19 December,2018

للمــــرة الاولــى لبــنان يشــارك فــي ”المعــرض العالـمــــي للـعـمـــــارة - بـيـيـنــــال الـبـنـدقـيـــــة الـســــادس عـشــــر“!

 

بقلم عبير انطون

Photo---Press-Conference---Lebanon-at-the-Venice-Biennale-of--Architecture 

<ما تبقى> هو العنوان الذي يحمله لبنان الى <معرض العمارة العالمي> السادس عشر في البندقية ويبحث المشروع في شروط فن العمارة من خلال تقييم قاعدته، اي الارض وتحدياتها الرئيسية من هشاشة وقلة موارد ومضاربة عقارية وغيرها. وبناء على ذلك يجب تجديد النظرة للأرض والعودة الى التركيز على واقعها المحسوس بحيث يتم التعرف على ما تبقى منها والقيام بجرده الممنهج وتسليط الضوء في سبيل المحافظة عليه عبر استخدام ادوات عدة، ومن خلال منظور تاريخي يمتد عبر قرن كامل من النظام الرأسمالي منذ المجاعة الكبرى في الحرب العالمية الاولى حتى زمننا الحاضر زمن <الارض التي تأكل ذاتها>.

 فما هي هذه الادوات، وما هو الاطار الجغرافي للموقع الذي اختاره الفريق اللبناني لعرضه، وما فائدة الاطلالة الدولية على لبنان، من يمولها ومن يشارك بها؟

منسقة الجناح اللبناني في المعرض والمبادرة الاولى لاطلاق شرارة مشاركته هالة يونس تجيب عن اسئلة <الافكار> وبدأنا بالسؤال الأول:

ــ لنبدأ بالتعريف بك كمهندسة معمارية وكمنسقة للجناح اللبناني في <المعرض العالمي للعمارة>؟

– لقد حصلت على شهادة الهندسة المعمارية الفرنسية عام 1993 وحائزة إجازة عليا (ماجيستير) في الجغرافيا والتخطيط من <جامعة السوربون> في باريس، وقد تناول موضوع رسالتي البحثية حينذاك <الديناميات المدنية في جبل لبنان>، وأدَّرِس الآن في <الجامعة اللبنانية – الأميركية> (LAU). مسألة المشاركة في المعرض الدولي جاءت مبادرة شخصية اذ لطالما تساءلت لماذا لم يشارك لبنان يوماً في <بيينال العمارة> في البندقية واتأمل مع فريق العمل ان يصبح ذلك تقليداً سنوياً تهتم به وزارة الثقافة ونقابة المهندسين فتدعوان إلى المشاركة وتطلبان المشاريع من المهندسين حول الموضوع العام المطروح. شكلنا فريقا حول فكرة <ما تبقى>، وقد تكوّن من معماريين من <الجامعة اللبنانية> بدعم من <مركز الابحاث – فرع التنظيم المدني>، و<المركز العربي للعمارة>، و<الجامعة اللبنانية – الأميركية>، و<الجمعية اللبنانية للمشاهد> وجمع من الفنانين والباحثين من مؤسسات لبنانية مختلفة، وتقدمنا بموضوع مشاركة وطنية رسمية لوزارة الثقافة فكانت شجاعة وسباقة في قبول الفكرة بموافقة نقيب المهندسين، اذ تبقى النقابة المختصة الاولى في كل ما يتعلق بالهندسة ومشاريعها وهي التي تتخذ القرار فيها.

ــ ما أهمية الموضوع المطروح عالمياً وماذا عن لبنان تحديدا؟

– الموضوع الذي طرحته السيدتان المولجتان وضعه كعنوان عريض لـ<المعرض العالمي للعمارة> يدور حول <المساحات الحرة> < Free Spaces> وهو موضوع متشعب ويحمل تفسيرات كثيرة، كما ويمكن للمشاركين من الدول المختلفة الالتزام به او اختيار غيره وهي مشاركة وطنية. لبنانيا، ونظرا لواقع بلدنا الجغرافي الخاص وكثافة البيئة المبنية فيه ركزنا فكرة مشاركتنا حول <ما تبقى>، اي المجالات المتبقية على المساحات غير المبنية وابراز قيمتها ومؤهلاتها ومستقبلها وذلك من خلال تناول مصير الأراضي الخالية من حوض نهر بيروت امتدادا الى قمم جبل الكنيسة حتى البحر الابيض المتوسط وابراز اهمية هذه المساحات ودورها في تحديث وتدعيم وتطوير الامتداد العمراني…

