19 November,2018

لهــذه الأسبـــاب شـــبّه ولـيـــــد جـنـبـــــلاط نـتـائـــــــج انـتـخـــابـات طـــرابـلـس البلـديـــة بسفـيـنـــة ”الـتـايتـانيـــك“  

بقلم وليد عوض

 

الحريري-ريفي  

 

طرابلس ليست عاصمة لبنان الثانية وحسب، بل هي عاصمة الحدث، إذ خلطت الأوراق السياسية وغيبت قيادات سياسية كانت حتى يوم الأحد الماضي مالكة الزمام، وسادة المرجعيات، فجاء وزير العدل المستقيل أشرف ريفي ليتولى تغيير الخارطة الزعامية.

والعين الآن على طرابلس كمعقل من معاقل معركة رئاسة الجمهورية، فبعدما كانت رياحها تنفخ في شراع المرشح الرئاسي سليمان فرنجية، جاء انتصار الوزير المستقيل أشرف ريفي في الانتخابات البلدية، وهو المعارض العلني لانتخاب سليمان فرنجية، لينبئ بأن التيار في المدينة لم يعد لصالح سليمان فرنجية، ولا للعماد ميشال عون، لأن ريفي يرى في كل منهما حليفاً لحزب الله، وحزب الله متهم، عبر مصطفى بدر الدين، وحتى إشعار آخر، باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.

والوزير ريفي يحمل سيف الدم للرئيس الشهيد، ويلتزم بمبادئه وآيتها الاعتدال ومكافحة التطرف، والالتزام بالروح الديموقراطية، وجعل السياسة والانماء حصانين يجران عربة واحدة هي عربة الوطن، أي ان الرجل انتزع الورقة التي دخل بها سعد الحريري وتيار <المستقبل> طرابلس والشمال، أو قل جعلها توأم روحه، دون أن يتعرض بكلمة واحدة للرئيس سعد الحريري ابن الرئيس الشهيد. فالوفاء للرئيس الشهيد لا يلغي الوفاء لابنه الذي كان وراء مجيء أشرف ريفي الى منصب وزير العدل، دون أن يعني ذلك التحكم بآرائه السياسية.

والسؤال الملحّ في هذا السياق: أين ذهبت جماهير الحريري ونجيب ميقاتي ومحمد الصفدي وسمير الجسر ومحمد كبارة، وهم الأرقام الأولى في طرابلس؟! ولماذا خانتهم صناديق الاقتراع، وتمردت على زعاماتهم؟!

لعل الحملة التي شنها أشرف ريفي عليهم كحلفاء لسوريا وحزب الله قد تركت تأثيرها في صناديق الاقتراع، إضافة الى الخدمات الأمنية والاجتماعية التي قدمها الريفي لمناطق محرومة مثل باب التبانة، وباب الحديد الذي يجاور نهر أبو علي.

وظاهرة أشرف ريفي، إذا عدنا الى الماضي، تشبه ظاهرة عبد الله الحاج الذي قطف زهرة النيابة عن بيروت ضد مؤسس الكلية العاملية الوزير السابق رشيد بيضون، وحليف الرئيس سامي الصلح ضد مرشح الرئيس صائب سلام المحامي جميل مكاوي الذي كان يسمى زين الشباب عام 1953. كذلك يشبه أشرف ريفي ظاهرة ابن صيدا المجاهد معروف سعد الآتي من جيش الانقاذ في فلسطين عام 1948 ومن النصر في معركتي <مشمار هايدن> و<مشمار هايمك> في جبال الجليل.

واسم أشرف ريفي ينضم الى الأسماء الحسنى في التصنيف كرؤساء حكومة مثل الرئيس الحريري، والرئيس نجيب ميقاتي، مع وزير الداخلية نهاد المشنوق كمشروع صاحب دولة، والسؤال الآن: هل يسحب استقالته من منصب وزير العدل، أم يلتزم بها، ويترك العدل بدون وزارة؟

أغنياء و.. فقراء!

ولأن السنة وراء الباب، فقد أملت نتائج الانتخابات البلدية في طرابلس على أشرف ريفي أن ينظم صفوفه لخوض الانتخابات النيابية ربيع عام فرنجية-عون2017.

