24 July,2019

”لودريان“: التأخير في تطبيق التزامات ”سيدر“ يقلقنا ونضغط على الدول المشاركة لإبقاء استثماراتها!

 

سريعة كانت زيارة وزير الخارجية الفرنسية <جان ايف لودريان> الى بيروت الأسبوع الماضي لتمثيل الرئيس الفرنسي <ايمانويل ماكرون> في مأتم تشييع البطريرك الراحل مار نصر الله بطرس صفير في بكركي. وسريعة أيضاً كانت لقاءاته في العاصمة اللبنانية لاسيما مع رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الذي تسلم منه رسالة خطية من الرئيس الفرنسي تضمنت التعازي بالراحل الكبير وتأكيداً للموقف الفرنسي الداعم للبنان في مختلف المجالات. لكن الوزير <لودريان> لم يكن وحده في هذه الزيارة إذ رافقه فيها مدير مكتبه السفير <ايمانويل بون> الذي رأس البعثة الديبلوماسية الفرنسية في بيروت لأشهر قبل أن ينتقل الى باريس مع تعيين <لودريان> وزيراً للخارجية، ونسج علاقات متينة مع القيادات اللبنانية وظل على تواصل معها بعد انتقاله الى <الكي دورسيه>.

وإذا كان الوزير <لودريان> اختصر لقاءاته في بيروت، واكتفى بإيصال رسائل محددة الى من التقاهم، فإن السفير <بون> أحيا اتصالاته اللبنانية مستطلعاً مواقف حول الأحداث الراهنة والتطورات الأخيرة، وموجهاً <انطباعات> الادارة الفرنسية على ما يجري من أحداث داخل لبنان وخارجه. وقالت مصادر مطلعة على الموقف الفرنسي انه إضافة ال ابلاغ اللبنانيين ان فرنسا موجودة دائماً الى جانبهم في الأوقات الصعبة والسعيدة في آن، فإن <لودريان> والسفير <بون> مررا الكثير من الملاحظات لم تكن كلها ايجاية وأظهرت ان باريس على علم بأدق التفاصيل وتتابع مجريات الأمور في لبنان حتى ما يتعلق منها بالمداولات حول مشروع موازنة 2019 التي تتمنى باريس أن تكون <صادقة> وفيها توازن يتناسب مع الالتزامات التي فرضتها الحكومة على نفسها، وأن تكون موازنة واضحة مقبولة من المستعدين للاستثمار في لبنان.

 

<لا تتأخروا في الموازنة والاصلاحات>

 

وتؤكد المصادر ان ما دار من أحاديث خلال محطة <لودريان> اللبنانية ركز على ان باريس طمأنت المسؤوليين اللبنانيين بأن اقلاع <سيدر> ولو متأخراً هو المطلب الأساس للرئيس <ماكرون> الذي تحمل مسؤولية الدعوة إليه وأمن له مشاركة واسعة أثمرت استعدادات بالاستثمار في لبنان بقيمة 11 مليار يورو، وهو مبلغ مهم في الزمن الراهن وسط التطورات السلبية التي تحيط بلبنان. لكن <التطمين> الفرنسي حيال <مدة صلاحية> توصيات <سيدر> والتزاماته لم يسقط من الحساب الفرنسي بعض العتب الذي قيل بلغة ديبلوماسية لعدم تحقيق خطوات كثيرة التزمت الحكومة اللبنانية بها، ومنها عدم تعيين الهيئة الناظمة للكهرباء لأن ذلك يمكن ــ في نظر الفرنسيين ــ أن يساعد على التخفيف من عجز الموازنة من خلال تحقيق اصلاح في الكهرباء ويقلل من الدين. أما الرسالة الأخرى التي وصلت مع زيارة <لودريان>، فقد تناولت ما يسميه الفرنسيون <الاصلاحات> التي يرون ان تحقيقها يجعل اللبنانيين يتقبلون التدابير التي تسمح بتقاسم العبء بينهم وبين الدولة من دون حصول هزات داخلية تصيب الاستقرار الذي يعيشه لبنان منذ انتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية. وهذا التوجه، الذي يسعى إليه الرئيس <ماكرون> في بلاده لمواجهة التحركات الشعبية من ذوي <السترات الصفر>، يعتبره الفرنسيون نموذجاً يمكن أن يصلح في لبنان خصوصاً إذا ما اعتمدت بيروت خفضاً في الانفاق على القطاع العام مبرمجاً على سنوات عدة من ضمن استراتيجية متماسكة ومنظمة للموازنة تتفادى إلقاء الثقل على الفئات الضعيفة في المجتمع، بل على الذين في مقدورهم احتمال أي خفض على مواردهم، والمهم ــ في نظر الفرنسيين ــ الوضوح في الموازنة لطمأنة المستثمرين المستعدين للمجيء الى لبنان بعد حصولهم على التعهدات والتطمينات التي تشجع ولا تعرقل.

