14 December,2018

لم يعد وارداً بعد الآن القبول برئيس جمهورية بعقلية وثقافة الموظف!

بقلم حسين حمية

SAM_5060التعطيل أصبح سمة عامة في لبنان بدءاً من التعطيل الرئاسي الى التعطيل المجلسي وصولاً الى التعطيل الحكومي لتكتمل الحلقة، في وقت يعول فيه المراقبون على المشاورات الجارية لإنجاح الجلسة الحكومية المقررة يوم 23 الجاري بعد عيد الفطر، وتخطي مسألة آلية عمل الحكومة وما إذا كانت بالتوافق أم بالتصويت في غياب رئيس الجمهورية، إضافة الى توقيع القرارات والمراسيم. فكيف هي الصورة؟

<الأفكار> استضافت في مكاتبها نائب رئيس المجلس النيابي السابق إيلي الفرزلي وحاورته في هذا الملف بالإضافة الى الموقف المسيحي عموماً في مقاربة الملفات الرئاسية المطروحة والتعيينات الأمنية وما يتفرع عنها بدءاً من السؤال:

ــ نحن في حالة تشريعية ميتة أشبه بالجثة، والتعطيل الحكومي وصل الى أبعد مدى في ظل حملة طالت الرئيس تمام سلام. فكيف ترى الصورة خاصة وانك على صلة برئيس المجلس نبيه بري وتحبه؟

– لنكن واقعيين وموضوعيين ولا يفهم من كلامي انني أبتغي منه الفلسفة السياسية أو التصريح السياسي لمجرد التصريح. ولذلك أتحدث من موقعي كمواطن مسؤول. فأنا أولاً أعلن حبي للرئيس بري وهذا ليس سراً لا للقاصي ولا للداني، وأقل حقوق الوفاء لرئيسي طوال 15 عاماً، لاسيما وان التجربة كانت ناجحة وجيدة، لكن لا بد من طرح السؤال عما إذا كانت النظرة للأمور تجوز من زاوية النظرة للشخص؟ بالطبع لا… خاصة وان جزءاً من الأزمة في البلد، خصوصاً بعد العام 2005 وكانت قبل هذا التاريخ هو انه كان ينظر الى مجلس النواب على انه مؤسسة شيعية لأن رئيسه نبيه بري شيعي، وينظر الى مجلس الوزراء انه مؤسسة سنية لأن رئيسه سني وهو الآن تمام سلام، وهذه النظرة برمتها هي نظرة خاطئة وأدت الى نتائج خاطئة بحيث ان المقاطعة الأولى لمجلس النواب تمت عندما تعطل مجلس الوزراء بقيادة الرئيس فؤاد السنيورة على خلفية ان مجلس النواب بقيادة شيعية، وهذا الأمر يحمل في طياته تشوهاً ثقافياً خطيراً لمفهوم المؤسسات لأن مجلس الوزراء هو مؤسسة وطنية يترأسها سني وينطق باسم الحكومة وليس عن الحكومة، ومجلس النواب هو مؤسسة وطنية ومركز الحوار الوطني الدائم، كما شاءه اتفاق الطائف يترأسه نبيه بري الشيعي وينطق باسم المجلس وليس عن المجلس، وهذا هو مفهوم المؤسسات.

التعطيل بدأ منذ تعطيل المجلس الدستوري

ــ أين العطل؟

– العطل هو في ممارسة النخبة السياسية وأسلوب تعاطيها في الحياة العامة مع مكونات البلد، بمختلف اتجاهاته، ومجرد إعلان تعطيل المجلس الدستوري عام 2005 على لسان نائب (روبير غانم) بحجة أن أعضاءه عينوا في عهد الوصاية السورية رغم انه وليد هذه الوصاية من رأسه حتى أخمص قدميه، بدأ تجاوز الدستور رغم ان المجلس الدستوري هو أهم إنجاز في اتفاق الطائف لأنه يمنع استباحة السياسيين للحياة العامة في البلد ولمصالحهم. ثم جاء عهد الرئيس ميشال سليمان وهو الذي أقسم اليمين للحفاظ على الدستور وعلى مرأى منه يُقدم المجلس الدستوري على التمديد لنفسه وعدم التصويت على إجراء القرعة وفقاً لمقتضى النص القانوني الوارد في نظامه تحت عنوان ان هناك قانوناً يدرس في المجلس النيابي، ويفكر في إلغاء القرعة فمدد لنفسه وخالف الدستور، وبالتالي سقط المجلس الدستوري وبسقوطه بدأ سقوط باقي المؤسسات بدءاً من مجلس النواب، وهنا بيت القصيد وهو التشوّه الرئيسي للتمثيل في مجلس النواب لأنه يستند الى قانون مخالف للدستور، والانكى من ذلك انه يمدد لنفسه تحت عنوان إنتاج قانون انتخاب نيابي جديد لمدة سنة وشهرين، لكنه لم ينتج هذا القانون ويمدد لنفسه مجدداً، وبالتالي فهذه عملية مصادرة للسلطة بكل أبعادها أي عملية انقلابية بكل ما تحمل الكلمة من معنى، وهذا لا يمنعه من ان يجدد لنفسه لمدة 15 وحتى 20 سنة خلافاً للدستور والقانون.

