16 November,2018

لقـاء عــون - جنبــلاط بدّد الهواجس وطمأن أهل الجبل... وحـلّ ”الـعـقـــدة الـدرزيـــة“ بوزيــر ثــالـث غـيـــر حـزبـــي!

من <حسنات> التأخير في الاتفاق على تشكيل الحكومة العتيدة، أنها أعادت وصل ما انقطع بين رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي الوزير والنائب السابق وليد جنبلاط الذي <ساءت> علاقته مع سيد القصر بعد الاتهامات التي أطلقها وكان أكثرها حدة وصف العهد الرئاسي بـ<الفاشل>. وإذا كان حضور جنبلاط الى قصر بعبدا الأسبوع الماضي فاجأ المراقبين بعد الحملات المتبادلة بين أنصار <التيار الوطني الحر> والحزب التقدمي الاشتراكي والتي استعملت فيها عبارات تجاوزت المألوف في حالات كهذه، فإن المطلعين على ما كان يدور في الكواليس لم تفاجئهم الزيارة التي حرص زعيم المختارة أن تتم بعد الظهر وليس قبله لئلا يضطر الى النهوض باكراً وهو الذي يفضّل عقد اللقاءات السياسية المهمة في فترتي بعد الظهر والمساء!

ثلاثة مهّدوا لهذا اللقاء وحضروا له بعناية كي لا يكون كاللقاء الذي سبقه والذي لم تصمد مفاعيله سوى أيام قليلة عادت بعدها التجاذبات بين الرجلين ومناصريهما الى الواجهة، وهذا التحضير الذي تميز بالدقة والفعالية عمل فيه كل من الوزير السابق ناجي البستاني والنائب اللواء جميل السيد والمدير العام للأمن العام اللواء عباس ابراهيم رجل المهمات الصعبة والدقيقة، لكن <سعاة الخير> الثلاثة لم ينسقوا تحركهم، بل عمل كل واحد منهم من زاويته، فتلاقت جهودهم… وكان اللقاء. فالوزير السابق ناجي البستاني الذي لم يحالفه الحظ في الانتخابات النيابية الأخيرة عن دائرة الشوف – عاليه على رغم نيله ما يزيد عن خمسة آلاف صوت تفضيلي، تربطه علاقة متينة مع الرئيس عون كان يمكن أن تجعله مرشح التيار الوطني الحر عن دائرة الشوف أو مرشح الرئيس و<البيك> معاً لولا أن ظروف الانتخابات والتحالفات التي نشأت من أجلها حالت دون ذلك، ولأن علاقته بالرئيس عون مماثلة من حيث المتانة والفعالية للعلاقة مع جنبلاط، استطاع الوزير السابق البستاني ابن دير القمر أن يقرّب المسافات بين بعبدا والمختارة وفق اسس ثابتة وصلبة وقناعات <مكتوبة> ضماناً لنجاحها، فهيأ الأجواء للقاء الذي كانت له مفاعيل ايجابية على صعيدين: الأول حلحلة العقدة الدرزية لجهة تسمية الوزير الدرزي الثالث، والثاني إعادة المياه الى مجاريها بين الرجلين.

جهود اللواءين!

أما النائب اللواء السيد، فعمل هو بمبادرة شخصية، على التقريب بين الرئيس عون ووليد بك بعدما لمس خلال عشاء جمعه مع جنبلاط رغبة الأخير في العمل لتهدئة الخواطر التي اضطربت في الجبل بعد الحملات المتبادلة في وسائل الاعلام والتواصل الاجتماعي. ويقول مطلعون على مداولات العشاء بين جنبلاط والسيّد إن النقاش دخل في التفاصيل انطلاقاً من ضرورة عودة الصفاء الى العلاقة بين مناصري الطرفين في الجبل، والمحافظة على المصالحة المسيحية – الدرزية التي تكرّست خلال زيارة البطريرك الماروني مار نصر الله بطرس صفير التي رفعت يومذاك منسوب عودة المسيحيين الى قراهم. لمس اللواء السيد – كما يقول المطلعون – وجود <هواجس> لدى جنبلاط مما كان يجري من مواجهات <فايسبوكية> و<انستغرامية> و<تويتيرية> بين أنصار <التيار> والاشتراكيين، خصوصاً أن جنبلاط شعر في الفترة الأخيرة بأن ثمة من يعمل على تهميشه مع ما يمثله من حضور على الساحة ونفوذ وقدرة على التعاطي بالكلام والاقناع. تداول جنبلاط والنائب السيد في هذه الهواجس وتم طرح فكرة اللقاء في قصر بعبدا لتبديد هذه الهواجس وإعادة الصفاء الى العلاقة، فتجاوب الرئيس عون وجنبلاط وتمّ اللقاء في غياب النائب السيد.