وأول مدخل الى تنظيم الصفوف هو تصحيح الخطأ الذي جرى ارتكابه في الانتخابات البلدية الخاصة بطرابلس إذ غاب العنصر المسيحي عن المجلس البلدي في العاصمة الثانية، وكذلك العنصر العلوي، وكل منهما يمثل مكوناً مهماً في النسيج الأهلي للمدينة، وهذا ما استدعى من نائب طرابلس الارثوذكسي روبير موريس فاضل أن يقدم استقالته من النيابة استنكاراً لهذا الخلل في العيش الوطني، وثمة من قال انه يريد أن يتفرغ لعمله المهني كصاحب مؤسسات <أ ب ث>.

والتشخيص السياسي للحالة الطرابلسية في الانتخابات البلدية يفترض المصارحة بالآتي:

ــ كان أكثر أقطاب لائحة التحالف من أغنياء المدينة، وكان أكثر الناخبين من الفقراء والمحرومين الذين أبعدوا أولادهم الى بلاد الغربة بحثاً عن عمل غير متوفر في لبنان، أي كان الفقراء في مواجهة الأغنياء.

ــ كان في استطاعة الرئيس سعد الحريري أن يشكل للانتخابات البلدية لائحة خاصة بتيار <المستقبل> دون حاجة الى التحالف مع أحد، وكانت ماكينته الانتخابية ــ كما يقول عبد الغني كبارة ممثل الرئيس الحريري في طرابلس ــ قادرة على النهوض بالمعركة دون أي تحالف، ولكن اندماج الحريري مع ميقاتي والصفدي والجماعة الاسلامية وجمعية المشاريع المقربة من النظام السوري أطاح بجمهور الرئيس الشهيد رفيق الحريري لمصلحة لائحة الوزير أشرف ريفي.

ــ للوزير السابق فيصل كرامي حيثية شعبية لا تحتاج الى تحالف، ولكن هذه الحيثية ضاعت وسط ما سمي بديناصورات المال، وكان دخوله هذه اللائحة الائتلافية ضرباً من.. خطأ التقدير.

ــ كانت هناك وعود انمائية قطعها بعض أركان اللائحة الائتلافية الداعمة لمرشح رئاسة البلدية الدكتور عزام عويضة، منذ سنوات لأهل باب التبانة وبعل محسن والقبة والسويقة، ولكن هذه الوعود تحولت الى دخان في الهواء. وأهالي هذه المناطق لا يتمتعون بنعمة النسيان، بل يحبون أن يسألوا أقطاب لائحة الائتلاف: ماذا فعلتم من أجلنا؟

ريفي وحظوظ فرنجية!

والبارز في النتيجة الانتخابية البلدية التي أحرزها وزير العدل المستقيل أنها ألغت الحضور البلدي لأقطاب السياسة في العاصمة الثانية، خصوصاً بعدما أعلن الدكتور عزام عويضة الفائز مع خمسة آخرين من لائحة الحريري ــ ميقاتي انه لن ينضم الى المجلس البلدي الجديد، وأنه في صدد تقديم استقالته، لأنه لا يريد أن يغرد وحيداً في المجلس البلدي الجديد، بعدما خسر رفاقه في اللائحة.

كذلك فالبارز في النتيجة الانتخابية البلدية في طرابلس التي لمع فيها نجم أشرف ريفي، وكان سيد الشاشات التلفزيونية وصوره تملأ المدى، ان الرجل هو الآن رقم مهم في حسابات معركة الرئاسة الأولى، وقد قال بعد اعلان نتائج الانتخابات البلدية في طرابلس: أبشركم بأن حظوظ النائب سليمان فرنجية في الرئاسة.. انتهت!

ونهاية حظوظ سليمان فرنجية لا تعني بداية حظوظ العماد ميشال عون، على الأقل بالنسبة لمدينة ذات ثقل سياسي ووطني مثل طرابلس، بل يتراءى حظ المرشح الرئاسي التوافقي مثل وزير الخارجية السابق جان عبيد ابن بلدة علما في قضاء زغرتا حيث سجلت لائحته البلدية حضوراً لافتاً، كما أشعلت حظوظ الرئاسة لحاكم مصرف لبنان الدكتور رياض سلامة انطلاقاً من الأمن المالي الذي نجح في نشره على طول البلاد وفي علاقات لبنان بالخارج، واستطاع ايجاد صيغة توافقية بين مطالب السلطات الأميركية بالنسبة للحصار المالي المفروض على الموارد المالية لحزب الله، وبين اجراءات مصرف لبنان وجمعية المصارف.