وأضاف:

– سقطت المؤسسة الدستورية الأم ولم يسقط نبيه بري لأنه زعيم حقيقي ولديه شرعية تمثيل لأبناء طائفته، ولم يسقط سعد الحريري لأنه لديه شرعية تمثيل لزعامة طائفته، ولم يسقط وليد بك جنبلاط، لكن المؤسسة سقطت. أينبت من العوسج تين؟! أينبت شيء من اللاشيء؟! أينبت دستوري من اللادستوري؟ أينبت قانون من اللاقانون؟! لذلك يجب ألا نستغرب الأزمات التي نتخبط بها والتي تحمل أيضاً في طياتها تعميم ثقافة التمديد على كل مرافق الحياة العامة سواء كانت نيابية أو إدارية أو عسكرية إلخ، وبالتالي سقط الدستور اللبناني وسقط النظام والقانون الذي ينظم العلاقة التعاقدية الموجودة بين مكونات البلد.

 

الحل بقانون انتخاب عادل

 

ــ كيف المخرج إذاً؟

– المخرج النظري القانوني العلمي المباشر هو ما قلته للسفير الأميركي السابق <جيفري فيلتمان> عندما دعاني الى الغداء بوجود أحد ممثلي الخارجية الأميركية بعد حرب تموز/ يوليو 2006 وقال لي ان الرئيس فؤاد السنيورة فشل في احتواء حزب الله، وفشلت اسرائيل في القضاء على حزب الله ومصادرة سلاحه، وان صديقاً له أخبره اننا نعيش في دولة ضمن لادولة وسألني ما العمل؟! قلت له ان التصرف الطبيعي هو ان نذهب الى إعادة إنتاج الدولة. فنحن لا نستطيع أن نعيش بدون دولة ومن مصلحتنا وجود دولة، وبالتالي أن تجري انتخابات نيابية يتم من خلالها إجراء استفتاء للناس في هذا المجلس، ويتم انتخاب رئيس على ضوء هذه الانتخابات، فأجابني بلا.. انتخبوا رئيساً وحلّوا المجلس في اليوم التالي. وهو قال ذلك ان هناك أكثرية نشأت نتيجة شعار <الانتخابات الآن> استناداً الى قانون  الـ2000 حيث يتم السطو على الأكثريات عبر توزيع المكون المسيحي على مختلف المكونات بنسب مئوية مختلفة، وجرى تعميدهم بالأكثرية التي سرقت لفرض انتخاب الرئيس.

وتابع يقول:

– واليوم نحن نعيش الواقع ذاته نظرياً وعملياً ودستورياً وقانونياً، والحل ان يتم إصدار قانون انتخاب جديد استناداً لدستور الطائف يكون البديل عن سقوط الدستور وإيجاد دستور آخر بحيث يتم من خلاله الحفاظ على تمثيل كل المكونات، وبعده يتم انتخاب رئيس للجمهورية وإلا فنحن نعيش عملياً ضمن كيانات مذهبية بامتياز وكل كيان له حدوده وأعلامه وإعلانه ومؤسساته وطقوسه وزعاماته إلخ. لم تسقط شعبياً، ولذلك أرى من الواجب ان تعقد صفقة بين هذه المكونات بحيث يكون رئيس المجلس نبيه بري ورئيس الحكومة سعد الحريري ورئيس الجمهورية ميشال عون باعتباره الأكثر تمثيلاً في الوسط المسيحي ونذهب الى تأسيس الدولة من جديد، وإلا إذا جرى التشكيك بميشال عون فهناك طرح جديد عبر الاستطلاع واستناداً إليه يبنى على الشيء مقتضاه، علماً ان هذا الاستطلاع موجود عند البطريرك بشارة الراعي، وإذا لا يريدونه من الممكن الذهاب الى شركات الإحصاء حتى التي تعتمدها السفارة الأميركية عبر متابعتها لتطور الرأي العام في لبنان وهي معروفة، واستناداً إليها فأنا شخصياً أوافق عليها وأقبل بنتائجها.

