15 November,2018

لماذا أطلقت بكركي التوضيح رقم 2 بالنسبة ل"مبادرة الرئيس الحريري"؟

بقلم جورج بشير

عون-الراعي

كان لافتاً للمراقبين أن يقدم أحد أعضاء الحكومة من الوزراء على التصريح علناً أمام الرأي العام بما يشبه الإعراب عن الاستغراب حول <إتفاقية تصدير المقاتلين <الدواعش> من منطقة القلمون في سوريا الى تركيا عبر لبنان ومطاره الدولي، وفي المقابل تصدير سوريين وأسرى عبر الحدود اللبنانية ومطار بيروت الدولي الى سوريا تنفيذاً لاتفاق معقود بين الأميركيين والروس والإيرانيين والأتراك والحكومة السورية برعاية الأمم المتحدة تنفيذاً لقرار مجلس الأمن الدولي> فوجئ به الوزراء أعضاء الحكومة عندما اطلعوا عليه من وسائل الإعلام التلفزيونية ومن الصحافة… كما كانت مفاجأة الرأي العام اللبناني أكبر، عندما انبرى وزير آخر من أركان الحكومة مدافعاً وكأنه يحاول التغطية على جهل بعض الوزراء زملائه أو تجاهلهم بقوله: <إن عملية التبادل التي تمّت عبر لبنان أرضاً ومطاراً ذهاباً وإياباً، كانت تنفيذاً لاتفاق دولي وجاءت تنفيذاً لقرار مجلس الأمن الدولي>.

هنا، لا بدّ من طرح السؤال الآتي: ومن قال بأن لبنان، الدولة السيدة المستقلة، عليها أن تنفّذ القرارات الدولية عبر أراضيها من دون معرفة أو موافقة الحكومة، على الأقل مجلس الوزراء المصغّر إذا صحّ أن في لبنان مجلس وزراء مصغّر؟!..

حكاية التنفيذ، بما فيها الاستقبال الشعبي بالورود للإرهابيين <الدواعش> الذين أطلق معظمهم النار على جيش لبنان وساهم بعضهم أيضاً في خطف جنود الجيش اللبناني، والبعض الآخر في ذبح الأبرياء ومن بينهم لبنانيون، هذه الحكاية رسمت تعجّب بعض الوزراء واستغرابهم لتغييبهم عن القرارات والأحداث المصيرية، وكانت مثار تعليقات واستغراب في صفوف مختلف الأوساط السياسية والديبلوماسية والشعبية خلال عطلة نهاية سنة 2015 وبداية السنة الجديدة 2016، كما رسمت صورة قاتمة عن وضع الحكم ووضعية الحكومة التي بقيت بعيدة عن أحداث مصيرية من هذا النوع، ليس ذلك فحسب، لا بل هي باقية من دون نبض لا تلتقي ولا تجتمع، ولا تعالج على الأقل موضوع النفايات المكدّسة في طول لبنان وعرضه ناشرة الأمراض والميكروبات في هواء لبنان.

في هذا المجال أيضاً، لا بدّ من طرح سؤال كبير على الحكومة في شأن قرارها تصدير النفايات من لبنان الى الخارج، من دون أن تعلم هي – أي الحكومة – ولا الشعب الى أين وكيف ستتم عملية تصدير هذه النفايات الى خارج لبنان… وهل صحيح أن عنوان صاحب عرض التصدير وشركته هو عنوان منزله؟ فيما الدولة المقترح أن تستقبل هذه النفايات غير معروفة ولا صاحب العرض المقبول قدّم الى حكومة لبنان الموافقة المسبقة المطلوبة من الدولة <المضيفة> تؤكد أن حكومة تلك الدولة موافقة سلفاً على استقبال نفايات لبنان المصدّرة إليها (؟!)…

 

العجب ليس في محلّه

sleiman

يقول بعضهم إن مثل هذه الأمور لا يمكن أن تحدث في أي دولة ما عدا لبنان؟! وهل هذا صحيح، أم من الأمور التي يجب أن تحصل ويقبل بها الشعب اللبناني؟

إنها أمور واقعة وباتت تشكّل أمراً واقعاً لا يبدو أنه مستغرب أو يثير العجب في غير الأوساط الشعبية اللبنانية، بدليل أن أحداً من نواب الأمة أو من الكتل النيابية لم يتقدم كما هو مفترض بسؤال الى الحكومة عما جرى ويجري، وما إذا كانت فعلاً على علم بما جرى ويجري تنفيذه عبر أراضي الجمهورية من دون علمها، أو من دون علم الوزراء، <كما شهد شاهد من أهله>.

العاصفة الثلجية العاتية التي هبّت على لبنان مع إطلالة العام الجديد، فكلّلت جباله وتلاله بالأبيض، ساهمت الى حدٍ ما في انحسار موجة انتشار الأوبئة من جبال النفايات المكدّسة في جميع المدن والقرى والأحياء اللبنانية، ولكن ما أن تنحسر موجة الصقيع وتطل الشمس الحارقة، حتى يتعرّض لبنان من جديد الى مخاطر تلال النفايات من دون أن يعرف أحد موعداً محدّداً لنهاية هذه المخاطر التي باتت تقضّ مضاجع كل اللبنانيين الذين باتوا يعيشون مع الطاقم السياسي الفاشل، حال ضياع شامل بالنسبة لموضوع الشغور في سدّة رئاسة الجمهورية وإصرار أفرقاء سياسيين معنيين على طمر رؤوسهم في الرمال عبر تجاهلهم المتعمّد لحقيقة الأزمة التي تسببت في استمرار هذا الشغور الى اليوم وعدم انتخاب الرئيس العتيد للجمهورية.

