23 September,2018

لمصلحة من إهمال إعادة ترميم العلاقة مع السعودية؟

 

بقلم خالد عوض

سعد حريري

هناك حدثان من المملكة العربية السعودية يجب التوقف عندهما. الأول هو استمرار الاعتداءات الصاروخية على العاصمة الرياض من حوثيي اليمن. هذا ليس حدثا عابرا يكفي التعامل معه بخفة طالما أن نظام القبة الحديدي يعترض الصاروخ ويفجره في الجو قبل أن يصيب هدفه. وحتى نلمس مدى خطورة ذلك لا بد من مقاربة بسيطة تخصنا في لبنان. لو كانت هناك صواريخ تستهدف بيروت بشكل مستمر، ولو كانت هناك جهة سعودية ممثلة في الحكومة السعودية ولها كلمة عليا فيها، تتعاطف وتساعد، أو على الأقل ساعدت في الماضي القريب، وبطرق مختلفة من يرسل الصواريخ إلى بيروت، ماذا يمكن أن يكون اذذاك موقف اللبنانيين من السعودية ككل وليس فقط من الجهة المعنية؟ المطلوب، عندما نريد أن نحلل أي موقف أو تصريح يصدر عن جهة سعودية، هو أن نتذكر أن الرياض تتعرض للصواريخ بشكل مستمر.

 

<النأي بالنفس> أو تضليل الناس؟

هذا الكلام هو رد على أحد تعليقات رئيس الحكومة سعد الحريري بأن سلاح حزب الله مشكلة إقليمية مما يعني أن الحكومة اللبنانية أعجز من أن تقوم بأي شيء تجاهه. ليس المطلوب إعادة عقارب الساعة إلى الوراء أو العودة إلى خلاف داخلي بيزنطي كما يقصد الحريري، ولكن متابعة بيان <النأي بالنفس> بخطوات رقابية عملية يجب أن تبقى أولوية ملازمة لأولوية <الاستقرار الداخلي> و<حل مشاكل الناس> اللذين يسعى إليهما رئيس الحكومة. أين أصبح مثلا التحقيق في مسألة <كزدرة> <قيس الخزعلي> أمين عام ميليشيات أهل الحق التابعة للحشد الشعبي العراقي بسلاحه في جنوب لبنان؟ إن الكلام القوي والصارم عن المباشرة بتحقيق ثم التغاضي نهائيا عنه – كما حصل في مسألة جرود عرسال – دليل أن الحكومة، ورئيسها، غير جدية في مسألة <النأي بالنفس>. التعاطي اللبناني مع الصواريخ الحوثية التي تستهدف الرياض يشبه إلى حد كبير التعايش العربي الحاصل مع إعلان الرئيس الأميركي <دونالد ترامب> اعتراف الولايات المتحدة بالقدس عاصمة لإسرائيل. فكما توقع الأميركيون والإسرائيليون حصل، وجاء الرد العربي والإسلامي مثل زوبعة في فنجان. عسى أن لا تكون استقالة رئيس الحكومة وبيان حكومته حول <النأي بالنفس> كذلك.

Mogherini-smilesعين على الاقتصاد وعين على السعودية

الحدث السعودي الثاني هو إعلان ميزانية المملكة لعام ٢٠١٨ بإنفاق يزيد عن ٢٦٠ مليار دولار لأول مرة في تاريخها. أهم ما في الميزانية هو توقع نمو المداخيل غير النفطية بحوالى ٣,٧ بالمئة وهذا يعد رقما طموحا جدا، ولكنه ضروري من أجل التقدم نحو رؤية ٢٠٣٠ التي وضعها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان. حجم الإنفاق على مشاريع الإسكان سيزيد عن ١٦ مليار دولار إلى جانب مشاريع البنية التحتية الكبيرة. الميزانية السعودية مهمة بالنسبة إلى لبنان لأن أكثر من ٢٥٠ ألف لبناني مقيمين في المملكة يستفيدون منها ولأن طبيعة وحجم المشاريع العمرانية من النوع الاستراتيجي الذي لم يعد يحصل في معظم دول الغرب، ولذلك يجب أن يكون محط إهتمامنا إذا كنا معنيين باكتساب الخبرات وتطويرها من أجل المساهمة في مشاريع البناء الكبيرة الآتية في العالم العربي. بين ليبيا والعراق وسوريا واليمن هناك حاجة لأكثر من ٥٠٠ مليار دولار لإعادة الإعمار، ولن يكون هناك أفضل من دول الخليج عامة والسعودية بشكل خاص لتطوير الكفاءات اللبنانية وتأهيل كادرات البناء، شركات وأفراداً، الخاصة بنا.

باختصار، السعودية هي الأفق الاستراتيجي الأهم للاقتصاد اللبناني مهما كابر البعض. جغرافياً هي أقرب أكبر اقتصاد إلينا من الشرق مثل ما هي تركيا من الغرب. اللغة والثقافة والتاريخ وحب الشعب السعودي للبنان واستثماراتهم فيه، أمور تجعل المملكة شريكاً اقتصادياً مفضلاً للبنان، لذلك ولأسباب جوهرية عديدة من الواجب التركيز على إعادة ترميم العلاقة مع السعودية وعدم إهمال هذا الملف بالاختباء وراء <النأي بالنفس>.

 

إعادة اعمار سوريا ستمر عبر السعودية  

منذ مدة قيل كلام كثير وأقيمت معارض في دمشق وقام بعض الوزراء اللبنانيين بزيارات للعاصمة السورية من أجل التموضع لإعادة اعمار سوريا، ولكن الحديث عن ذلك تلاشى وكأن هذا الموضوع لم يكن أكثر من فقاعة إعلامية.

منذ أيام أكدت الممثلة العليا لسياسة الأمن والشؤون الخارجية في الإتحاد الأوروبي <فيديريكا موغيريني> أن عودة النازحين إلى سوريا يجب أن تكون طوعية وآمنة وبمعنى آخر لم يأت وقتها بعد، كما أنها لم تتحدث عن اعمار سوريا رغم التحضير الأوروبي الجدي لمؤتمر <بروكسيل> في نيسان (ابريل) المقبل لبحث مسألة النازحين والذي سيتطرق إلى إعادة الإعمار. بذلك تكون زيارة <موغيريني> قد أحبطت كل محاولات التطبيع مع النظام السوري والحجج المعلنة لذلك التي كانت سبقت استقالة رئيس الحكومة في ٤ تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي.

البحث الجدي في إعادة الإعمار يبدو سابقاً لأوانه. الكل يبحث عن حل سياسي واضح أولا، بين <سوتشي> و<جنيف>. ولكن في جميع الأحوال من الصعب تصور بداية حقيقية لورشة إعمار في سوريا من دون دور خليجي، ولذلك ستبقى السعودية إحدى البوابات الرئيسية لسوريا المستقبل مهما بدا ذلك ضبابيا اليوم.

رئيس الحكومة حصل على دعم أوروبي ودولي لشخصه ولحكومته، ومطلوب منه أن يجيره لصالح البلد. وسياسة <النأي بالنفس> هي بداية جيدة لذلك بشرط أن تقترن بخطوات عملية وتصبح التزاماً رسمياً عاماً. فشل الحكومة في تثبيت ذلك سينعكس بالتأكيد على الدعم الدولي للبنان وعلى رئيس الحكومة شخصياً، كما أن <النأي بالنفس> يجب أن لا يقود نهائيا إلى سياسة للنأي عن السعودية.