13 December,2019

لوحات الرسام البريطاني ”توم يونغ“ تجسّد الثورة...

 

بقلم وردية بطرس

يكنّ الرسام البريطاني <توم يونغ> محبة خاصة للبنان، اذ يقيم في البلد منذ عشر سنوات ويتحدث دائماً عن ولعه بالمباني التاريخية والتراثية حيث رسم العديد من اللوحات عن تلك المباني… فمنذ عام استطاع <توم يونغ> من خلال ريشته بث الروح في فندق <غراند صوفر> العريق وذلك بعد اربعة عقود من اغلاقه، فلوحاته أعادت للفندق الحياة ونبشت الماضي المجيد الذي كان قبلة الساسة والمشاهير. وهو يدرس تاريخ المباني المهجورة في لبنان ويبدع بلوحات تستند الى صور قديمة وقصص وحكايات وأنماط العمارة والبيئة المحيطة… واليوم تتناقل صور اللوحات التي يرسمها <توم يونغ> عن الثورة التي بدأت في 17 تشرين الأول (اكتوبر) الماضي في وسائل التواصل الاجتماعي نظراً لجمالها ورمزيتها، اذ ان لوحاته تجسّد ما يحصل في الساحات والشوارع، اذ انه رسم حوالى ثماني لوحات، ولكل لوحة حكاية ومنها لوحة عن المتظاهرين في ساحة الشهداء، ولوحة الأم وطن والوطن أم اذ تبرز فيها صورة الابنة تحتضن الأم وكأن اللبنانيين يحتضنون بلدهم الأم لبنان، وأيضاً لوحة عن السلسلة البشرية، ومشاركة المرأة اللبنانية في الثورة حيث لعبت دوراً مهماً فيها منذ اليوم الأول، وغيرها من المواضيع التي تناولها <يونغ> في لوحاته التي تنال اعجاب اللبنانيين ويقومون بنشرها في وسائل التواصل الاجتماعي.

وكان لـ<الأفكار> حديث مع الرسام <توم يونغ> عن لوحاته التي تحكي عن الحراك الذي يشهده لبنان، ونسأله عن سبب اهتمامه برسم لوحات عن الحراك فيقول:

– أحب لبنان كثيراً، اذ اقيم في هذا البلد الجميل منذ عشر سنوات، وكنت قد أتيت الى هنا منذ 13 سنة، وأرغب بدعم هذا الحراك الرائع من خلال أعمالي الفنية، انها طريقة لاعطاء طاقة ايجابية للشعب اللبناني والنضال من أجل حياة أفضل… ولو انني لست لبنانياً ولكنني شعرت بأنني اود ان اشارك من خلال لوحاتي، كما انه لدي العديد من الأصدقاء اللبنانيين، وأريد دعم هذه الحركة التي هي حقاً من أجل وحدة لبنان، وانصاف الناس بغض النظر عن ديانتهم او الوضع الاقتصادي، وأيضاً لتلبية الاحتياجات الأساسية للناس. كما تعلمين انني رسام اهتم كثيراً برسم الذكريات الماضية والأماكن التاريخية والأحداث التاريخية، ولطالما قمت برسم الذكريات ولكن الآن أعيش اللحظات يومياً اذ انتقل مباشرة الى الوقت الحاضر وأرسم الذكريات حرفياً في اليوم نفسه او الأمس، وبالتالي اختبر مشاعر مختلفة وانا ارسم هذه اللوحات لأنني اعيش تفاصيلها. وانني أعتقد ان اللوحة تتميز بجودة خاصة ربما لا يملكها التصوير الفوتوغرافي والأفلام، فاللوحة أكثر انسانية وعاطفية. بعض المصورين لديهم قدرة مذهلة على التقاط الحركة والجو العام، الا ان اللوحة تتميز بالتأكيد بجودة عاطفية، فاذا كان الرسام يرسم شيئاً ما يصبح تقريباً اكثر من مجرد صورة ذات اطار متحرك وما شابه. بالنسبة الي فعندما أرسم أركز كثيراً واجلس لساعات طويلة لأرسم، فالرسم يشبه التأمل، وهذا ما اقوم به عندما أرسم هذه الأحداث، اذ أتامل في الواقع وأحاول تغيير الطاقة والمساهمة في شيء ما في لوحة واحدة.

أول لوحة للمتظاهرين في ساحة الشهداء!

