25 September,2018

لماذا ألغيت كل المشاريع الإنمائية التي كانت مرصودة لطرابلس؟

تمام-سلام هنيئاً لطرابلس بأهلها. لم يكن الجيش وحده قادراً على تفكيك العصابات الإرهابية وإنهاء الحالة الشاذة التي حاولت التمدد في أحياء المدينة لولا أهل طرابلس. ليس فقط لأنهم لم يؤمّنوا أي بيئة حاضنة للارهاب، بل لأنهم من خلال نبذهم التام للحالة <الداعشية>، أجبروا المسلحين على التقوقع في زواريب ضيقة كان من شبه المستحيل أن يستمروا فيها. طرابلس عانت ما عانت من جولات حرب بين <جبل محسن> و<باب التبانة> ومن عبور السلاح إليها من مناطق لبنانية أخرى، ولكنها لم تؤمن الغطاء لمن أراد عزلها عن البلد باسم المذهب وتحت شعارات <الغبن> و<كيل السلطة بمكيالين>. ولا يستخفن أحد بما يمكن أن تفعله الأكثرية الصامتة في طرابلس أو غيرها من مدن ومناطق لبنان عندما يصبح البديل عن الدولة هو العودة إلى الجو الميليشياوي الذي كلف البلد مئات آلاف القتلى والجرحى من دون أي مكسب وطني حقيقي.

لم ينسَ اللبنانيون أنهم دخلوا الحرب عام 1975 بدفع من السلاح الفلسطيني وبمسارات طائفية استغلها بعد ذلك الجيش السوري فالإسرائيليون، ثم بحروب مختلفة في كل زواريب العاصمة وبين مكونات الفريق الواحد حتى أصبح هدف الحرب بالنسبة إلى الميليشيات هو… الحرب. حتى دستور <الطائف> الكل متفق أن أهم ما فيه هو وقف الحرب، أي أن اللبنانيين تقاتلوا على مدى عقد ونصف العقد حتى توصلوا إلى دستور جل ما فيه هو وقف التقاتل. ربما لو لم نكن مررنا بمحن الحرب على مدى 15 سنة لكانت طرابلس اليوم إمارة مذهبية منفصلة عن الوطن. طرابلس لن تسقط بيد الإرهاب لأن أهلها يعون أن أي حرب تبدأ باسم رفع الظلم لن تلبث أن تتحول إلى حرب من أجل الحرب. المثل السوري أمامنا والصور البشعة للحرب اللبنانية لم تمحها الذاكرة بعد.

ولكن طرابلس تئن اقتصادياً اليوم ولن تتمكن من أن تتحمل عبء منع الإنماء عنها إلى ما لا نهاية. أهلها أداروا النظر وصموا الآذان عن شعارات الإرهابيين التي تستصرخ العصبية المذهبية بأعلى صوت. ولكنهم يعانون من شح استثماري مزمن ومن غياب تام لأي مبادرات انمائية رغم وجود ثلاثة وزراء طرابلسيين في الحكومة ومهندس طرابلسي على رأس مجلس الإنماء والإعمار هو نبيل الجسر. حتى ان الموازنة العتيدة لحكومة الرئيس تمام سلام تلحظ إلغاء مبلغ 60 مليون دولار كان مرصوداً لثلاثة مشاريع حياتية في طرابلس. المشروع الأول كان إحياء السكة الحديد من مرفأ طرابلس إلى الحدود السورية. المشروع الثاني كان إنشاء محطة متطورة للنقل العام في منطقة التل. والمشروع الثالث كان إنشاء منطقة تجارة حرة على مساحة 550,000 متر مربع قرب مرفأ طرابلس. ألغيت كلها تحت شعار التقشف. العاصمة الثانية بحاجة اليوم إلى ما لا يقل عن خمسين مليون دولار من استثمارات إنمائية مباشرة إلى جانب المساهمة الاجتماعية وبناء البنية التحتية البشرية شبه المفقودة. المدينة بحاجة إلى نمو اقتصادي يفوق السبعة في المئة حتى تتوافر فرص عمل مستدامة. لا مدارس كافية لاستيعاب التلاميذ والكساد الاقتصادي هو الأقسى على مساحة لبنان. رغم كل ذلك، لفظت طرابلس <داعش> و<جبهة النصرة> وأتباعهما وأعلنت تمسكها بالوطن.

نبيل-الجسر

ما زالت الحكومة تعتبر أن الحل الأمني في عرسال أو طرابلس سينهي ظاهرة <الدواعش>. طالما الكل يعرف أن جذور التطرف الذي تشهده المنطقة برمتها هي الحرمان والإحساس بالظلم، فمن البديهي أن يكون مفتاح الحل هو الإنماء. صحيح أن البلد غارق في الدين والحكومة تستعد لإصدار سندات <يوروبوند> بقيمة 450 مليون دولار قبل نهاية 2014 لتغطية حاجات البلد المالية ولكن المنطق يقضي بأن نسعى إلى استدانة مئة مليون دولار إضافية لإطلاق القطار الإنمائي في بعض مناطق لبنان. هذا هو الدين الإيجابي وليس الذي نأتي به لمجرد تسديد خدمة الدين.

 الغيبوبة الإنمائية في حكومة الرئيس ميقاتي مستمرة مع الرئيس سلام. والخوف من تعاظم الدين ليس مبرراً عندما يكون الفكر <الداعشي> متربصاً بالمناطق المهملة انمائياً.

يجب الإقرار أن نجاح الجيش في طرابلس هو نتيجة لولاء الطرابلسيين لبلدهم. المطلوب أن تقابل الحكومة ذلك انمائياً… وبسرعة.