختام مهرجان <الأفلام الأوروبية> في لبنان. هل عرض كاملاً؟

– لا للأسف، بالنسخة التي قصت الرقابة منها.

ــ هل كان مشهدا جريئا في تشخيصه ام هو متعلق بالسيناريو ام ماذا؟

– <طائفي على سياسي> وهو مشهد لا يجب ان يسأل عنه حتى. هي سخافة الرقابة مع الافلام. انه المشهد الذي صورناه بلقطة واحدة تمتد لـ14 دقيقة بحيث تدور الكاميرا من دون مونتاج، وفجأة قطعه مقص الرقيب. المضحك المبكي ان لجنة التحكيم في مهرجان دبي حيث حصد الفيلم جائزتها هنأوني عليه وعلى التقنية التي استخدمتها فيه، وقد اردت ان اضع شريطا أسود على الشاشة في المشهد حيث تم الحذف فهددت بمنع عرض الفيلم… انهم لا يريدون حتى ان يعرف الجمهور بأن هناك <قصاً> جرى أو ان هناك مكتباً يراقب ويحذف و<ينزع>.

ــ انت من وجوه المجتمع المدني التي علّت الصوت بجرأة. هل ستترشح الى الانتخابات على لوائهم؟

– أنا بالتأكيد داعم لهم. لم اسأل حول مسألة الترشيح واذا طلب مني يجري البحث في الأمر. بالنهاية المهم ان يكون البديل موجودا.

ــ ما هي الانتقادات التي سمعتها بعد العرض الاول للصحافة وما المحق منها برأيك؟

– لم اسمع السلبي منها لأنه ربما بوجودي لن يتكلموا بالأمور السلبية لكن من خلال اللقاءات التي تلت العرض <كبر قلبي> وأنا أسمع التعليقات. لقد عملنا على الفيلم بحب وبشغف، لم نرد ان نتوسع به بل ان ننتجه باقل كلفة ممكنة لعمل جدير بالمشاهدة وبطريقة محترفة، ويبدو اننا نجحنا في ذلك مع الجوائز التي يحصدها، وقد اتخذنا الى تقليل الميزانية سبيلا بان نتمرن ونقوم بالاعادات حتى نكون حاضرين في أيام التصوير ولا يستغرق وقتاً وتكاليف أكبر.

ــ انه فيلمك الروائي الطويل الاول؟

– نعم بعد سلسلة من الافلام القصيرة.

ــ مَن يلفتك بين المخرجين اللبنانيين في اعماله السينمائية؟

– باقة متنوعة بينها طبعا زياد دويري بتقنيته العالية، نادين لبكي، فيليب عرقتنجي، غسان سلهب، جان شمعون رحمه الله كما اعمال زوجته مي المصري. المخرجون متميزون، وانه لا ينقص الدعم فقط انما يجب أيضا التحرر من الخوف من الضغط، الضغط من الحكم على أفكارنا. لقد خشيت كثيرا من منع الفيلم من العرض… لا يمكن للسينمائي ان يعيش في وسواس دائم، فنحن لا نملك ترف الانتاج الغزير، ومجرد التفكير بمنع الفيلم يقيد السينمائي ويجعله يقوم برقابة ذاتية، واؤكد لكم ان هذه باتت اكثر مما نتخيل، فعمل الفنان يجب ان يكون حرا وان يصل الى الناس بالشكل الصحيح وهي الوحيدة المخولة ان تحكم.

ــ كمشاهدة للفيلم خشيت على صورة العائلة، وهي ربما من القيم القليلة التي لا تزال نوعاً ما صامدة في مجتمعنا، لكن في النهاية تغير الوضع…

– مهما كان الموضوع المطروح، ويمكن أن يكون مزعجاً او مضايقاً او مقلقاً يبقى رأياً خاصاً. كمشاهدة وجدت انه قد يضر بصورة العائلة، الا انه رأي خاص يمكن ان يتخذه فرد او مجموعة لكن لا يحق لأحد ان يقرر ذلك عنك. الانسان الحر هو من يقرر ما يشاهده وما يعرض عن حضوره، فلماذا يقرر عني شخص آخر ذلك، ومن قال انه ادرى او اكثر وعياً مني؟ هل مكتب الرقابة منتخب من الشعب حتى يقرر بالوكالة عنه؟