<تايتانيك> جنبلاط

فيصل-كرامي-1

وكان الزعيم وليد جنبلاط رساماً سوريالياً في تغريدته على <تويتر> عندما شبه نتائج انتخابات البلدية في طرابلس بالسفينة <تايتانيك> التي غرقت في لجة المحيط الأطلسي عام 1912، ولم تسلم من كارثتها سوى امرأة وحيدة، وظل قبطانها متشبثاً بالقيادة حتى أسلم الروح. ويقصد الزعيم جنبلاط بالسفينة <تايتانيك> الزعامات التي تسيطر على مقدرات الموقف السياسي فلما وصلت الى طرابلس تعرضت للغرق. أوليس تراجع زعامات سياسية بالجملة امام الزعامة الجديدة لأشرف ريفي نكسة <تايتانيك>؟!

بالمقابـــــــــــل يشهـــــــــد المراقبــــــــــون السياسيون للرئيس سعــــد الحريــــــري الذي زار دولة الكويت خلال الأسبوع الماضي بقوة الأعصاب والقدرة على تجرع النكسة الانتخابية في طرابلس وعكار والضنية، وبلع الكبرياء واعتبار ما جرى في المواقع الثلاثة نصراً للديموقراطية. فهكذا أراد الناخب أن تجري الرياح ولو بما لا تشتهي السفن. وبلع الكبرياء صفة من صفات رجال السياسة الواثقين من أنفسهم ومن مستقبلهم، وإن كان بلع الكبرياء يستدعي أيضاً إعادة تقويم للمـــــوقف الشعبـــــي في طرابــــلس والشمال، مع السؤال: لماذا لم يتجاوب معنا الناس في طرابلس والشمال فلم تكن نسبة الاقتراع إلا 24 بالمئة؟! ولماذا لم يتجاوب فريق منهم في بيروت فلم يعطونا نسبة اقتراع إلا جد محدودة؟!

إنه الوضع المعيشي التعيس. فلو قام الرئيس الحريري بزيارة استراليا وسأل عن الجالية اللبنانية، لاكتشف ان آلاف اللبنانيين المهاجرين هم من طرابلس وبخعون التي ربح فيها النائب السابق جهاد الصمد معركة الانتخابات البلدية ضد تيار <المستقبل>. والهجرة حالة قسرية، وليست حالة سياحية، ويفرضها جفاف فرص العمل في لبنان، وتحديداً في طرابلس والشمال.

ولو كلف الرئيس الحريري بعض خبراء الاحصاء بمسح الحالة الاجتماعية لأهالي الأحياء الشعبية في طرابلس والميناء وعكار والضنية، لجاءه الخبر بأن هناك نسبة 40 بالمئة من السكان تعيش تحت خط الفقر.

كل هذه الأسباب والمسببات رفعت أشرف ريفي على الأكتاف، دون أن تصيبه حالة من الغرور أو النشوة، وقال للصحافيين: <ما زالت قدماي على الأرض>، وذلك إشارة منه الى عدم السعي لطلب المزيد من العلى. فقد أصبح وزيراً بحقيبة استراتيجية هي وزارة العدل، وحديث الآخرين عن سعيه لرئاسة الوزارة، ليس الزمان زمانه، ولن يسمح له التواضع بأن يردد قول المتنبي: <إني وإن كنت الأخير زمانه/ لآتِ بما لم تستطعه الأوائل>.

وقد جاء التغيير من طرابلس فهل يمتد الى كل لبنان؟

وقد ترك الرئيس نجيب ميقاتي يوم الأحد الماضي جملـــــة في سلــــة الصحافيين، حين سألوه عن أشرف ريفي، فقال: للرجل مكانته.. ولا يستطيع أحد أن يلغي الآخر!