18 November,2018

لهذه الأسباب جُدّد لسلامة بدقيقة واحدة لولاية كاملة: ثقة في الأداء وخبرة في التعاطي مع ”العقوبات“ وعدم القدرة على توفير غالبية الثلثين لخليفته!

hariri-salamehكان مجلس الوزراء قد انتهى من دراسة البنود الواردة على جدول أعماله، و<ضبضب> الوزراء أوراقهم ومنهم من استعد لمغادرة قاعة مجلس الوزراء في قصر بعبدا، فيما وقف آخرون لتوديع زملائهم عندما صرخ رئيس الجمهورية العماد ميشال عون بأعلى صوته: <لوين رايحين بعد في موضوع من خارج جدول الأعمال>. عاد الوزراء الذين وقفوا الى مقاعدهم، فيما تابع الرئيس عون أن البند من خارج الجدول يتعلق بطلب التجديد لحاكم مصرف لبنان رياض سلامة. لم يدع الوزراء الرئيس عون يكمل كلامه وردوا جميعهم <موافقين>، ومنهم من رفع يده مع صوته المرتفع بالموافقة، لتصبح النتيجة بالإجماع. وحدهما وزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل ووزير العدل سليم جريصاتي (صاحب الصوت الجهوري المرتفع دائماً) قالا معاً: <تعيين يا فخامة الرئيس، مش تجديد>، ليضيف آخرون <لولاية كاملة>! بعض الوزراء سأل: <متى تبدأ الولاية الجديدة؟>، رد آخرون: <ليش نحنا عارفين أيمتى بتخلص الولاية الراهنة>..

وهكذا في أقل من دقيقة واحدة تم تعيين الحاكم سلامة لولاية جديدة تبدأ في 31 تموز/ يوليو وتستمر ست سنوات أي حتى العام 2023، بعدما كانت التساؤلات قبل الجلسة: هل سيطرح بند التعيين من خارج الجدول؟ وسط معطيات لم تكن تجزم بذلك، فما الذي حصل إذاً حتى بات التمديد لسلامة ممكناً؟

مسيرة التمديد

تروي مصادر وزارية ما تصفه بـ<وقائع> سبقت جلسة مجلس الوزراء بـ28 ساعة، وفيها أن اتصالاً تم بين الوزير باسيل ووزير المال علي حسن خليل، صاحب اقتراح التعيين المتجدد، قال فيه باسيل إن وزراء التيار الوطني الحر والحلفاء <ماشيين> بالتمديد للحاكم سلامة، على أن يتزامن ذلك مع تعيينات أخرى لمحافظي الجبل والبقاع، وأعضاء هيئة <أوجيرو>، وفي التفتيش المركزي، لكن الوزير خليل أشار الى أن لا شيء يمنع، لكن لا بد من وقت إضافي للتشاور في الأسماء <وخلينا نمشي بالحاكم وبعدين منبحث بالآخرين>. تضيف رواية المصادر الوزارية أن الوزير باسيل لم يكن راضياً تماماً على جواب زميله وزير المال، لكنه آثر التريث ليعرض الموضوع على رئيس الجمهورية الذي استمهله الى حين يأتي الرئيس سعد الحريري الى قصر بعبدا قبل بدء الجلسة و<يتشاور> معه. وبالفعل حضر رئيس الحكومة واختلى بالرئيس عون وأثار معه جملة قضايا كان من بينها التمديد للحاكم سلامة لولاية إضافية متعهداً بأن يكون التعاطي مع مصرف لبنان أفضل مما كان عليه في السابق، وأن تكون هناك لقاءات دورية بين الرئيس والحاكم ليكون سيد القصر على بيّنة من أعمال المصرف المركزي وأوضاعه والعمليات التي يقوم بها، لأن أي انتكاسة أو هزة فإن العهد سوف يوسم بها، والسمعة السيئة ستلحق به وليس بالحاكم أو أي مسؤول آخر. كما كان هناك حوار حول أوضاع مؤسسات أخرى مثل <طيران الشرق الأوسط> و<بنك أنترا> و<بنك التمويل> والتي هي بحاجة الى بلورة خصوصاً أن القاسم المشترك لهذه المؤسسات هو مصرف لبنان وحاكمه تحديداً. ويبدو أن الرئيس الحريري وعد رئيس الجمهورية بتحريك ملفات الشركات الأخرى تباعاً، وأن يصار الى التنسيق معه في كل ما يتعلق بهذه الشركات لأنها في النهاية شركات مالية ضخمة، وأي خطوة فيها ينبغي أن تكون منسقة مع رأس الدولة. وخرج الرئيس الحريري من مكتب الرئيس عون <مرتاحاً> لأن <قطوع> تعيين سلامة سوف يمر على خير، وهكذا صار.