 

نهر… بحر… وجبل

 

ــ لماذا حوض نهر بيروت امتدادا للمناطق التي تحدثت عنها؟

– ولدت الفكرة نتيجة تفكير طويل. كنت أدرِّس مادة تحليل المشهد في الجامعة اللبنانية في <دير القمر> وفيها يرى الطلاب مشاهد ويحللونها، فكانوا يقفون أمام وادي دير القمر ويكتفون بوضع ما يرونه من ضمن فئتين محددتين: هناك مساحات مبنية ومساحات غير مبنية. فكرت لماذا نحصر أنفسنا بهاتين الفئتين فقط؟ فالمساحات غير المبنية يمكن أن تكون حرشاً، أراضي زراعية، بساتين، حدائق، ولا يجب ان يكون مصيرها البناء فقط، فالمساحات المتاحة هي كل الأملاك العامة بينها المشاعات مثلا وأخرى غير عامة كليا كأراضي الأوقاف… وحتى الأملاك الخاصة، الحدائق والبساتين يمكن ان تشكل مساحات حرة مفيدة لمحيطها. سابقا كانوا يرتبون الحديقة قبل البيت. هذه جميعها يمكن تمرين أصحابها على فكرة إيلائها أهمية عالية، وكذلك المناطق الطبيعية مثل وادي نهر بيروت الذي عملنا عليه، ففيه أحلى غابة صنوبر (علماً أن أهل جزين يعتبرون ان غابتهم اجمل) وهي من ناحية المنظر جميلة جداً. هذه المساحات يجب ألا تبقى مقفلة ويمكنها ان تعود بفوائد تنموية واقتصادية وترفيهية، فتشكل متنفساً لأهل المدينة خاصة انها تعطي المكان رونقا كبيرا وما تضيفه على منظر الوادي ثمين جداً. وعند الإضاءة على هذا الأمر تتعرف الناس على أهمية هذه المساحات، ما يستوجب بعد ذلك اتباع سياسات حماية لها وعدم التفريط بها او فرزها كأراض للبيع، إنما حمايتها، وليس بالضرورة جعلها محمية مقفلة كما ذكرت انما يصار الى تنظيم الحركة فيها.

وتضيف يونس قائلة:

 – المحافظة على هذه الغابة مثلا كما غيرها تعود بأهمية اقتصادية كبيرة أيضا، فالصنوبر في الإقتصاد لطالما كان مهماً في المنطقة، وهي تؤدي الى تعزيز الإنتاج والى إحياء الشق الزراعي ومنتوجاته كالخروب مثلاً. في مدينة المستقبل التي نحن مقبلون عليها، ما عادت المدينة هي مساحتها المحددة وضواحيها بل كل جغرافية هذه المدينة تحسب لها، مثلاً كل جبل لبنان يكون مدينة بيروت بمعنى انه امتداد لها ولناسها، وفي هذه المدينة تصور جديد يولد، والتمدد الحضري والزراعة والغابات يجب أن تسير معاً جنباً إلى جنب للتقدم بنوعية الحياة في هذه المناطق. خذوا مدينة عاليه مثلاً: انها مدينة كبيرة، ومن يعيشون في المنطقة محاطون بأراضٍ وغابات لا يجب أن يكون مصيرها العمران فقط. يسعى العالم كله اليوم ان لا يكون التمدد العمراني مشتتاً. هذا الأمر السلبي لا يمكن الوقوف بوجهه لكن بالمقابل يجب ألا تستهلك المجالات بين العمران للبناء انما المحافظة على الفراغات واستثمارها في ما يفيد المدينة وأهلها وما يجملها.

ــ وهل في بيروت فراغات بعد ام هي أضحت مدينة مقفلة على اي مساحات خضراء؟

– في بيروت بعض المساحات بعد. لقد احصت البلدية فيها المساحات الخضراء وقامت بهذا المشروع تحت عنوان <PLAN VERT> مع الأستاذ حبيب دبس ونقيب المهندسين على ما اعتقد. هناك حدائق الصنائع والسيوفي واليسوعية والبسطا… بالنهاية هذه بيروت وهذا واقعها، ومن حسن حظها ان لها الواجهة البحرية التي هي متنفس كبير للناس مما قد يعوض نوعاً ما فكرة أن الحدائق تنقصهم. مع التصور الجديد لمفهوم المدينة فإن بيروت هي ايضا بيت مري والمونتي فردي وبعبدات وعاليه وبحمدون وعاريا… كل هذه بيروت. بدقائق قليلة مع اوتوستراد المتن السريع يصل ساكن المدينة اليها وهي ما عادت مناطق اصطياف كما في السابق.