ــ كم لوحة رسمت عن الثورة؟ وماذا عن اللوحة التي رسمتها عن المتظاهرين في ساحة الشهداء اذ عشت تفاصيل ذلك اليوم فتجسّد ذلك في لوحة؟

– منذ ان بدأت الثورة رسمت حوالى ثماني لوحات. بالنسبة لأول لوحة رسمتها عن المتظاهرين في ساحة الشهداء فلها قصة مثيرة، حيث كنت في ساحة الشهداء في الصباح أتحدث مع المتظاهرين، وأتحقق من التفاصيل الفنية للرسم، من ثم ذهبت الى مشغل الرسم لدي في الجميزة وهو قريب جداً من ساحة الشهداء، وفي طريق العودة علمت ان هناك مشاجرة كبيرة تجري على جسر الرينغ بين المتظاهرين وشبان من الخندق الغميق، وعندما وصلت الى المكان كان الشبان  قد رحلوا، وبعدها عدت الى منزلي لأرسم اللوحة عن المتظاهرين في ساحة الشهداء، وشاهدت الأخبار كيف ان أنصاراً من حزب الله وحركة أمل يحرقون الخيم المنصوبة في ساحة الشهداء التي كنت أرسمها في الصباح نفسه اذ رأيتها كيف تحترق، فشعرت بحزن وألم عندما شاهدت ذلك على شاشة التلفاز، وعندما غادر الشبان الذين أحرقوا الخيم قررت العودة مباشرة الى ساحة الشهداء لمساعدة المتظاهرين على اعادة بناء الخيم وتنظيف المكان، وبعدها قررت ان اعود الى مشغل الرسم لاعادة بناء اللوحة كما فعلنا باعادة بناء الخيم في ساحة الشهداء، اذ عشت اللحظة في الواقع وخلال رسم تلك اللوحة. وسألت ما هو الواقع؟ وما هي اللوحة؟ لقد اختلط كل شيء الابداع والعنف والمعاناة والغضب والفرح معاً، لقد اختلطت كل المشاعر. وبعد اربعة او خمسة ايام فقط أقيم احتفال كبير في ساحة الشهداء بعدما قام المتظاهرون والمتظاهرات باعادة نصب الخيم من جديد، فكان الأمر رائعاً جداً ان تُقام حفلة كبيرة بعدما اعتدى الشبان على المتظاهرين وأحرقوا الخيم، فكان عدد المتظاهرين أكبر بكثير وهذا يظهر مدى اصرارهم للمضي بهذا الحراك بالرغم من كل شيء، وعندها رسمت أيضاً لوحة عما حصل في ذلك اليوم، لأنني تأثرت كثيراً.

لوحة صبي يحمل العلم اللبناني امام الاطارات المشتعلة!

وعن طريق العودة من صيدا الى بيروت يقول:

– عندما بدأت الاحتجاجات كنت في صيدا اذ كان لدي مشروع اقوم به، لذلك اضطررت ان اعود الى بيروت عبر الطرق الوعرة لأن الطريق العام كان مقفلاً، وكنت مضطراً ان اعود الى بيروت اذ لا أحد يعلم ماذا سيحدث، كما انني اردت العودة الى بيروت في اليوم التالي من بدء الحراك لأنه حدث تاريخي، وكان من المهم التقاط ذلك من خلال الرسم لدعم هذا الحراك بريشتي ولوحاتي، حتى يتمكن الناس من رؤية ما يحدث من خلال عمل فني، فربما يمنحهم ذلك المزيد من الطاقة. وبالتالي فان اول لوحة رسمتها كانت تتعلق بالثورة عندما كنت في صيدا وأحاول الخروج من المدينة باتجاه بيروت اذ كانت كل الطرق مغلقة، فرسمت لوحة عن الاطارات المشتعلة التي كانت تتأرجح على الطرقات، وعندما وصلت الى بيروت كان قد تم اغلاق طريق المطار وكان هناك حريق في الشوارع ولقد دُهشت كثيراً عندما رأيت في الشوارع الخلفية للأوزاعي حيث انها منطقة شيعية كيف كان الناس يلوحون بالأعلام اللبنانية في الشوارع وكنت أفكر لماذا؟ اذ ظننت انهم سيحملون الأعلام الصفراء (اشارة الى علم حزب الله)، وكان اللبنانيون هناك يغنون أغاني لبنانية وطنية، وكنت أفكر في تلك اللحظة ان هناك أمراً مختلفاً يحدث، وربما كان لدي تفاؤل خاطىء ولكن يظهر لنا بعض الأمل ولا أظن ان اي حركة حقيقية تحدث في لبنان بدون الشيعة، فلقد رأينا المسيحيين والسنة وغيرهم يرقصون ويهتفون في الشوارع، ولكن لن يحدث اي تغيير دائم بالفعل بدون مشاركة الشيعة، وبدون ايمان الشيعة بمفهوم لبنان برمته. من الواضح ان هذا هو التغيير، خصوصاً ان الناس اليوم ينادون بمحاسبة المسؤولين اذ يقولون بصوت واحد <كلن يعني كلن> لأنه للأسف السياسيون لا يريدون سوى جمع الكثير من المال وهذه هي المشكلة الكبيرة. لذلك قمت برسم لوحة عن ذلك الفتى الصغير الذي كان يلوح بالعلم اللبناني في الأوزاعي امام الاطارات المشتعلة على الطريق وتُسمى هذه اللوحة <لوحة النار>. وعندما وصلت الى بيروت رسمت لوحة عن الحفلة الضخمة التي اقيمت في ساحة الشهداء حيث كان الناس يغنون ويرقصون، ورسمت العلم اللبناني الذي يحمل اللون الأحمر، فاللون الأحمر يعبّر عن العاطفة والحب وايضاً الدماء التي سالت في هذا البلد، لذا الرسم باللون الأحمر مهم جداً.