 

عامل نفسي… وعقوبات

إلا أن مصادر مطلعة تورد سلســــــــــــــــــــــــــلة معطيات أدت الى تسهيل بعبدا تعيين الحـــــــــــــــــاكم في ولاية جديدة، بعدما كانت موافقة رئيس الجمهورية على التعيين (الذي كان محسوماً) مشروطة ببعض النقاط التي يمكن لحاكم مصرف لبنان أن يحسم فيها سلباً أو إيجاباً. أول معطى أدى الى تسهيل عملية التعيين قبل شهرين من انتهـــــــــــــــاء الولاية، يرتبـــــــــــــــــــــــــــــــط بالواقع النفسي الذي بات قائماً بين اللبنانيين حول سلامة الليرة، لاسيما وأن القناعة تزداد – عن حق  أو غير حق – بأن وجود الحاكم سلامة يشكل ضمانة بأن الليرة لن تتدهور وأن تثبيت سعرها سوف يستمر إن هو بقي في الحاكمية، علماً أن ثمة طروحات أخرى تعتقد بأن استمرار تهدئة الليرة عند سقـــــــــــــــــــــف مالي، ليس بالتدبير السليم لأنه يزيد إرهاق الحياة المالية في البلاد. وبدا أن لا استهانة بانطباعات الناس حيال الربط بين الحاكــــــــــــــــــــــم سلامة واستقرار الليرة خصوصاً، والقطاع المصرفي عموماً، ما دفع الى التجاوب مع الرغبة النفسية عند اللبنانيين ومودعي المصارف.

أما المعطى الثاني فيتصل بالمناخ العام الذي ساد البلاد حول العقوبات التي قيل إن الولايات المتحدة الاميركية تنوي فرضها على مسؤولين ورؤساء أحزاب وسياسيين لبنانيين تتناول خصوصاً حظر تعاطيهم بالمال والتحويلات المصرفية إلخ.. وأن الحاكم سلامة هو القادر على مواجهة هذه التحديات انطلاقاً من خبرته وعلاقاته الاقليمية والدولية، في وقت لا مجال فيه للترف السياسي في التعاطي مع هذه المسائل الحساسة. وعليه يمكن أن يشكل بقاء سلامة في منصبه لولاية كاملة، فرصة لمعالجة أي مستجدات مقلقة. وفي حال حصول أي تطورات مصرفية دراماتيكية فالحاكم الذي سلّف المصارف اللبنانية <هندسات> مالية أمّنت لها أرباحاً خيالية، قادر أن يضغط على المصارف كي تساهم مجدداً بنهضة الاقتصاد اللبناني. وبقدر ما أن سلامة على مقدرة أن يضغط على المصارف، فقد بدا أن المصارف استبقت هي الاخرى احتمال عدم تعيين سلامة مجدداً وأوحت بأن استبداله بأي حاكم آخر سيحدث اضطرابات في الاسواق المالية، العهد في غنى عنها مع بدايته خصوصاً.

وتكشف المصادر المتابعة عن المعطى الثالث الذي أملى التمديد، فتشير الى أنه في فترة البحث عن بديل لسلامة لم يتوافر التأييد الكافي لتأمين موافقة ثلثي أعضاء مجلس الوزراء لأي من الأسماء التي طُرحت أو تم التداول بها بصورة غير رسمية، في وقت كان واضحاً أن الرئيس الحريري ووزراء <المستقبل> والحلفاء ووزراء القوات اللبنانية ووزراء <الثنائية الشيعية> ووزير <المردة> يدعمون التمديد لسلامة، فكيف يمكن تعيين حاكم جديد بأصوات عشرة وزراء فقط من أصل 30؟ ولا يمكن استطراداً التسليم بنظرية الفراغ في حاكمية مصرف لبنان بعد 31 تموز/ يوليو أو إدارة المصرف بواسطة النائب الأول للحاكم وهو شيعي.

رفع يد السياسيين عن مصرف لبنان

أما المعطى الرابع فيتمحور حول رغبة الرئيس عون في أن يكون أداء مصرف لبنان خلال عهده، أداء موضوعياً لا تشوبه أي شائبة، ولا يكون سبباً لأي انتقاد أو مساءلة أو تشكيك، فالمصرف المركزي هو <مثل الشريان الأبهر> الذي يضخ الدماغ بالدم بنسب متناسقة، فلا المبالغة تحيي ولا النقصان يحمي، لذلك فهو <سار> في التمديد لسلامة كي يوفر فرصة أخرى لـ<عصب الدولة> المالي كي يدير الشؤون المالية والمصرفية على صورة ومثال رئيس الجمهورية في التجرد والشفافية، وهو – أي الرئيس عون – يثق أن الحاكم سلامة خلال عهد رئاسة <الجنرال> سيكون قادراً على لعب دور الحاكم الحقيقي في إدارة مصرف لبنان وسيكون محرراً من الضغوط التي كانت تمارس عليه من السياسيين، لأنه بات في استطاعته أن يقول لهؤلاء <كفى> و<ارفعوا أيديكم عن مصرف لبنان>، وسيجد في قصر بعبدا من يدعمه حتى النهاية ويمنع ابتزازه أو الضغط عليه.

في أي حال، رحلة جديدة من العلاقة ستكون بين الحاكم سلامة وأركان الدولة، ولاسيما الرئيــــــــــــــــس عون، والاختبارات ستتوالى لاسيما في مقاربة ملفات <انترا> و<الميدل ايست> و<بنك التمويل> وغيرها، علماً أن ثمة من يقول إن التفاهم الذي تم حول كازينو لبنان لا بد أن ينسحب حول المؤسسات الاخرى، ذلك أن <انترا> و<بنك التمويل> <يرعاهما> الرئيس نبيه بري، فيما <طيران الشرق الاوسط> يتقاسم <رعايتها> الرئيسان بري والحريري، وأي قرار في هذه المؤسســــــــــــــــــــات يحتاج الى دعم من الرئيسين بري والحريري بالتفاهم مع الرئيس عون… إنها <الترويكا> التي يريد البعض أن يتم احياؤها من جديد!