 

الاستطلاع وتقدم عون

 

ــ هل العماد عون هو المتقدم أم سمير جعجع؟

– طبعاً العماد عون… وعلى كل حال لو افترضنا ان جعجع هو المتقدم، فلا يمنع ذلك خاصة وان العماد عون قال انه يقبل بنتائج الإستطلاع، لكن للأسف لا يريدون أي طرح ويرفضون كل ما يطرحه العماد عون. وبالأمس استمعت الى خطاب الرئيس سعد الحريري الذي نحب ونحترم، ولا أقول ذلك تكتيكياً، بل لأنه ابن رفيق الحريري، وأقولها علناً وعلى رؤوس الاشهاد، استمعت إليه وقد قال كلاماً جيداً بالنسبة للشق المتعلق بالعلاقات المسيحية مع الدولة ومع المكون التي تمثله لكن تبقى كلمة واحدة لا بد من قولها، وهي نعم لقانون انتخاب يمكّن المسيحيين من إنتاج ممثليهم الحقيقيين وألا نستورد نواباً في كنف المكونات الأخرى، وكي لا يفهم البعض انني أطالب بالقانون الأرثوذكسي أقول إنه يمكن الذهاب الى القانون الذي يعكس اتفاق الطائف، وإلا فلنذهب لتطبيق النسبية على الدوائر التي يريدونها حتى تعبر الأقليات كما حال كل المجتمعات الحضارية عن إرادتها وتحمي نفسها، وهذا الكلام لا يتعلق بالأقليات الطوائفية، بل حتى تتعلق بالأقليات ضمن الطائفة ذاتها، وضمن الطائفة الشيعية من خلال ثنائية حزب الله وحركة <أمل>، وضمن الطائفة الدرزية، ولكن لا يجوز <زرب>الناس في بيوتهم، إذ من الممكن ان ينجح ذلك، لكن المتضررين سيحاولون ملكاً أو يموتون فيعذروا كما قال امرؤ القيس.

ــ كيف قرأت تظاهرة التيار الوطني الحر في الشارع؟

– الأمر عادي، وكل يوم تحدث تظاهرات مثلها كما حال الإضرابات احتجاجاً على قطع الكهرباء أو على التثبيت في الضمان الاجتماعي أو غيره وما شابه. فعملية الندب والبكاء التي رافقت التظاهرة عملية سياسية، وهنا أقول إن فلسفة المؤسسات الدستورية في الأنظمة الديموقراطية هي سحب الصراع من الشارع الى داخل المؤسسات بحيث يصبح الخلاف داخلها، لكن عندما تغلق المؤسسات على أبنائها ولا يكون هناك مجال للأخذ برأيهم ولا يكون هناك قانون يرعى عمل المؤسسات سيضطر هؤلاء  للتعبير عن رأيهم في الشارع.

 

خطأ الدعوة لجلسة حكومية

 

ــ وما جرى في مجلس الوزراء في جلسة التاسع من الجاري؟

– بصرف النظر عن محاولة الاستغلال والاستثمار السياسي واللعب على العصبيات والاستنهاض الذي جرى، فهذا الأمر لا يعنيني، فتمام سلام هو ابن صائب سلام وله كل احترام وود ومحبة حتى لو كنت ضده في وجهة النظر…. وتمام بك يجب أن يكون هو المبادر لرعاية الحوار قبل الدعوة لعقد جلسة…. فالدعوة لعقد جلسة تحت عنوان التحدي في ظل غياب رئيس الجمهورية ومعروف مسبقاً ان مكوناً سيدافع عن هذا الموضوع، لا يجوز أن تتم. وهنا لا أعرف من يشجع الرئيس سلام لكنني أعرف ان هناك خطأ ارتكب قبل الدخول الى الجلسة لأن الدعوة لانعقاد الجلسة قبل انضاج اتفاق حقيقي برعاية تمام بك وبمبادرة منه أمر خاطئ حتى لو تعب الرئيس سلام ولو رفض الأطراف ذلك، وما حصل داخل الجلسة أمر سخيف لا يعنيني.