 

 مع وقف التنفيذ

Photo-7---Hala-Younes-C-Rain-Tree 

ــ للمتن ايضا جرت دراسة مهمة، لماذا كان مصيرها الاهمال؟

 – لست مخولة للحديث عنها ولم اشترك بها، الا انها دراسة فرنسية مهمة جدا في اطار التعاون الفرنسي – اللبناني تحت عنوان <شارت دو تيريتوار> مولتها منطقة <إيل دو فرانس> وقامت بها مؤسسات لبنانية حول منطقة المتن الأعلى لتشكل نموذجاً كيف يمكن للبلديات أن تتشارك في تنفيذ تصور تنموي إجمالي لمنطقة كبيرة، مع المحافظة على ميزاتها ومكوناتها وهويتها. وهذا المشروع يمكنه خلق فرص عمل، فضلاً عن انه يحافظ على الثروات الطبيعية وعلى المياه، كما ويضيئ على المناطق التراثية ويدعو الى تنمية مستدامة. وهذه لتسلك طريقها الى التنفيذ من المفروض أن يقتنع رؤساء البلديات بجدواها ويعوا أهميتها وهذا شق اولوي ومهم جدا في كل مشروع اي اقناع الناس باهميتها وجدواها لحياتهم، ومن المؤسف انه بعد ثلاث سنوات من الدراسة التي انتهت في العام 2014 لم تخضع للتنفيذ بسبب غياب الارادة السياسية ووعي الناس لمشاريع مماثلة.

ــ للبلديات والمؤسسات الرسمية اولوياتها ربما. لتبدأ من حل مسألة النفايات اولاً…

– الحلول يمكن ان تكون متكاملة وتدخل في صلب المشاريع التنموية. البلديات لوحدها لا يمكنها حل مسألة النفايات ولا حتى اتحاد البلديات. يتطلب ذلك جهازاً كاملاً لتطبيق خطة واضحة تشمل مختلف الجوانب بخطة كاملة متعاونة. من الاساسي اقناع الناس، ومن الجوهري لأي مشروع تقييم الحال وعرضه ليستوعب ويفهم والا نبقى مكاننا. الوزارات ممتلئة بالدراسات، كل واحدة افضل من الأخرى، لكن ينقصها التنفيذ وتوعية الأهالي على أهميتها.

ــ نعود الى المعرض الدولي، كيف ستعرضون الفكرة؟

 – طريقة العرض ستشمل مجسم عرض ضخماً وصوراً… الماكيت هي من الخشب لسبعة أمتار لا يزال يصنعها المهندس المعمار والنجار احمد خوجا وهي ستعود إلى لبنان وتعرض فيه، وكما ذكرت تبين حوض نهر بيروت من بيروت وصولاً إلى جبل الكنيسة حتى البقاع حتى تجعل الزوار يفهمون حقيقة الجغرافيا لهذه المنطقة، وعلى <الماكيت> سيجري <بروجيكشن مابينغ> وهي خرائط تظهر التمدد المدني والطرقات والأحراش وكل المناطق التي نعرض ضرورة الحفاظ عليها، وهذا كله بمثابة جهاز نخترعه حتى نجعل الناس تعي فعلاً أهمية الجغرافيا. فضلاً عن ذلك هناك شق الصور الفوتوغرافية للأماكن والمناظر التي تعتبر ذات أهمية في هذا المحيط.

وتضيف المهندسة – المنسقة:

– لا بد لي من شكر الدعم الناشط من قسم الجغرافيا في <جامعة القديس يوسف>، ومن <المديرية العامة للشؤون الجغرافية> في الجيش اللبناني التي قامت بتزويدنا بالمعلومات والصور ومنها ما يعود الى المسح الجوي للجيش اللبناني عام 1965، فمساعدة هذه المديرية بالغة الدلالة وهو أمر أثر بي جدا، اذ اعتبرت انهم بمساعدتهم يقولون لنا: نحن حافظنا على الارض ودوركم اليوم ان تحيوها بافضل ما يكون. لقد مدتنا المديرية بالمعلومات وبالخرائط وأعطتنا <الداتا> التي حولتها اليسوعية ملفاً عملوا عليه بجهد كبير. كذلك يضم الجناح مجموعة صور فوتوغرافية حديثة تنقل وجهة نظر ستة مصورين مقيمين في لبنان، فضلا عن صور تاريخية للمنطقة تم اختيارها من مجموعة <APSAD> (جمعية حماية المواقع الطبيعية والبيوت القديمة) ومجموعة فؤاد دباس ومكتبة الجامعة اليسوعية ومجموعة <هاينز غوبيه> من جامعة سيدة اللويزة.