كان بعض الأطراف السياسية يلقي بالملامة على حزب الله وكتلته النيابية، لا بل على إيران، متهمين إياهم بالوقوف وراء عملية تعطيل انتخاب الرئيس الجديد للجمهورية. وذهب بعضهم الآخر الى حدّ اتهام طهران بأنها لا تريد أن يُنتخب رئيس جديد في لبنان إلا إذا انتهت الحرب في سوريا لمصلحتها لكي تأتي الى قصر بعبدا برئيس موالٍ لسياستها الشرق أوسطية.

لكن الواقع على الأرض في لبنان دحض ما يُقال ويُشاع في هذا المجال، إذ تبيّن أن إصرار بعض السياسيين على اعتماد سياسة النكاية هو ما يحبط كل مرة المحاولات الجارية للإتيان برئيس جديد للبنان. ومن هؤلاء، لا بل في طليعتهم، الرئيس السابق ميشال سليمان الذي يعمل في الخفاء على <وضع العصي في الدواليب> لمنع وصول أي من المرشحين الأربعة المقترحين من <لقاء بكركي>، للإتيان برئيس يشبهه من خارج اللعبة…

يُضاف الى ذلك أن الوزير وليد جنبلاط وحتى الرئيس بري والرئيس السنيورة مع كتلهم النيابية ما زالوا يمانعون في وضع مشروع القانون الجديد للانتخابات النيابية موضع حوار أو مناقشة قبل انتخاب الرئيس العتيد، يقابل ذلك ممانعة قوى سياسية أخرى في طليعتها التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية والكتائب وإصرارها على ضرورة وضع قانون انتخابات نيابية جديد يحقّق العدالة ويصحّح التمثيل.

موقف حزب الله

nasrallah

كما أشرنا في البداية، فإن أوساطاً سياسية لها وزنها كانت تتهم حزب الله وكتلته النيابية بتعطيل انتخاب الرئيس العتيد بإشارة من طهران، فقط من أجل تعطيل الانتخاب والإبقاء على سدة الرئاسة شاغرة، وكانت تشكّك بموقف حزب الله المعلن بتأييد العماد ميشال عون. غير أنه خلال المشاورات الرئاسية التي جرت في الصرح البطريركي الماروني على هامش احتفالات عيدي الميلاد المجيد ورأس السنة الجديدة، حيث زار وفد قيادي من حزب الله صرح بكركي لمعايدة البطريرك الراعي وجرى بحث في موضوع الشغور الرئاسي، ما كان من الزوار من حزب الله سوى الإعلان مباشرة بعد الزيارة التزامهم بتأييد ترشيح العماد ميشال عون، و<ان الحزب ليس المرجع المطلوب منه أن يقنع العماد عون بالعدول عن الترشح لأن الترشّح هو قرار متخذ من جانب العماد عون وكتلته، وحزب الله أيده وهو ملتزم بموقفه وبمطالبه حتى النهاية…>.

بهذا الموقف المعلن من حزب الله في بكركي يكون قد حسم موقفه ووضع حداً لمحاولة التشكيك في هذا الموقف، وكأنه يغمز من قناة مجهولة طلبت إليه التوسط لدى العماد عون لسحب ترشيحه من التداول في محاولة لتمرير <المبادرة> التي أطلقها الرئيس الحريري في باريس، ولعلّ هذا ما دفع البطريرك الراعي لإطلاق توضيح للمرة الثانية يوم عيد رأس السنة في عظته <بأن تأييده لـ<مبادرة باريس> لا يعني مرشحاً معيناً أو شخصاً معيناً، بقدر ما يعني ضرورة تشجيع أية مباردة من شأنها وضع حدّ لحال الركود الحاصل في مجال انتخابات رئاسة الجمهورية>…

ولا يبدو في الأفق، مع دخول لبنان في العام الجديد 2016 أن هناك أي مبادرة أو تحرّك في أية دولة شقيقة أو صديقة، إذ أن سفراء الدول المعتمدين لدى لبنان باتوا من خلال تقاريرهم الى حكوماتهم يعتبرون أن مطلب قانون الانتخابات النيابية جدّي وأن إقراره يجب أن يترافق مع عملية انتخاب الرئيس الجديد للجمهورية، كون العماد عون وحزبه، وحزبا القوات والكتائب، طرحوا موضوع القانون المشار إليه للأخذ به كمطلب جدّي وليس كتكتيك انتخابي، فيما بعض السفراء لا يستبعدون في حال إقرار قانون جديد للانتخابات أن يصار الى توافق كتل أساسية على انتخاب مرشح ثالث من غير المرشحين الأربعة المقترحين من <لقاء بكركي>.

الاتفاق والتوافق على <سلّة> المطالب الوطنية التي اقترحها السيد حسن نصر الله أمين عام حزب الله كحل ينهي الشغور الحاصل في سدة رئاسة الجمهورية، بات يتوقع ان يصبح مع مطلع العام الجديد في مكان متقدّم للتداول السياسي بهدف التوصل الى الحل المنشود للأزمة السياسية التي يعاني منها لبنان، وفي طليعة القضايا المطروحة بموجب هذه <السلّة> فضلاً عن التوافق على رئيس للجمهورية، قانون الانتخابات وتعديل <اتفاق الطائف> بما في ذلك اعتماد اللامركزية والنسبية. فهل يحقق حزب الله أمنيته ويؤخذ بالحل المقترح من جانبه ألا وهو <السلة الواحدة>، وتنتهي الأزمة؟ أم هي الى تمديد جديد؟!