لوحة السلسلة البشرية والمرأة اللبنانية!

وعن تأثره بالسلسلة البشرية التي شارك فيها اللبنانيون على امتداد البلد يقول:

– عندما أُطلقت فكرة السلسلة البشرية قررت ان ارسم هذه اللوحة، اذ ادركت ان كل لوحاتي كانت عن الرجال والشبان وطبعاً كانت النساء حاضرات في هذا الحراك منذ اليوم الأول، لذا قررت ان ارسم عن النساء اللواتي شاركن في السلسلة البشرية، لقد استلهمت من دور المرأة في هذا الحراك لأرسم هذه اللوحة، في الحقيقة ان لبنان بذاته مثل الأم، او كما يقولون الوطن الأم، فاللوحة التي رسمتها عن المرأة: الابنة تحتضن الأم لها رمزية خاصة ليس فقط كنساء بل أيضاً عن لبنان البلد الأم. وأيضاً على المستوى الشخصي اذ كنت صغيراً جداً عندما توفيت والدتي ولهذا اعرف ماذا يعني ان يخسر الانسان والدته. الحقيقة ان الناس يحافظون على أمهاتهم والأم هي لبنان، لذلك هذه اللوحة التي رسمتها لها معان عديدة بالنسبة الي على المستوى الشخصي. لذا رسمت هذه اللوحة في اليوم نفسه الذي تجمع فيه اللبنانيون للمشاركة في السلسلة البشرية، لأنني أردت التركيز كرسام على هذا الجانب، وقد رأيت انه من الأفضل ان انضم الى الانسان في لبنان في ذلك اليوم من خلال فني على المستوى الروحي. وآخر لوحة رسمتها كانت عن الحفلة الكبيرة التي اقامها المتظاهرون في ساحة الشهداء يوم الأحد رداً على المظاهرة التي قام بها أنصار التيار الوطني الحر الذين توجهوا الى بعبدا. لقد قصدت ساحة الشهداء واحببت كيف تجمع الآف المتظاهرين في الساحة يرقصون ويغنون في مكان جميل امام الجامع والكنيسة وهم يطالبون بحقوقهم.

ــ بماذا تشعر كانسان وكرسام تتابع ما يحدث في البلد وتجسّد ما تراه في لوحاتك؟

– هذا يعطيني ايماناً كبيراً باللبنانيين وبلبنان وبقدرة الناس على التجمع، انه امر ايجابي للغاية ويمكن للناس ان يقوموا بذلك بطريقتهم الخاصة في وسط المدينة التي كانت لسنوات خالية وبدون حياة وفجأة استعادت الحياة، انه امر رائع ولم يسبق ان رأيته من قبل، اذ لطالما سمعنا عن ساحة الشهداء وكيف كانت المدينة حيوية قبل الحرب الأهلية، ولكنها تحولت الى مدينة يقصدها النخبة لسنوات، بينما اليوم ترين كل الناس هناك وترين أشخاصاً يبيعون الطعام وما شابه، انها لحظة رائعة ان نرى ساحة الشهداء تعج بالناس، لذا أحب ما يقوم به الناس لاستعادة حقوقهم، انه يشبه وميض التفاؤل بالنسبة للمستقبل والناس متحمسون للغاية. من الواضح ان هناك تحديات كبيرة لأنه ليس كل اللبنانيين متحدين بهذا الخصوص، اذ هناك قسم من اللبنانيين لا يرغبون بأن يكون لبنان كما يحلم به المتظاهرون والمتظاهرات، لذا التحديات عديدة ولكن أعتقد انها لحظات عظيمة على امل ان تتحقق مطالب الناس، اذ ان الأمر سيستغرق وقتاً طويلاً لحل المشكلة لأن الطائفية متجذرة جداً.

ــ وهل سترسم المزيد من اللوحات؟

– طبعاً سأستمر برسم المزيد من اللوحات عن هذا الحراك. أحلم ان تتحقق العدالة والمساواة اللتان يتمناهما اللبنانيون، اذ اعتقد ان هذا شيء مهم بالنسبة للناس، فالناس يحتاجون لمن يسمع مطالبهم. جميل ان يكون لدى الناس معتقداتهم الدينية وتقاليدهم ولكن أعتقد ان ذلك يحتاج الى التحديث، وبأن يؤمن اللبنانيون بمفهوم لبنان لأنه من الواضح ان البعض لا يريد ذلك، ولهذا سيستغرق الأمر بعض الوقت لحين ان يفكر الجميع بأن المهم هو الوطن… وبالطبع انني اصلي ان يدرك المسؤولون انه ليس جيداً ان تُنهب الأموال في البلد بهذه الطريقة، ولا بد ان يتوقف ذلك. ويجب ان يكون هناك دائماً تلاقٍ بين اللبنانيين ليتواصلوا في ما بينهم للنهوض بالبلد بالرغم من التحديات الصعبة لأن الشعب اللبناني شعب يستحق الأفضل.