ــ الى متى يستمر المعرض؟

– يستمر المعرض 6 أشهر حيث يفتتح في 24 أيار/ مايو ويستمر حتى 26 تشرين الثاني/ نوفمبر 2018.

ــ هل سيكون كل الفريق اللبناني حاضرا، كم يبلغ عدده ومن يهتم بالكلفة؟

– أستفيد منكم لأعلن اننا بصدد <فاند رايزيغ> أي جمع تبرع يعود ريعه لتمويل الجناح العالمي للمعرض ونقرع باب المؤسسات الخاصة، فالعبء الأساسي هو إيجار الجناح بقيمة مئة الف دولار. للأسف بعض المؤسسات تسأل عن جدوى الدعم لمشروع يعرض في ايطاليا، ومن هذا المنطلق دعونا سعادة السفير الإيطالي ليضيء على أهمية <بيينال البندقية>. فهذا المعرض منبر مهم جداً، والجناح اللبناني سيعود ليعرض في لبنان حتى تتحسس الناس اهميته وأثره في بيئتنا. عند الافتتاح سيكون الفريق الموجود كبيراً، وقد منحنا طيران الشرق الاوسط اسعاراً مخفضة كما ان بعض المؤسسات الخاصة ومنها <الجامعة الاميركية> ستقيم على نفقتها الخاصة.

ــ هل يمكن بغير تسليط الضوء عالمياً على المشروع اللبناني ان يستفيد لبنان منه في اطار اي تمويل او تعاون؟

 – لبنان كله يستفيد. أنا أدرّس فن العمارة ولا اتلطى خلف اصبعي، واقول ان مستوى العمارة في بلدنا غير جيد وأحيانا مُخجل، فالعمران في المدينة عاطل ومستوى المعماريين الذين نخرجهم ليس دائما بالمستوى الذي يجب أن يكون عليه لأننا مقفلون على ذاتنا ولا نعطي مجالا لإطلالات دولية كافية. يتخرج في لبنان 700 معماري في السنة، فهل نسمح لأنفسنا بأن لا نقول شيئاً للعالم عن هندستنا المعمارية؟ بالمشاركات الدولية نتواجه مع العالم، ما يرفع المستوى ومستوى التفكير بالبلد، كذلك فإنه في السنوات المقبلة سيتغير موضوع <البيينال> وقد تطلب مشاريع من مهندسين مختلفين ما يجعل المنافسة تحفّز لتقديم الافضل وبلوغ الافضل.

ــ اي عمل معماري صممته ونفذته تعتبرينه انجازا وتفتخرين به شخصياً؟

– شيدت اكثر من بيت في الجبل في ضيعتي، شاتين، تنورين في جرود البترون، وأنا أراعي جدا المحيط قبل ان أضع الحجر الاول فأحافظ على كل صخرة وكل شجرة.. أهتم بالمنظر الطبيعي كما انني اسمى <اختصاصية البيوت المختبئة> في حين ان الكثيرين يريدون بيوتهم <مفخرة> يتطلع الجميع اليها وتبرز بشكل واضح. كذلك عمرت <اوتيل هيلتون> في الأسواق واستغرق 10 سنوات الا انه للأسف ما زال مقفلاً بسبب مشاكل عليه وكان يقوم على الشاطئ قبل ردم النورماندي، واصررت في هندستي على جعله يتحدث عن ماضيه وعن تاريخ المنطقة الموجود فيها وان يبقى على تواصل مع الأسواق على يمينه وخلفه حيث كانت <مدافن السلطية> للأوقاف الإسلامية والتي حولتها <سوليدير> بالمخطط العائد لها حديقة عامة لأن الحرب جرفت كل شيء… حتى الموتى لحقتهم.

ــ هل من كلمة اخيرة؟

– اريد ان اشير الى المؤتمر السابق للمعرض الذي ننظمه تحت عنوان <ما تبقى، ندوة عن مصير الاراضي الخالية> في 23 – 24 من شهر آذر/ مارس الحالي وسيتم نشر نبذات من النتاج العلمي في اطار مطبوعات المعرض.