ــ وهناك دعوة جديدة ويوم 23 الجاري، فكيف يتم تفادي حصول ما سبق وحصل في الجلسة الخاصة وأي تسوية يجب أن تتم؟

– التسوية هي في تطبيق الدستور، فلا يمكن ان تكون هناك تسوية لهذه الأمور إلا عبر تطبيق الدستور والقانون… فهل هي جريمة ان نطالب بتطبيق القوانين والدستور؟! فإذا لم نستطع تعيين قائد للجيش بعد تسمية 3 أسماء وفقاً لنص في مجلس الوزراء لأنه هو صاحب الصلاحية، فالأمر طبيعي أن يتسلم الأقل رتبة، حتى انه في المعركة وحين يستشهد القائد يتسلم القيادة من بعده الأقل رتبة منه رغم عدم خبرته… فلماذا نعمل من الحبّة قبّة؟! فهذا التصرف إن دلّ على شيء، فإنما يدل ان النيات المبيتة للمشاريع البعيدة المدى التي تسعى للتمسك بهذا الموضوع بشكل أكثر إلحاحية.

 

لا رئيس موظفاً بعد اليوم

ــ  نحن الآن بدون رئيس للجمهورية رغم الجلسة السادسة والعشرين التي جرت الأربعاء الماضي ولم تنتج رئيساً. فإلى أين وهل ننتظر التسوية في المنطقة، أو إقرار الاتفاق النووي الإيراني، أم ماذا؟

– سبق وقلت على صفحات <الأفكار> ان القبول برئيس جمهورية بعقلية وثقافة الموظف أمر لم يعد وارداً، فرئيس جمهورية كديكور لن تقبل به شريحة مهمة، ورئيس جمهورية لا يعتبر قراراً لا نريده رغم ان غير هذه الشريحة تقبل به، لكن أقله هذه الشريحة لن تقبل بذلك.. فهذا الكلام قلته سابقاً وكان يؤخذ الأمر بالاستخفاف وبإدارة الظهر، وثبت اليوم انه واقعي وصحيح.. ولذلك لا بد ان يتم التفكير بطريقة تسود فيها ثقافة العدالة وليس الهيمنة…. فنحن قاتلنا المارونية السياسية وأردنا بناء الدولة الديموقراطية والمؤسساتية، لكن القصة كانت بالانتقال من دولة حقيقية فيها مخالفات الى مخالفات من دون دولة.

ــ هل لا تزال تراهن على الوزير السابق جان عبيد؟

– جان عبيد صديق حميم لكن في ظل وجود إرادة عند العماد عون ان يستمر في الترشيح فلا مجال للحديث، حتى انه قال ان لا روسيا ولا أميركا ستؤثر عليه، وبالتالي لا يستطيع أحد أن يفكر في البدائل.

ــ الكلمة الفصل للعماد عون؟

– طبعاً… فالسيد حسن نصر الله طالب تيار <المستقبل> بالأمس بالاتفاق مع العماد عون وقال انه جاهز للبصم إذا حصل اتفاق.

ــ وماذا لو رفض تيار <المستقبل> رغم انه سبق وقيل ان العماد عون اتفق مع الرئيس سعد الحريري على أمور كثيرة يتم التنكر لها؟

-المعادلة التي نطرحها هي ان يتفضل سعد الحريري ليكون رئيساً للحكومة وميشال عون رئيساً للجمهورية، ولا حل إلا بهذا الشكل، إضافة الى نبيه بري رئيساً للمجلس النيابي. أما بالنسبة للاتفاق بين الحريري وعون،  فهذا صحيح ويتعلق بشامل روكز قائداً للجيش وسعد الحريري هو من طرح الاسم وطلب من العماد عون ان يقنع الآخرين به، ففعل عون ذلك وأقنع حزب الله ووليد جنبلاط ونبيه بري بالأمر، لكن الرئيس بري كان صريحاً معه وقال انه يستبعد هذا الكلام لأن تيار <المستقبل> اتصل به وقال انه ذاهب نحو التمديد.

ــ هل أنت خائف على البلد من <داعش> واخواتها؟

– لا… لا أرى أن هناك اتجاهاً دولياً جديداً والمنطقة ذاهبة نحو استدارة استراتيجية….