في هذه الأثناء، كان تحرك اللواء عباس ابراهيم يصب في اتجاه القاعدة أكثر مما يصب في اتجاه القمة، فبعد التواصل مع جنبلاط لمعالجة ذيول الحملات الاعلامية المتبادلة تبين أن اللقاء بين الرجلين بات أكثر من ضرورة، خصوصاً في ظل التغييرات التي تحصل على الأرض، وتمادي بعض الحزبيين من كلا الطرفين في ممارسة ضغوط كان يمكن أن تسبب، في حال استمرارها، أذى لمسيرة النهوض والإصلاح والتغيير. لذلك تولّى اللواء ابراهيم جمع مسؤولين في <التيار> والحزب في مكتبه في الأمن العام وتوصل معهم الى اتفاقات لتهدئة الشارعين محققاً بذلك إنجازاً غير مسبوق في وقت كانت الأمور قد وصلت فيه الى حد التراجع الخطير الذي كان سيترك مضاعفات في الجبل، وهو ما لا يريده رئيس الجمهورية الذي يحيي دائماً مصالحة الجبل، وكذلك يفعل <وليد بك> في مناسبة وأخرى.

مصارحة ولائحتان… ووزير مستقل!

وسط هذه الأجواء والمناخات الايجابية انعقد لقاء بعبدا بين الرئيس عون وجنبلاط ولم يكن بينهما ثالث إلا المصارحة وفي العمق لطي صفحة الخلافات والسجالات، وكان دفاع من جنبلاط عن <التسوية> وضرورة استمرار مفاعيلها سياسياً وميدانياً، قابله تأييد من الرئيس عون لأهمية العلاقة الثنائية في المساعدة على تقريب وجهات النظر وإنهاء التباعد وإن ظل الخلاف السياسي قائماً إذ يمكن معالجته بالحوار الصادق والمفتوح. وبين كلمة مطمئنة من هنا، وعبارة لطيفة من هناك، ارتاح الرئيس و<البيك> ففتحا الباب أمام النقاش السياسي الذي تناول كل المواضيع المطروحة داخلياً واقليمياً، وصولاً الى الملف الحكومي وما يُعرف بـ<العقدة الدرزية> التي نشأت عن إصرار جنبلاط على أن يتمثل بثلاثة وزراء من <جماعته> في الحكومة العتيدة، مستبعداً بذلك الزعيم الدرزي الآخر وزير المهجرين الأمير طلال أرسلان الذي تراجعت العلاقة بينه وبين جنبلاط على أثر الأحداث الدامية التي وقعت في الشويفات خلال الانتخابات النيابية وأدت الى مقتل أحد مناصري الحزب الاشتراكي الذي اتهم مرافق ارسلان بإطلاق النار عليه والفرار من وجه العدالة.

ويروي مطلعون على اللقاء أن الحديث تشعّب وتطرق الى الواقع الذي أفرزته الانتخابات النيابية حيث شدّد الرئيس عون على ضرورة تمثيل جميع المكوّنات اللبنانية في الحكومة وعدم تهميش أي طرف، إضافة الى خصوصية الطائفة الدرزية وزعاماتها التقليدية. وفي محصلة النقاش كان الاتفاق الذي توّج اللقاء وكرّس حلّ <العقدة الدرزية>، والذي قضى بأن يضع جنبلاط لائحة من خمسة أسماء شخصيات درزية حيادية وغير حزبية، في مقابل لائحة أسماء قدمها الوزير أرسلان خلال لقاء صباحي جمعه مع الرئيس عون مع نواب <كتلة ضمانة الجبل> التي يرأسها وتضم إليه الوزير سيزار أبي خليل والنائبين ماريو عون وفريد البستاني، على أن يختار الرئيس عون اسماً بتفويض من جنبلاط وأرسلان يكون الوزير الدرزي الثالث كوزير دولة. وحملت لائحة جنبلاط خمسة أسماء هي: فايز رسامني، نبيل ابو ضرغم، رياض شديد، غسان عساف وعدنان العريضي. أما لائحة ارسلان فضمت ستة أسماء بقي منها ثلاثة بعد استبعاد ثلاثة بينهم اثنان ينتميان الى الحزب الديموقراطي وثالث ضابط متقاعد. والثلاثة الذين بقوا في <الميدان> وهم: زياد حيدر، صالح الغريب وفرحان أبو حسن، لم يعترض عليهم جنبلاط، وأحد هؤلاء الثلاثة سيكون الوزير الثالث في الحكومة الجديدة.

ووسط أجواء التوافق والارتياح، انتهى الاجتماع بين الرئيس عون وجنبلاط على اتفاق بأن تتوالى اللقاءات الثنائية، وتتفعل الاجتماعات بين مسؤولي الحزب التقدمي الاشتراكي والتيار الوطني الحر بهدف إعادة الصفاء الى قرى الجبل وبلداته وطي صفحة الخلافات وإرساء ثقة متبادلة كفيلة بحل كل الإشكالات التي يمكن ان تقع بين الجانبين. وعندما سُئل جنبلاط بعد مغادرة قصر بعبدا عن جو اللقاء مع الرئيس عون، حرص على القول بأن <الروح> عادت الى العلاقات الثنائية على أن تُترجم بالأفعال السياسية والميدانية… والحكومية.

ومع حلّ <العقدة الدرزية>، سلك تشكيل الحكومة العتيدة طريقاً معبّدة درزياً بالتوافق والتنسيق والتعاون، على أمل أن تشمل هذه الصفات <العقد> الأخرى وتتحقق ولادة الحكومة العتيدة.