ومع تسجيل ملاحظة حول التأخير في تشكيل الحكومة وتأثيره على الوضع العام ولاسيما على تنفيذ التزامات <سيدر> وتوصياته، فإن الجانب الفرنسي أعاد تذكير المسؤولين اللبنانيين بأن استمرار التأخير سوف ينعكس سلباً على الدول التي وعدت بالاستثمار في لبنان خلال مؤتمر <سيدر>، وقد أبدى عدد من المسؤولين الدوليين تخوفاً أمام الإدارة الفرنسية من ان لا يفي لبنان بوعوده، لكن باريس طمأنتهم <على مسؤوليتها> وهي لا تريد أن تصاب بـ<خيبة أمل> حيال هذه الوعود، علماً ان الفرنسيين يقولون بوضوح ان السفير <دوكين> المكلف من الرئيس <ماكرون> متابعة ملف <سيدر> مع المسؤولين اللبنانيين <صُدم> من عدم تنفيذ ما وعدت به الدولة لجهة تحديد أولويات مشاريع <سيدر> لتوفير التمويل لها، وهو لا يزال ينتظر هذا التحديد، وأيضاً تشكيل الهيئات الناظمة في الكهرباء والهاتف والطيران المدني، وتفعيل مجلس الخصخصة الذي غدا بلا  أمين عام بعد استقالة زياد حايك في ظروف أظهرت التباساً في الموقف الرسمي منه لعدم دعم ترشيحه للبنك الدولي.

زيارة <ماكرون> في النصف الثاني

أما في ما يتعلق بالزيارة المرتقبة للرئيس <ماكرون> الى لبنان والتي تأجلت ثلاث مرات حتى الآن، فالجانب الفرنسي يبرر تأجيلها بالأزمة الحكومية التي عصفت بلبنان طوال تسعة أشهر وعدم وجود سلطة تنفيذية للبحث مع الوزراء في إطار <التعاون الكبير> الذي يريده <ماكرون> مع لبنان للسنوات العشر المقبلة لاسيما في مجالات التعليم والثقافة والتعاون العسكري، من دون أن يسقط المسؤول الفرنسي من لائحة الأسباب، <الأجندة الوطنية> التي يعمل عليها الرئيس <ماكرون> مثل الاصلاحات والحوار الوطني والانتخابات الأوروبية وغيرها… لكن الوزير <لودريان> طمأن الذين التقاهم في زيارته السريعة الى ان الزيارة الرئاسية الفرنسية مرشح أن تتم في النصف الثاني من السنة الجارية، على أمل أن تكون الظروف قد باتت مهيأة لتحقيق نتائج جيدة، ويكون الحوار حول الاستراتيجية الدفاعية قد انطلق وفق ما كان التزم به الرئيس عون قبيل الانتخابات النيابية، خصوصاً ان باريس ترى ان الظروف الاقليمية المعقدة يجب ألا تحول دون البحث بها كي يكون للقوى الأمنية اللبنانية ولاسيما الجيش المسؤولية الكاملة من دون شراكة في حفظ الأمن على الأراضي اللبنانية.